استقبلوا الجنجويد بالأحضان.. ولجان المقاومة خلف القضبان بتهمة التعاون! كتبه عبدالغني بريش فيوف

استقبلوا الجنجويد بالأحضان.. ولجان المقاومة خلف القضبان بتهمة التعاون! كتبه عبدالغني بريش فيوف


06-07-2026, 06:23 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780852980&rn=0


Post: #1
Title: استقبلوا الجنجويد بالأحضان.. ولجان المقاومة خلف القضبان بتهمة التعاون! كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 06-07-2026, 06:23 PM

06:23 PM June, 07 2026

سودانيز اون لاين
عبدالغني بريش فيوف -USA
مكتبتى
رابط مختصر





في بلاد أنهكتها الحربُ حتى النخاع، وأدمى قلبَها تواترُ الخياناتِ وتعاقبُ الانكسارات، يطلّ علينا المشهد السوداني بوجه مزدوج صادم، يكشف عن انفصام حادٍ في منظومة العدالة، وعن ازدواجية مفضوحة في معايير المحاسبة.
ففي الوقت الذي تُفتح فيه أبوابُ القصور والمكاتب الرفيعة لاستقبال قادة من مليشيا الدعم السريع المنشقين، ممن غمست أيديهم في دماء السودانيين حتى المرافق، تُغلَق أبوابُ الزنازين على شباب مدنيين عُزّل، لا ذنب لهم سوى أنهم رفعوا أصواتهم في وجه الظلم، أو مرّت بهم شبهةٌ عابرةٌ في زمن صارت فيه الشبهةُ حكما، والاتهامُ إدانةً مسبقة، وكلمةُ الحقّ جريمةً يُعاقب عليها القانون.
إن الحكم الذي أصدرته محكمة جنايات القضارف يوم الخميس بسجن الناشط السياسي وعضو لجان المقاومة، علاء الدين الشريف، خمس سنوات بتهمة التعاون مع مليشيا الدعم السريع، ليس مجرد حكم قضائي يُضاف إلى سجلّات المحاكم، بل هو عَرَضٌ من أعراض مرض أعمقَ يستشري في جسد الدولة السودانية، مرضِ توظيفِ القضاء سلاحا في معركة سياسية خاسرة، وتحويلِ المنصّات إلى أدوات للانتقام من الضعفاء، بدلا من أن تكون منابرَ للحقّ ومرافئَ للمظلومين الذين تنكّر لهم كلُّ شيء.
ثمة مفارقةٌ مؤلمةٌ يعجز اللسانُ عن وصف بشاعتها، وتقصر الأقلامُ عن الإحاطة بفداحتها، وهي، كيف يُعقل أن يُحتفى بقائد ميدانيٍ كان قبل أيام قليلة يُصدر الأوامرَ بقصف الأحياء السكنية، واقتحام البيوت الآمنة، وانتهاك أعراض النساء، ونهب أرزاق الفقراء، ثم يُستقبل بالأحضان والابتسامات والبيانات الرسمية التي تُمجّد وطنيته وشجاعة قراره وحسّه الوطني المتأخر؟
وفي المقابل، يُقتاد شابٌّ مدنيٌّ من بيته في جنح الليل، لم يحمل سلاحًا قطّ، ولم يُطلق رصاصةً واحدة، ولم يَرَ معسكرا في حياته، فيُلقى به في غياهب السجون بتهمة فضفاضة مطّاطة، اسمها التعاون مع الدعم السريع؟
هذه ليست مفارقةً قانونيةً يمكن مناقشتها في قاعات الفقه والتشريع، بل هي جريمةٌ أخلاقيةٌ تُرتكب في وضح النهار بحقّ ذاكرة الضحايا، وبحقّ دماء الذين سقطوا في الجنينة ونيالا والفاشر والخرطوم وودمدني وسنّار.
إنها إهانةٌ صريحةٌ لكلّ أمٍ ثكلى تنتظر جثمان ابنها، ولكلّ يتيم شُرّد بعيدًا عن مدرسته وحيّه، ولكلّ أرملة بقيت تنتظر زوجا لن يعود من سفره الأخير، فحين تُكافأ السكاكينُ التي ذبحت، وتُعاقَب الأيدي التي رفعت لافتةَ لا للحرب، فاعلم يقينا أن المعادلة قد انقلبت رأسا على عقب، وأن البوصلة الوطنية قد ضاعت في عواصف الانتهازية السياسية، وأن السلطة قد فقدت آخر ما تبقّى لها من شرعية أدبية تستندُ إليها أمام شعبها وأمام التاريخ.
لقد كان القضاءُ عبر التاريخ الإنساني هو الملاذَ الأخير حين تُغلق الأبواب، والمَعقِلَ الذي يلجأ إليه الضعفاء حين يُجَرَّدون من كلّ شيء سوى صرختهم في وجه الظلم، غير أن ما يجري اليوم في السودان يُنذر بانهيار مدو لهذا الملاذ، وبتحوّل خطير في وظيفة المحاكم، من حماية المظلومين إلى توفير غطاء قانوني للانتقام السياسي، ومن قول الحقّ في وجه السلطان إلى ترديد ما يُملى عليها في الغرف المغلقة، فحين تصبح تهمة التعاون مع الدعم السريع بابا واسعا يدخل منه كلّ من أراد النظامُ إسكاته، فإننا أمام كارثة تشريعية وقضائية بامتياز، ستظلّ آثارُها ممتدّةً لعقود قادمة.
ولنا أن نتساءل بمشروعية كاملة، ما الذي يُثبت التعاون أصلا، أهو منشورٌ على فيسبوك يدعو إلى السلام، أم تغريدةٌ تنتقد قائدا عسكريا فاشلا، أم موقفٌ سياسيٌّ يدعو إلى وقف الحرب وحقن الدماء، أم مكالمةٌ هاتفيةٌ مع قريب في منطقة يسيطر عليها الدعم السريع للاطمئنان على سلامته، أم صورةٌ قديمةٌ التُقطت في مناسبة عامة قبل اندلاع الحرب؟
إن غيابَ المعايير الواضحة لهذه التهمة، وفضفاضيّتها المخيفة التي تتّسع لكلّ شيء وتضيق بالحقّ وحده، يجعل منها سيفا مسلطًا على رقاب كلّ السودانيين، لا يُفلت منه إلا الموالي والمصفّق والمنافق الذي باع ضميره بثمنٍ بخس، وهذا تحديدا ما تريده السلطة، إفراغُ الفضاء العام من أيّ صوت ناقد، وتحويلُ المجتمع إلى قطيع صامت يسير خلف الراية المرفوعة، مهما كانت ملطّخةً بالدماء ومضرّجةً بالعار.
إن اللجوء إلى تكديس الزنازين بالناشطين والمدنيين، ليس علامةَ قوّة كما يُريد أصحابُ القرار أن يُصوّروه في خطاباتهم الرنّانة، بل هو في حقيقته العارية التي لا تحتمل التجميل، اعترافٌ ضمنيٌّ بالعجز المطبق، فالحكومةُ التي تعجز عن حسم المعركة في الميدان رغم مرور أكثر من ثلاثة أعوام على اشتعالها، وتفشل في حماية مدنها وقراها من اجتياح المليشيا، تجد ضالّتها في اصطياد الضعفاء والعزّل، لتُوهم الرأي العام بأنها تُحقّق انتصارات قضائيةً تعوّض هزائمها العسكرية المتلاحقة.
إنها لعبةٌ قديمةٌ تكرّرها الأنظمةُ المأزومةُ عبر التاريخ بصورٍ متشابهة، حين يعجز السيف، يُستدعى القاضي، وحين تخذل الجبهة، تُفتح ملفاتُ المعارضين، وحين تنكسر الجيوش في المعارك، تنتصر الزنازين على المعتقلين، والأنكى من ذلك كلّه أن هذه السياسة العمياء لا تُضعف الدعم السريع كما يظنّ مهندسوها، ولا تُلحق به ضررا يُذكر، بل تُقوّيه من حيث لا تشعر السلطة وهي تحفر قبرها بيديها، فحين يرى الشبابُ السوداني أن لا فرق بين الصامت والناطق، وبين البريء والمتّهم، وبين المنحاز والمحايد، فإن كثيرين سيختارون مكرَهين لا طائعين الانحياز إلى الطرف الآخر، أو على الأقلّ، سيفقدون كلّ ثقة في الدولة وأجهزتها ومؤسساتها، وبهذا، تدفع السلطةُ الناسَ دفعا نحو الأطراف التي تدّعي محاربتها، وتُعيد إنتاج عدوّها من رحم سياساتها الخاطئة.
ومن المؤسف أشدّ الأسف أن يُختزل تاريخُ الجنجويد الدمويُّ الطويلُ في صفقات سياسية خاسرة، وأن تُمحى من الذاكرة الرسمية مجازرُ دارفور التي هزّت ضمير العالم، وانتهاكاتُ الخرطوم التي وثّقتها منظمات حقوق الإنسان، واغتصاباتُ الجزيرة التي صارت وصمةً في جبين الإنسانية، ومذابحُ سنّار التي يندى لها الجبين، بمجرّد أن يُعلن قائدٌ من قادة المليشيا انشقاقَه وانضمامَه إلى الجيش في مؤتمرٍ صحفي مرتّب.
هل يكفي إعلانٌ مقتضبٌ، أو بيانٌ مصوَّر، لمحو سنوات من القتل والسلب والتشريد، هل تُغفر الدماءُ بتوقيع على ورقة، ويُصفح عن الجرائم بمصافحة أمام عدسات الكاميرات، هل صارت الوطنيةُ سلعةً تُباع وتُشترى في أسواق السياسة، يأتي بها من شاء، ويتخلّى عنها من شاء، دون حساب ولا عقاب؟
إن أيّ مشروع وطني حقيقي لإنهاء الحرب وإعادة بناء السودان، لا بدّ أن يقوم على ركيزتين متلازمتين لا انفصام بينهما، المحاسبةُ الشاملةُ لكلّ من ارتكب جريمةً بحقّ المدنيين، أيا كان موقعه أو انتماؤه أو ولاؤه الحالي أو السابق، والعدالةُ الانتقاليةُ التي لا تُفرّق بين دم ودم، ولا بين ضحية وضحية، ولا بين قبيلة وقبيلة.
أما أن تُفتح الأحضانُ لمن ثبتت يدُه في الدم، وتُغلق السجونُ على من ثبتت براءتُه من السلاح، فتلك معادلةٌ معطوبةٌ مختلّةٌ، لن تُنتج إلا مزيدا من الشروخ في النسيج الوطني، ومزيدا من الأحقاد في الصدور، ومزيدا من بذور الحروب القادمة التي ستحصدها الأجيالُ القادمة دموعا ودماء، وليس صدفة أن يكون المحكومُ عليه في القضارف عضوا في لجان المقاومة، فهذه اللجان التي كانت ولا تزال ضميرَ الثورة السودانية، وحاملةَ لواء الحلم بدولة مدنية ديمقراطية تتّسع للجميع، باتت اليوم في مرمى استهدافٍ ممنهجٍ ومدروس، فالسلطة تدرك جيّدا أن هؤلاء الشباب لا يحملون سلاحا، ولا يُهدّدون الدولة عسكريا، لكنهم يحملون ما هو أمضى من السلاح وأبقى أثرا، فكرةً نقيّة، ووعيا متّقدا، ومشروعا بديلا يُقلق منام المتنفّذين، وهذا تحديدا ما لا تطيقه الأنظمةُ التي تعيش على الفوضى وتزدهر في الظلام وتخاف من ضوء الفجر.
إن استهداف لجان المقاومة بتهم ملفّقة من قبيل التعاون مع الدعم السريع، هو محاولةٌ بائسةٌ لتشويه هذه القاعدة الشعبية النظيفة، وضربها في صميم مصداقيتها التي اكتسبتها بالدم والعرق، لكنّ التاريخ يُعلّمنا بدروسه المتكرّرة أن الأفكار لا تُسجن خلف القضبان، وأن الضمائر لا تُكسر بالأحكام، وأن كلّ شهيد يسقط، وكلّ معتقل يُساق إلى الزنزانة، إنما يُضيف وقودا جديدا إلى نار الحلم الذي لن ينطفئ مهما طال ليل الظالمين، ونداءٌ من قلب الجرح النازف إلى كلّ من يملك ذرّةَ ضمير في هذا الوطن المنكوب، إلى القضاة الشرفاء الذين لم تتلوّث أرديتُهم بعد بأوحال السياسة، وإلى المحامين الذين يحملون رسالةَ الدفاع عن المظلومين كأمانة في أعناقهم، وإلى الإعلاميين الذين يرفضون أن يكونوا أبواقا للسلطة وطبولا تُقرع في مواكب الجلّادين، وإلى المثقفين الذين لا تزال أقلامُهم حرّةً لم تُشترَ بعد، نقول لهم، إن ما يجري اليوم في محاكمنا ليس شأنا فرديا يخصّ هذا المعتقل أو ذاك، بل هو شأنٌ وطني عامٌّ، يمسّ مستقبل العدالة والحريات في السودان كلّه، ويُحدّد ملامح الدولة التي ستقوم على أنقاض هذه الحرب، فالصمت على هذه المهزلة شراكةٌ فيها، والتطبيع معها تشريعٌ لاستمرارها، والاكتفاء بالتفرّج خيانةٌ للضحايا الذين يستحقّون أن يقف أحدٌ إلى جانبهم في زمن التخلّي.
إن السودان الذي نحلم به جميعا، والذي ضحّى من أجله ملايينُ السودانيين في ديسمبر المجيد، ليس سودانا تُقاس فيه الوطنيةُ بالولاء للسلطة، ولا تُكال فيه التهمُ بمكيالين أحدهما للأقوياء والآخر للضعفاء، ولا تُمنح فيه البراءةُ لمن يدفع، وتُصادَر فيه الحرّيةُ ممن يرفض الانحناء.
إنه سودانٌ يقف فيه القانونُ على مسافة واحدة من الجميع، وتُحاسَب فيه الجريمةُ بمعيار واحد لا يتبدّل، ويتساوى فيه ابن المسؤول مع ابن الراعي في الحقوق وفي الواجبات وفي الحساب أمام العدالة، وإلى أن يتحقّق هذا الحلم الذي بدا اليوم بعيد المنال، سيظلّ علاء الدين الشريف، وكلّ من سُجن ظلما في هذا الزمن الرديء، وصمةَ عار في جبين سلطة آثرت الانتقامَ على العدالة، والمكايدةَ على المصالحة، والصفقاتِ المشبوهة على المحاسبة الشفّافة، وستظلّ الذاكرةُ الشعبية التي لا تُخدع طويلا مهما تقنّعت السلطةُ بأقنعة الوطنية تحفظ هذه الأسماء بدقّة متناهية، وتميّز بوضوح تام بين من باع وطنه في سوق النخاسة السياسية وبين من سُجن لأنه أحبّ هذا الوطن أكثر مما ينبغي، والتاريخُ، في نهاية المطاف وحين تنجلي الغبارُ، لا يكتبه الجلّادون بسيوفهم المسلولة، بل يكتبه الذين رفضوا أن يركعوا أمام الباطل، ولو كلّفهم ذلك أن يناموا خلف القضبان الباردة، أو أن يُدفنوا تحت تراب لم يعرف العدل يوما.