نيروبي: هل تُرتّل خاتمة الحروب.. وتعلن ميلاد السودان الجديد مدني ديمقراطي...؟ كتبه يحيى ابنعوف

نيروبي: هل تُرتّل خاتمة الحروب.. وتعلن ميلاد السودان الجديد مدني ديمقراطي...؟ كتبه يحيى ابنعوف


06-06-2026, 01:00 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780704040&rn=0


Post: #1
Title: نيروبي: هل تُرتّل خاتمة الحروب.. وتعلن ميلاد السودان الجديد مدني ديمقراطي...؟ كتبه يحيى ابنعوف
Author: يحيى ابنعوف
Date: 06-06-2026, 01:00 AM

01:00 AM June, 05 2026

سودانيز اون لاين
يحيى ابنعوف-كندا
مكتبتى
رابط مختصر





​منذ أن اندلعت شرارة الخامس عشر من أبريل والسودان يترنّح في عواصف المبادرات، ويتنقل بين أروقة الوساطات؛ بينما يدُ المأساة تطحن جسد المدنيين، ويتسع رتق الانهيار الإنساني والسياسي والاقتصادي. وفي قلب هذا الظلام الدامس، بزغت "نيروبي" كشرفة سياسية أطلّت منها الأطراف المدنية السودانية، لتفتح باباً لنقاشٍ مغاير يرسم ملامح الغد، بعيداً عن قعقعة السلاح وصخب خطابات الموت.
​لكن السؤال الذي يقرع جدار الضمير: هل يملك السودانيون شجاعة العبور بالحوار من مجرد ردهات تفاوضية إلى مشروع وطني أصيل، يضع حداً للاقتتال، ويضع حجر الأساس لدولة المواطنة، والعدالة، وسيادة القانون؟
​رمزية المكان وإرث التاريخ
​لم تكن "نيروبي" وليدة الصدفة الإقليمية؛ فكينيا بحكم موقعها الجيوسياسي، وتشابك علاقاتها، استطاعت أن تقدم نفسها كأرضٍ محايدة، ومساحة ناصعة بعيدة عن محاور الاستقطاب التي تلطخت بها عواصم أخرى رعت الصراع أو غذّته. علاوة على ذلك، فإن الذاكرة السياسية السودانية ما زالت تختزن بوعيٍ عميق "اتفاق السلام الشامل لعام 2005" الذي وُقع في ذات المدينة، مما يمنحها رمزية عاطفية وتاريخية تجعلها مؤهلة لبعث الأمل من جديد.
​ومع ذلك، فإن القراءة الحصيفة للمشهد تُجرد نيروبي من صفة "العصا السحرية". فالمنصات لا تصنع السلام وحدها، ولا تهب الأوطان استقرارها؛ إنما تخلقه الإرادة الوطنية حين تتعافى من حساباتها الضيقة، وتتحرر من أوهام الحسم العسكري، وتتخلى عن شهوة احتكار السلطة والثروة والسلاح.
​فاتورة الدمار: رابحٌ مستحيل ووطنٌ مكلوم
​لقد برهنت الأيام العجاف أن الحرب السودانية معادلة صفرية؛ لا منتصر فيها والوطن هو الخاسر الأكبر.
​المواطن: خسر سكينته، وبددت الحرب بيته ومستقبله.
​الدولة: تآكلت مؤسساتها وهيبتها.
​المؤسسة العسكرية: تضررت سمعتها الوطنية وسط الانقسام، وغدا من الصعب تقديم نفسها كقوة إجماع شعبي بعد أن أكل الدمار الأخضر واليابس.
​القوى السياسية: خسرت رصيدها من ثقة الجماهير بسبب شقاقها وعجزها عن صياغة مشروع ترياقي موحد.
​"إن أي مسار سياسي لا ينبغي أن ينهض على تساؤل: مَن يهزم مَن؟ بل على الهاجس الأسمى: كيف ننقذ ما تبقى من رمق السودان المتألم؟"
​العقد الاجتماعي: من فخامة الفنادق إلى واقع الشعوب
​التحدي الأكبر الذي يجابه مسار نيروبي ليس في "مقاعد الغائبين"، بل في "غياب المشروع الجامع". إن السودان لم يعد يحتمل اتفاقيات نُخبوية تُبرم في صالونات الفنادق الفاخرة ثم تنهار عند أول عتبة للواقع؛ إنه بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة حديثة تشق طريقها نحو:
​مواطنة حقة بلا تمييز عِرقي أو ديني.
​عدالة انتقالية تقطع دابر الإفلات من العقاب.
​جيش وطني مهني واحد يذود عن الأرض لا السلطة.
​سلطة مدنية ديمقراطية تدير التنوع الثقافي وتوزع الثروات بالقسطاس المستقيم.
​إن الخطر الأكبر الذي يتهدد الوجود السوداني اليوم هو استمرار الخطاب الذي يُشرعن الحرب ويطيل أمدها تحت مسميات واهية. فكل صباح تشرق فيه الشمس على صوت المدافع يعني مزيداً من النزوح، والمجاعة، والتشظي الاجتماعي. وإن كل صوت يشيطن السلام هو صوت يدفع بالبلاد نحو هاوية سحيقة قد لا تخرج منها لعقود.
​لذا، يجب أن يُرفع شعار "السلام" بكل جسارة في وجوه أمراء الحرب؛ فالسلام ليس استسلاماً، وليس ضعفاً أو تفريطاً في الحقوق، بل هو الممر الآمن الوحيد لمنع تحول السودان إلى ساحة فوضى سرمدية.
​مسؤولية الداخل والمجتمع الدولي
​إن القوى المدنية والسياسية مطالبة اليوم بالانتقال من مربع "ردود الأفعال" إلى أفق "صناعة المستقبل"، واليقين بأن الأوطان لا تُبنى بالإقصاء أو التشفي، بل بالتوافق الذي يضع الإنسان السوداني فوق كفة المصالح الحزبية والإقليمية.
​بالمقابل، يتعين على المجتمع الدولي والإقليمي الكف عن التعامل مع السودان كملف أمني أو ساحة لتصفية الحسابات ونفوذ القوى. يجب أن يوجه الدعم لحماية المدنيين ووقف نزيف الدم، لا لتغذية الصراع بوقود السلاح والتمويل.
​خاتمة: بين المحطة التاريخية والفرصة الضائعة
​قد تنجح نيروبي وقد تفشل، بيد أن العبرة ليست في اسم المدينة، بل في جوهر ما يُطرح على طاولتها. فإما أن يُعيد السودانيون تعريف وطنهم كدولة قانون وعدالة، فتغدو نيروبي محطة تاريخية للعبور، وإما أن تتردى المنصة في مستنقع المحاصصات وتقاسم النفوذ، فتنضم إلى مقبرة الفرص الضائعة.
​السودان اليوم يقف على حد السكين في لحظة مصيرية؛ إما أن ينتصر صوت العقل والحكمة، وإما أن تستمر المحرقة حتى لا يبقى وطنٌ يتفاوض عليه أحد. فالقضية لم تعد أين نلتقي، بل كيف نُعيد للوطن هويته؛ وطنٌ لا تحكمه البندقية، ولا يسوسه الخوف، ولا يُختزل في عباءة قائد أو حزب، بل وطنٌ يتساوى فيه الجميع تحت راية العدالة والسلام الشامل.

احصل على Outlook for Android