لا دولة بدون كهرباء كتبه عبد المنعم هلال

لا دولة بدون كهرباء كتبه عبد المنعم هلال


06-08-2026, 01:30 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780878632&rn=0


Post: #1
Title: لا دولة بدون كهرباء كتبه عبد المنعم هلال
Author: عبد المنعم هلال
Date: 06-08-2026, 01:30 AM

01:30 AM June, 07 2026

سودانيز اون لاين
عبد المنعم هلال-الخرطوم-السودان
مكتبتى
رابط مختصر




‏ـ حين ينقطع التيار الكهربائي لا يتوقف الضوء وحده تتوقف الدولة بأسرها وتتجمد المستشفيات وتصمت المدارس والجامعات وتنام المصانع ويتعطّل الاقتصاد. الكهرباء ليست خدمة من بين خدمات بل هي العمود الفقري الذي تقوم عليه كل بنية حضارية حديثة.
‏الكهرباء: حقٌّ أم رفاهية ..؟
‏ـ لعقود طويلة تعاملت بعض الحكومات مع الكهرباء بوصفها امتيازاً تمنحه لمن تشاء وتسلبه متى تشاء أو خدمة تجارية تخضع لمنطق السوق الصارم غير أن التجربة الإنسانية المتراكمة أثبتت خطأ هذا التصور جذرياً فالدولة التي تعجز عن ضمان الإمداد الكهربائي المستمر لمواطنيها تعجز في الحقيقة عن ممارسة السيادة بمعناها الكامل.
‏ـ منذ أن أضاءت أولى المحطات الكهربائية شوارع المدن في أواخر القرن التاسع عشر، باتت الكهرباء تتسلّل إلى كل مفصل من مفاصل الحياة العامة والخاصة واليوم في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء أصبح التفاوت في الوصول إليها تفاوتاً في الحضارة ذاتها.
‏الكهرباء ليست سلعة تُباع وتُشترى إنها الشرط الأول لوجود الدولة المعاصرة.
‏ـ ما إن تضرب أزمة كهربائية حادة بلداً ما حتى تتكشّف بجلاء هشاشة المنظومة السياسية والاقتصادية برمّتها انظر إلى أزمات انقطاع الكهرباء المتكررة في عدد من الدول النامية تتراجع الإنتاجية الصناعية ويفر المستثمرون الأجانب إلى بيئات أكثر استقراراً وترتفع تكاليف التشغيل على الأعمال الصغيرة التي لا تملك موارد لشراء مولدات احتياطية فيما تعاني المستشفيات والمدارس والمرافق الحيوية من شلل متقطّع يكلف أرواحاً وفرصاً وعندما تنهار الشبكة تنهار الدولة.
‏ـ ثمة مفهوم بدأ يشقّ طريقه في أوساط السياسة الدولية هو (السيادة الكهربائية) ويعني قدرة الدولة على إنتاج طاقتها الكهربائية بصورة مستقلة أو شبه مستقلة دون أن تخضع لابتزاز الموردين أو تقلبات أسعار الوقود في الأسواق العالمية الدول التي تعتمد كلياً على استيراد الطاقة تضع مصيرها الاقتصادي رهينةً في يد الآخرين ولهذا تتسابق الدول المتقدمة اليوم نحو التنويع في مصادر الطاقة المتجددة (الشمس والرياح والمياه) لا حباً في البيئة وحسب بل لأن ذلك يعني استقلالاً استراتيجياً حقيقياً دولة تمتلك شبكة طاقة شمسية موزعة لا يمكن إخضاعها بقطع صنبور النفط أو رفع ثمن الغاز.
‏ـ لا يمكن الحديث عن الكهرباء بمعزل عن العدالة فحين تبقى أحياء الأثرياء مضاءة على مدار الساعة بينما تغرق مناطق الفقراء في الظلام ساعاتٍ طويلة فذلك ليس مجرد خلل تقني بل هو إعلان فاضح عن التفاوت الاجتماعي.
‏ـ الكهرباء المنتظمة في المدرسة تعني طفلاً يستطيع الاستذكار ليلاً والكهرباء في المستوصف الريفي تعني أماً تلد في أمان والكهرباء في المشغل الصغير تعني أسرةً تصمد في وجه الفقر من هنا فإن أي خطاب تنموي لا يضع ضمان الإمداد الكهربائي العادل في صميم أولوياته هو خطاب قاصر ووعود تنمية بلا عدة حقيقية.
‏ـ الحل ليس في الاكتفاء برفع الشعارات ولا في المضي في سياسات الدعم العشوائي التي تفقر الخزينة دون أن تحسن الخدمة الحل في استراتيجية طاقة وطنية طموحة تقوم على ثلاثة محاور أولاً توسيع الطاقة الإنتاجية عبر الاستثمار في الطاقة المتجددة ثانياً تحديث الشبكات القديمة المتهالكة التي تهدر كميات هائلة من الطاقة قبل أن تصل إلى المستهلك وثالثاً إرساء نموذج حوكمة شفاف يضمن توزيعاً عادلاً ويحارب الفساد في قطاع الطاقة.
‏ـ الكهرباء ليست مشروعاً اقتصادياً فحسب إنها مشروع حضاري بامتياز الأمم التي أدركت هذه الحقيقة مبكراً بنت اقتصادات راسخة وديمقراطيات حيّة ومجتمعات متماسكة والأمم التي لا تزال تراوح في حلقات العجز الكهربائي تدفع ثمن هذا التقصير من رصيد مستقبلها ومن حياة مواطنيها.
‏ـ الكهرباء ليست رفاهية إنها الدولة نفسها مضيئة أو مطفأة.
‏وختاماً نقول لـحكومة الأمل لا تكونوا حكومة ألم السودان اليوم بلا كهرباء، والمواطن السوداني يصارع الظلام بينما تُعقد الاجتماعات وتُطلق الوعود ضعوا استقرار الإمداد الكهربائي في صدر أولوياتكم لا في ذيل خططكم أضيئوا البلاد قبل أن تضيئوا جيوب المسؤولين بالحوافز وبدل السفريات والنثريات الدولارية والمرتبات المليارية.
‏ـ إذا كنتم تريدون عودة المواطنين إلى مدنهم وبيوتهم ..؟ ابدأوا بالكهرباء لا بالخطب الجوفاء ولا بالتصريحات الخرقاء ولا بالوعود التي يحملها الهواء ويأكلها الظلام كما يأكل كل شيء آخر في هذا البلد المنهك.
‏لا دولةَ بدون كهرباء والكهرباء ليست وعداً بل هي الاختبار الحقيقي للحكومة التي تدّعي الأمل.