أعداء في المنابر.. حلفاء في الدولة: ما الذي يجمع الجيش وصمود والشيوع كتبه خالد كودي

أعداء في المنابر.. حلفاء في الدولة: ما الذي يجمع الجيش وصمود والشيوع كتبه خالد كودي


06-06-2026, 03:59 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780757944&rn=0


Post: #1
Title: أعداء في المنابر.. حلفاء في الدولة: ما الذي يجمع الجيش وصمود والشيوع كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 06-06-2026, 03:59 PM

03:59 PM June, 06 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر





6/6/2026 ، بوسطن

السودان بين معسكر الإصلاح ومعسكر التأسيس:
قراءة في التحالفات الموضوعية خلف الخطابات السياسية
في السياسة، لا تُقاس مواقع القوى بما تعلنه من شعارات أو بما تخوضه من معارك إعلامية، بل بما تطرحه من إجابات على الأزمات التاريخية الكبرى. فكثيراً ما تبدو الأحزاب والتنظيمات متباعدة في خطابها ومتنازعة في مواقفها اليومية، لكنها تلتقي عند حدود معينة عندما يتعلق الأمر بطبيعة الدولة التي تسعى إلى الحفاظ عليها أو إصلاحها.
ومن هذا المنطلق، لا يسعى هذا المقال إلى إعادة إنتاج التصنيفات التقليدية التي تقسم المشهد السوداني إلى عسكريين ومدنيين، أو يسار ويمين، أو مركز وهامش، بقدر ما يسعى إلى الكشف عن خطوط الانقسام الأعمق التي تحدد المواقف من القضايا المؤسسة للأزمة السودانية نفسها: الديمقراطية والحريات، العلمانية والعلاقة بين الدين والدولة، والعدالة التاريخية، وتوزيع السلطة والثروة، وحق تقرير المصير، وطبيعة المؤسسة العسكرية، وشكل الدولة ومستقبلها.
صحيح أن بعض القوى السياسية والمدنية تعلن تأييدها بدرجات متفاوتة للفصل بين الدين والدولة، أو للفيدرالية، أو لتوسيع اللامركزية، إلا أن التدقيق في برامجها ومواقفها العملية يكشف أن معظمها يتعامل مع هذه القضايا بوصفها موضوعات قابلة للتفاوض والتسوية والتأجيل، لا باعتبارها مبادئ تأسيسية يجب حسمها مسبقاً كشرط لبناء دولة جديدة. فهي تطرحها غالباً في إطار الإصلاح السياسي للدولة القائمة، لا في إطار إعادة تعريف أسس الدولة نفسها.
ومن هنا فإن الانقسام الأهم في السودان اليوم لا يقع بين الجيش وخصومه المدنيين، ولا بين القوى السياسية المتنافسة على السلطة، بل بين رؤيتين مختلفتين للدولة: رؤية ترى أن الأزمة السودانية يمكن معالجتها عبر إصلاح الدولة الموروثة وإعادة إدارتها بصورة أفضل، ورؤية أخرى تعتبر أن جذور الأزمة كامنة في طبيعة هذه الدولة نفسها، وأن الخروج من دائرة الحروب والانهيارات المتكررة يتطلب إعادة تأسيسها على أسس جديدة.
لذلك فإن فهم التحالفات والصراعات السودانية يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الخطابات المعلنة والتحالفات الظرفية، والانتقال إلى سؤال أكثر جوهرية: من يقف في معسكر الإصلاح، ومن يقف في معسكر التأسيس؟ فهنا تحديداً يظهر الخط الفاصل الذي يفسر كثيراً من الخصومات التي تبدو حادة على السطح، بينما تخفي اتفاقاً واسعاً حول أسس الدولة القائمة، كما يفسر أيضاً الخلافات التي تبدو سياسية أو إجرائية، بينما هي في حقيقتها خلافات حول مستقبل السودان نفسه.

منذ اندلاع الحرب السودانية الانية في أبريل 2023، بدا المشهد السياسي وكأنه فسيفساء معقدة من الأحزاب والتحالفات والحركات المسلحة والمبادرات المدنية والمنابر التفاوضية المتنافسة. وعلى السطح، يبدو أن الخلافات بينها عميقة ومتعددة، تمتد من الموقف من الحرب إلى قضايا الانتقال السياسي والشرعية والاقتصاد والعلاقات الخارجية. غير أن النظر إلى هذه القوى من زاوية القضايا التأسيسية للدولة يكشف صورة مختلفة تماماً.
فعندما يُنقل التحليل من مستوى الصراع على السلطة إلى مستوى الصراع على طبيعة الدولة، تتراجع كثير من التباينات الظاهرة، ويصبح المشهد انقسام بين مشروعين رئيسيين:
الأول: مشروع إصلاح الدولة السودانية القائمة والمحافظة على بنيتها الأساسية مع إدخال تعديلات سياسية ودستورية عليها.
الثاني: مشروع إعادة تأسيس الدولة السودانية من جذورها على أسس سياسية ودستورية واجتماعية جديدة.
ولا يكمن الفرق الجوهري بين هذين المشروعين في الأشخاص أو التنظيمات أو التحالفات المؤقتة، وإنما في الكيفية التي يجيب بها كل منهما على الأسئلة التاريخية التي ظلت تنتج الأزمات والحروب في السودان منذ الاستقلال.

أولاً: معسكر الإصلاح
يضم هذا المعسكر، بدرجات متفاوتة، المؤسسة العسكرية والأمنية السودانية، وتحالف صمود، والكتلة الديمقراطية، وتحالفات التغيير الجذري بقيادة الحزب الشيوعي، والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، وقطاعات واسعة من منظمات المجتمع المدني الشمالية، بالإضافة إلى عدد من الأحزاب السياسية التقليدية والحديثة.
ورغم التناقضات الكبيرة بين هذه المكونات في قضايا السلطة والحرب والاقتصاد والانتقال السياسي، فإنها تلتقي عند حدود معينة عندما يتعلق الأمر بالقضايا المؤسسة للدولة.
أولاً: العلاقة بين الدين والدولة
تختلف هذه القوى في درجة اقترابها أو ابتعادها من الثيوقراطية، لكنها تتفق عملياً على عدم حسم العلاقة بين الدين والدولة باعتبارها مبدأً فوق دستورياً ملزماً.
فالطرح الغالب بينها يقوم على إحالة القضية إلى التفاوض السياسي أو مؤتمر دستوري مزمع، أو التوافق الوطني المستقبلي. وبذلك تظل واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في تاريخ الحروب السودانية مؤجلة إلى مرحلة لاحقة، بدلاً من حسمها باعتبارها جزءاً من الأساس الذي تُبنى عليه الدولة الجديدة.
ثانياً: العدالة
تكاد جميع هذه القوى تتبنى مفاهيم العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، والمحاسبة القانونية، والمصالحة الوطنية. غير أن الحديث عن العدالة التاريخية يظل محدوداً أو غائباً في معظم مشاريعها.
فالعدالة التاريخية لا تقتصر على محاسبة مرتكبي الانتهاكات، بل تمتد إلى مراجعة البنية التاريخية التي أنتجت التهميش وعدم المساواة، بما في ذلك الإرث المرتبط بالرق وآثاره الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، واختلالات توزيع السلطة والثروة بين المركز والأقاليم، وأنماط الهيمنة التي صاحبت بناء الدولة السودانية الحديثة.

ثالثاً: وحدة السودان
ورغم اختلاف هذه القوى حول شكل الحكم ومستوى اللامركزية، فإنها تتبنى في معظمها رؤية تجعل وحدة السودان نقطة انطلاق ثابتة وليست نتيجة لعقد سياسي جديد.
ومن ثم فإنها لا تنظر إلى حق تقرير المصير بوصفه حقاً سياسياً عاماً يمكن أن يشكل ضمانة ديمقراطية للشعوب والأقاليم، بل تتعامل معه باعتباره استثناءً أو تهديداً محتملاً للوحدة الوطنية قصرية كانت ام طوعية.

رابعاً: المؤسسة العسكرية
تختلف هذه القوى حول دور الجيش الحالي وموقعه في الحياة السياسية والاقتصادية، لكنها لا تتبنى مشروعاً لإعادة تأسيس المؤسسة العسكرية من جذورها.
فالطرح السائد بينها يدور حول إصلاح القوات المسلحة، وإعادة هيكلتها، ودمج القوات المختلفة في مؤسسة واحدة، مع تطوير عقيدتها المهنية. أما فكرة بناء جيش جديد يستند إلى عقد سياسي جديد ويعكس التعدد السوداني بصورة متوازنة، فليست جزءاً أساسياً من معظم هذه الرؤى ان لم يكن كلها.

خامساً: اللامركزية
ورغم الانتشار الواسع للخطاب الفيدرالي، فإن غالبية الطروحات المطروحة تدور داخل إطار اللامركزية الإدارية أو الفيدرالية التقليدية.
أما نقل السلطات السيادية والموارد والقدرة الفعلية على اتخاذ القرار إلى الأقاليم باعتبارها وحدات شريكة في تأسيس الدولة، فما يزال خارج نطاق أغلب المشاريع الإصلاحية المطروحة من هذه المجموعات.

سادساً: السلطة والثروة
تدعو معظم هذه القوى إلى تحسين توزيع السلطة والثروة وتقليل الفوارق التنموية، لكنها لا تتبنى بصورة واضحة برامج لإعادة التوزيع التاريخي تعالج تراكمات عقود طويلة من التهميش بناء علي (عدالة تاريخية)
كما تتبنى في الغالب سياسات تمييز إيجابي طويلة المدى أو آليات دستورية ملزمة لإعادة التوازن بين المركز والمناطق التي تحملت النصيب الأكبر من الحرب والإقصاء والتخلف التنموي.

أين تختلف هذه القوى بالضبط؟
رغم هذا التقاطع الواسع، فإن الخلافات بينها ليست هامشية، لكنها تدور أساساً حول إدارة الدولة لا حول تعريفها.
فالقوى المدنية تطالب بإنهاء الانقلابات العسكرية، وإقامة حكم مدني ديمقراطي، وضمان الحريات العامة، ووقف الحرب، واصلاحات اقتصادية، وتقليص الدور السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية.
في المقابل، تتمسك المؤسسة العسكرية بدور أكبر في إدارة الدولة وفي تحديد مسارات الانتقال السياسي والأمني.
كما تدور الخلافات بين هذه القوى حول أسئلة مثل:
١/ من يقود المرحلة الانتقالية؟
٢/ من يمتلك الشرعية السياسية؟
٣/ كيف تُوزع السلطة خلال الفترة الانتقالية؟
٤/ وما هي ترتيبات ما بعد الحرب؟
لكنها لا تصل في كل الأحيان إلى مستوى الخلاف حول طبيعة الدولة ذاتها.
لماذا لا تُعد هذه الخلافات خلافات جذرية؟
يفرق عالم السياسة الأمريكي صمويل هنتنغتون بين الصراعات التي تدور حول شاغلي السلطة والصراعات التي تدور حول طبيعة النظام السياسي نفسه. كما يميز أنطونيو غرامشي بين الصراع داخل المنظومة المهيمنة والصراع الذي يستهدف إعادة تشكيل المنظومة ذاتها.
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى معظم الخلافات بين الجيش وصمود والكتلة الديمقراطية وتحالف التغيير الجذري وأجزاء واسعة من المعارضة باعتبارها خلافات تدور داخل الإطار التاريخي نفسه للدولة السودانية...
أما القضايا المتعلقة بالعلمانية الدستورية، والعدالة التاريخية، وحق تقرير المصير، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وإعادة تأسيس المؤسسة العسكرية والأمنية من اول وجديد، فهي قضايا تتجاوز حدود الإصلاح لتلامس سؤال الدولة نفسه، ولذلك تمثل خط الفصل الحقيقي بين معسكر الإصلاح ومعسكر التأسيس.

دروس من التجارب المقارنة:
تظهر تجارب بناء الدول بعد النزاعات أن القوى السياسية قد تتجاوز تناقضاتها الفكرية عندما تتفق على طبيعة الدولة التي تريد بناءها.
ففي جنوب أفريقيا توحدت قوى متباينة حول إنهاء نظام الفصل العنصري ووضع أسس دستورية جديدة قبل الدخول في التنافس الحزبي. وفي اتفاق الجمعة العظيمة في أيرلندا الشمالية جرى الاتفاق أولاً على المبادئ الحاكمة للعلاقة بين المكونات المختلفة قبل الانتقال إلى ترتيبات الحكم. كما شهدت إثيوبيا في مطلع التسعينيات عملية إعادة تعريف للعلاقة بين القوميات والدولة قبل إعادة تنظيم السلطة المركزية...

نحو كتلة إصلاحية موحدة:
إذا كانت هذه القوى تتفق، بدرجات متفاوتة، على أهداف مثل وقف الحرب، واستعادة الاستقرار، وإقامة نظام ديمقراطي، وضمان الحريات العامة، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية، وتحقيق المحاسبة والعدالة الانتقالية، فإن مساحة التوافق بينها تبدو أكبر بكثير من مساحة الخلاف.
ومن هذا المنطلق، قد يكون من المنطقي سياسياً أن تتجاوز هذه القوى تناقضاتها الثانوية وصراعاتها حول التمثيل والقيادة والشرعية، وأن تعمل على تشكيل كتلة تفاوضية واحدة تعبر عن مشروع الإصلاح، تضم المؤسسة العسكرية من جهة، والقوى المدنية الإصلاحية المختلفة من جهة أخرى. فهذه القوى، رغم اختلاف مرجعياتها وخطاباتها، تتحرك في نهاية المطاف داخل تصور متقارب لطبيعة الدولة ومستقبلها.
وعلى هذا الأساس، يمكن أن تدخل هذه الكتلة في عملية تفاوض مباشرة مع معسكر التأسيس، مستندة إلى برنامج حد أدنى يقوم على:
١/ وقف الحرب بصورة شاملة ودائمة.
٢/ تشكيل سلطة انتقالية مدنية.
٣/ بناء مؤسسات الدولة وإصلاحها.
٤/ تنظيم انتخابات حرة ونزيهة.
٥/ تنفيذ إصلاحات اقتصادية عاجلة.
٦/ ضمان الحقوق والحريات العامة.
٧/ تحقيق العدالة الانتقالية والمحاسبة القانونية.
فمثل هذه الأهداف تمثل القاسم السياسي المشترك الذي تلتقي عنده معظم مكونات معسكر الإصلاح، مهما اختلفت رؤاها بشأن تفاصيل المرحلة الانتقالية أو مواقعها داخل السلطة. ولذلك فإن توحيد هذا المعسكر حول برنامج واضح قد يكون خطوة ضرورية قبل الدخول في حوار تاريخي أوسع مع معسكر التأسيس حول طبيعة الدولة السودانية ومستقبلها!

ثانياً: معسكر التأسيس والسودان الجديد
يقوم مشروع "تأسيس" ورؤية السودان الجديد على منطلق مختلف تماماً.
فهو ينطلق من أن أزمة السودان ليست أزمة حكم فقط، بل أزمة تأسيس دولة.
ولهذا يتبنى عدداً من المبادئ فوق الدستورية، من أبرزها:
- المواطنة المتساوية.
- العلمانية.
- الديمقراطية المدنية.
- الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي.
- العدالة التاريخية.
- إعادة توزيع السلطة والثروة.
- اللامركزية العميقة.
- حق تقرير المصير.
- جيش قومي مهني جديد.
- إنهاء هيمنة المركز التاريخية.
وبذلك فإن الخلاف بين "تأسيس" ومعسكر الإصلاح ليس خلافاً حول من يحكم السودان، بل حول ماهية السودان نفسه.

من التفاوض على السلطة إلى التفاوض على الدولة: مقاربة عملية للخروج من الأزمة السودانية
تكشف تجارب بناء الدول بعد الحروب أن أكبر أسباب فشل عمليات السلام هو الخلط بين التفاوض حول السلطة والتفاوض حول الدولة. فالكثير من الاتفاقيات نجحت في وقف القتال مؤقتاً، لكنها فشلت في بناء سلام مستدام لأنها تعاملت مع نتائج الأزمة لا مع أسبابها. لقد حدث ذلك في أكثر من تجربة أفريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية، حيث جرى تقاسم المناصب والثروة بين النخب المتصارعة بينما بقيت الأسئلة المؤسسة للدولة دون إجابة.
أما التجارب الأكثر نجاحاً، مثل جنوب أفريقيا وبعض عمليات التحول الدستوري الكبرى، فقد انطلقت من مبدأ مختلف: الاتفاق أولاً على المبادئ الحاكمة للدولة قبل التفاوض على من يحكمها (مبادئ فوق دستورية). فالسلطة يمكن تداولها، أما طبيعة الدولة فهي التي تحدد شكل السلطة وحدودها ووظيفتها.
ومن هذا المنظور، فإن الأزمة السودانية لا يمكن اختزالها في الحرب الحالية أو في الصراع بين الجيش والقوى المدنية، بل هي أزمة ممتدة تتعلق بطبيعة الدولة التي تأسست بعد الاستقلال، وبالأسس التي قامت عليها علاقات السلطة والثروة والهوية والمواطنة. ولذلك فإن أي تفاوض جاد ينبغي أن ينتقل من سؤال "من يحكم السودان؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "كيف ينبغي أن يُبنى السودان"؟

المرحلة الأولى: توحيد معسكر الإصلاح
قبل الشروع في أي عملية تفاوض وطنية شاملة، يصبح من الضروري أن تعيد القوى التي تسعى إلى المحافظة على البنية الأساسية للدولة السودانية أو إصلاحها تنظيم نفسها داخل كتلة سياسية تفاوضية واحدة.
تضم هذه الكتلة واجهتها العسكرية المتمثلة في المؤسسة العسكرية السودانية، وواجهتها المدنية المتمثلة في تحالفات القوى السياسية التقليدية ومنظمات المجتمع المدني والنخب الإصلاحية المختلفة.
فالتجارب التاريخية تشير إلى أن نجاح المفاوضات يتطلب وضوح الأطراف المتفاوضة، لا تعدد المنابر وتكرار الوفود المتنافسة التي تحمل رؤى متقاربة في الجوهر.
وخلال هذه المرحلة الاولي التركيز على القضايا العاجلة التي تمثل الحد الأدنى المشترك بين الجميع
١/ وقف الحرب بصورة شاملة
٢/ إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق
٣/ حماية المدنيين
٤/ تثبيت ترتيبات أمنية انتقالية مؤقتة
٥/ خلق بيئة آمنة للحوار السياسي

المرحلة الثانية: الانتقال من المبادئ إلى المؤسسات
هنا ينتقل التفاوض من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.
فبدلاً من الدخول مباشرة في حوار دستوري مفتوح حول كل القضايا، يتم أولاً الاتفاق على مجموعة من المبادئ فوق الدستورية الملزمة، أي المبادئ التي لا تفاوض حولها ولا تخضع للأغلبية السياسية العابرة ولا تتغير بتغير الحكومات.
لكن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في إعلان المبادئ فحسب، وإنما في تحويلها من نصوص نظرية إلى مؤسسات وإجراءات قابلة للتنفيذ والقياس والمحاسبة.
فعلى سبيل المثال:
- تتحول العلمانية إلى ضمانات دستورية ومؤسسات قضائية تحمي حياد الدولة تجاه جميع الأديان والمعتقدات
- وتتحول اللامركزية إلى سلطات دستورية وموارد مالية حقيقية للأقاليم
- وتتحول العدالة التاريخية إلى آليات لإعادة التوازن التنموي والاستثمار العام والتعويضات التاريخية للمناطق المتضررة.
- ويتحول حق تقرير المصير إلى ضمانة دستورية نهائية تلجأ إليها الشعوب إذا فشلت الدولة في تحقيق عقد اجتماعي عادل.
- ويتحول مبدأ إعادة بناء القوات المسلحة إلى عملية تأسيس لجيش وطني جديد يعكس التنوع السوداني ويحمي الدستور لا الحكومات.
- ويتحول مبدأ إعادة توزيع السلطة والثروة إلى مؤشرات ومعايير دستورية ملزمة يمكن قياسها ومراقبتها.
وعند هذه النقطة لا يصبح التفاوض حول المبادئ نفسها، بل حول الآليات والمؤسسات والجداول الزمنية التي تضمن تطبيقها على أرض الواقع.

المرحلة الثالثة: الاحتكام إلى الشعوب السودانية
إذا نجحت المفاوضات بين معسكر الإصلاح ومعسكر التأسيس في التوصل إلى اتفاق حول المبادئ فوق الدستورية وآليات تنفيذها، فإن الشرعية النهائية لا ينبغي أن تُمنح لأي حكومة أو نخبة سياسية أو مؤسسة عسكرية، بل للشعوب السودانية نفسها بوصفها صاحبة السيادة ومصدر السلطة.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة لأن السودان لم يعد يواجه مجرد خلاف سياسي داخل دولة موحدة مستقرة، بل يعيش واقعاً غير مسبوق يتمثل في وجود مشروعين سياسيين وسلطتين فعليتين على الأرض: مشروع يسعى إلى المحافظة على الدولة السودانية الموروثة وإصلاحها، ومشروع آخر يسعى إلى إعادة تأسيسها على أسس جديدة. ولذلك فإن أي اتفاق بينهما لا يكتسب مشروعيته الكاملة إلا عبر الاحتكام المباشر إلى المواطنين والمجتمعات التي ستعيش تحت نتائج ذلك الاتفاق.
ويتم ذلك من خلال عملية سياسية ودستورية واسعة تشمل جمعيات تأسيسية منتخبة، او مجالس تحرير منتخبة، ومؤتمرات إقليمية وشعبية، وآليات مشاركة تضمن التمثيل الحقيقي للمناطق المتأثرة بالحرب والتهميش التاريخي، إضافة إلى الاستفتاءات العامة كلما اقتضت الضرورة ذلك.
فالهدف ليس فرض رؤية معسكر الإصلاح على معسكر التأسيس، ولا فرض رؤية التأسيس على القوى التي لا تتبناها، وإنما بناء عقد سياسي جديد يقوم على الرضا الحر والموافقة الشعبية الواعية.
أما إذا تعذر الوصول إلى توافق حول المبادئ المؤسسة للدولة، أو إذا رفضت بعض الشعوب أو الأقاليم الصيغة الدستورية المقترحة، فإن حق تقرير المصير يصبح الآلية الديمقراطية السلمية والأخلاقية لمعالجة هذا التناقض. فبدلاً من أن يُحسم الخلاف بالحرب أو بالإكراه السياسي أو العسكري، يُحال إلى إرادة الشعوب المعنية لتقرر بحرية شكل علاقتها بالدولة ومستقبلها داخلها أو خارجها.
وبذلك ينتقل السودان من منطق الهيمنة التاريخية وفرض الأمر الواقع إلى منطق التعاقد الطوعي، حيث تصبح وحدة البلاد نتيجة للعدالة والرضا المتبادل، لا نتيجة لتوازنات القوة أو إرث الدولة القديمة. فالوحدة التي تُفرض بالقوة تظل دائماً معرضة للانفجار، أما الوحدة التي تُبنى على الاعتراف المتبادل والاختيار الحر فهي وحدها القادرة على الاستمرار.

نحو عقد تاريخي جديد:
تتميز هذه المقاربة بأنها لا تسعى إلى فرض رؤية السودان القديم على أنصار السودان الجديد، كما لا تسعى إلى فرض رؤية السودان الجديد بالقوة على خصومها. بل تنقل الصراع من ميدان السلاح إلى ميدان السياسة، ومن معركة السيطرة على الدولة إلى حوار حول طبيعة الدولة نفسها.
فالسلام الحقيقي لا يتحقق عندما تتوقف البنادق فقط، بل عندما تتفق الشعوب على القواعد التي تنظم حياتها المشتركة. وعندها يصبح السؤال المركزي في السودان ليس من يحكم، بل ما هي الدولة التي تستحق أن تُحكم؟

هل المطلوب إصلاح الدولة التي أنتجت الحروب والتهميش وعدم الاستقرار منذ الاستقلال؟ أم تأسيس دولة جديدة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة التاريخية والتنوع والرضا الطوعي لشعوبها؟
ذلك هو السؤال الذي لا تستطيع أي تسوية سياسية مستدامة أن تتجاوزه.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)