اتحاد الصحفيين: مأزق الكسل المؤسسي كتبه د. ياسر محجوب الحسين

اتحاد الصحفيين: مأزق الكسل المؤسسي كتبه د. ياسر محجوب الحسين


06-07-2026, 06:33 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780810435&rn=0


Post: #1
Title: اتحاد الصحفيين: مأزق الكسل المؤسسي كتبه د. ياسر محجوب الحسين
Author: د. ياسر محجوب الحسين
Date: 06-07-2026, 06:33 AM

06:33 AM June, 07 2026

سودانيز اون لاين
د. ياسر محجوب الحسين-UK
مكتبتى
رابط مختصر



أمواج ناعمة











يمر الاتحاد العام للصحفيين السودانيين بمرحلة استثنائية طالت أكثر مما ينبغي، حتى بات وكأنه سفينة راسية في ميناء الأزمات، تنتظر انقشاع العاصفة منذ أكثر من ست سنوات. فالقيادة الحالية، برئاسة الزميل الصادق الرزيقي، جاءت عبر انتخابات دستورية شرعية في ظروف سابقة، غير أن دورتها الانتخابية انتهت منذ زمن، بينما فرضت التحولات السياسية المتلاحقة واقعا استثنائيا أبقاها في موقع القيادة.

منذ سقوط النظام السابق في أبريل 2019، مرورا بالفترة الانتقالية المضطربة وما حفلت به من تقلبات، وصولا إلى الحرب الحالية المدمرة التي اندلعت في أبريل 2023 وما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على البلاد، ظل الاتحاد يعمل وسط حقول من الألغام السياسية والأمنية. وفي هذا السياق، يمكن تفهم استمرار القيادة الحالية باعتباره استجابة لضرورات المرحلة لا رغبة في البقاء.

ولا يمكن إنكار أن قيادة الاتحاد بذلت جهودا مقدرة في الدفاع عن الصحفيين، وتوثيق الانتهاكات، وإيصال صوت المهنة إلى المنابر الإقليمية والدولية، ومواصلة النشاط النقابي رغم ظروف النزوح والتشظي وانهيار البنية المؤسسية في أجزاء واسعة من البلاد. غير أن ما كان استثناء مبررا بالأمس، يهدد اليوم بأن يتحول إلى حالة دائمة من الجمود. فالمؤسسات، كالكائنات الحية، لا تزدهر إلا بالتجدد، وعندما تتوقف عجلة التداول تبدأ ملامح الإرهاق التنظيمي في الظهور، ويتسلل الوهن إلى بنيتها من حيث لا تشعر.

إن استمرار الوضع الحالي دون أفق واضح للتجديد يفتح ثغرات تتسلل منها أجسام موازية تدعي تمثيل الصحفيين، ويضعف تدريجيا مناعة الاتحاد ومكانته المعنوية. فالمقاعد التي تطول الإقامة عليها تتحول أحيانا من مواقع قيادة إلى مناطق راحة، ومن أدوات للحركة إلى مراس تعيقها.

من هنا يبرز طرح عملي ومتوازن لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يستهدف حماية المؤسسة نفسها. ويتمثل في أن يعلن الاتحاد بصورة رسمية أن قيادته الحالية تعمل بصفة لجنة تسيير انتقالية مؤقتة، وأن يشرع على الفور في إعداد رؤية قانونية وسياسية تتناسب مع الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد، بما يمهد لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة متى ما توفرت الشروط المناسبة.

هذه الرؤية يمكن أن تستوعب تعقيدات الواقع السوداني الراهن، من نزوح واسع وتشتت جغرافي وضعف في شبكات الاتصال، عبر اعتماد حلول مرنة مثل التصويت الإلكتروني الخاضع للرقابة، أو تنظيم انتخابات مرحلية في المناطق الآمنة، أو منح تمثيل منظم ومحدود للصحفيين في المهجر. فالغاية ليست إقصاء أحد أو التقليل من جهود القيادة الحالية، بل تجديد الشرعية وضخ دماء جديدة تحمل طاقة مختلفة وأفكارا تتناسب مع تحديات مرحلة ما بعد الحرب.

ولعل هذا المسار يحقق جملة من المكاسب الاستراتيجية المهمة. فهو أولا يغلق الباب أمام أي محاولات لخلق أجسام موازية تفتقر إلى الشرعية. وثانيا يعزز الثقة الداخلية والخارجية في الاتحاد، بما يدعم جهوده في الدفاع عن الحريات الصحفية وحماية الصحفيين. وثالثا يفتح المجال أمام جيل جديد من الإعلاميين الذين تشكل وعيهم في قلب الثورة والحرب، ويحملون تصورات جديدة حول دور الصحافة في بناء السلام وإعادة تأسيس الدولة.

التجارب الدولية تؤكد أن الأزمات ليست بالضرورة مبررا لتجميد المؤسسات. ففي تونس بعد ثورة 2011، أعادت النقابات المهنية، ومنها الأجسام الصحفية، ترتيب هياكلها عبر ترتيبات انتخابية انتقالية رغم الاضطراب السياسي، فخرجت أكثر قوة وتأثيرا. وأظهرت تجارب عربية أخرى أن التمسك الطويل بالقيادات نفسها يفضي غالبا إلى تراجع الحيوية والتأثير، بينما يمنح التجديد المؤسسات فرصة جديدة للتنفس والانطلاق.

والاتحاد العام للصحفيين السودانيين، بتاريخه العريق ورصيده المهني، أقدر من غيره على استيعاب هذه الروح وتجسيدها. فالتذرع المستمر بالظروف الاستثنائية قد يتحول، مع مرور الوقت، من مبرر موضوعي إلى قيد يعيق الحركة. والمؤسسات التي تعتاد الانتظار تفقد تدريجيا قدرتها على المبادرة.

إن التحديات المقبلة لا تقل جسامة عن تحديات اليوم، من إعادة بناء الإعلام السوداني، ومواجهة حملات التضليل والدعاية، إلى حماية الصحفيين وترسيخ معايير المهنية في مرحلة ما بعد الحرب. وهذه المهام تحتاج إلى مؤسسة متجددة تمتلك شرعية متجددة وقدرة متجددة على الفعل.

لقد قدمت القيادة الحالية الكثير، ويحق لها أن تفخر بما أنجزته في واحدة من أصعب الفترات التي مرت على السودان. غير أن أعظم ما يمكن أن تضيفه إلى سجلها ربما لا يكون الاستمرار، بل فتح الباب أمام انتقال منظم يرسخ ثقافة التداول ويعزز مكانة الاتحاد للأجيال القادمة.

لذلك فإن الدعوة اليوم ليست إلى مواجهة داخلية، بل إلى خطوة شجاعة ومسؤولة، تتمثل في إعلان لجنة تسيير انتقالية، وإطلاق حوار واسع يضم الصحفيين في الداخل والخارج لوضع خارطة طريق انتخابية واضحة. فهذا ليس انقلابا على الشرعية، بل تجديد لها، وليس انتقاصا من الماضي، بل استثمار في المستقبل.

فالصحافة السودانية التي دفعت أثمانا باهظة من الدماء والتهجير والملاحقة تستحق اتحادا نابضا بالحيوية، قادرا على تمثيلها بكفاءة في معركة إعادة الإعمار الوطني. والوقت، كالنهر، لا يتوقف عند ضفة الانتظار. أما التجديد فليس اتهاما لأحد، بل هو الجسر الذي تعبر عليه المؤسسات من مقاومة التآكل إلى تجديد الحيوية وصناعة الأثر.