اللجنة التحضيرية للعملية السياسية- وثيقة تبحث عن سودان لم يعد موجوداً كتبه خالد كودي

اللجنة التحضيرية للعملية السياسية- وثيقة تبحث عن سودان لم يعد موجوداً كتبه خالد كودي


06-05-2026, 11:29 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780655386&rn=0


Post: #1
Title: اللجنة التحضيرية للعملية السياسية- وثيقة تبحث عن سودان لم يعد موجوداً كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 06-05-2026, 11:29 AM

11:29 AM June, 05 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر





4/6/2026 خالد كودي، بوسطن

حين تُختزل العملية السياسية في لجنة: قراءة في وثيقة اللجنة التحضيرية من منظور السودان الجديد

أولاً: سياق الوثيقة ومضمونها العام
أصدرت مجموعة من القوى السياسية السودانية، عبر ما سُمّي بـ"اللجنة التحضيرية للعملية السياسية"، وثيقة بعنوان "رؤية العملية السياسية". وتأتي هذه الوثيقة في لحظة سودانية شديدة التعقيد تتطلب قدراً عالياً من النضج السياسي والقدرة على قراءة التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل أصبحت تعبيراً عن الانهيار التاريخي لنموذج الدولة السودانية القديمة: دولة المركز المهيمن، والامتيازات الموروثة، والهوية الأحادية، والسلطة العسكرية، والتهميش البنيوي للأقاليم.
ومع ذلك، فإن الوثيقة، رغم لغتها العامة حول السلام والعدالة والديمقراطية، تنطلق من تصور تقليدي وفقير الخيال لعملية لسياسية في وضع السودان؛ تصور ينشغل بإدارة الأزمة كما يودّ أصحاب الوثيقة أن يروها، أكثر من انشغاله بقراءة الواقع الجديد الذي فرضته الحرب. فهي تتعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة حكم يمكن حلها عبر ترتيبات سياسية وإجرائية، بينما تشير الوقائع إلى أنها أزمة دولة تتطلب رؤية شاملة لإعادة تأسيس السودان على أسس جديدة.

تقترح الوثيقة ثلاث مسارات رئيسية: المسار الإنساني، والمسار الأمني، والمسار السياسي. كما تدعو إلى إجراءات لتهيئة المناخ، تشمل معالجة الكارثة الإنسانية، فتح الممرات، إطلاق سراح المحتجزين والمخطوفين، رفع الحصار عن المدن والقرى، ضمان حرية الحركة، وإلغاء الإجراءات التعسفية ضد القوى المدنية والسياسية. ثم تقترح تكوين لجنة تحضيرية لا تتجاوز أربعين ممثلاً، تكون مهمتها تحديد أطراف العملية السياسية، وقضايا الحوار، ومبادئ الحل السياسي، وآليات العلاقة مع الوسطاء والضامنين الدوليين والإقليميين.
تبدو هذه القضايا، في ظاهرها، منسجمة مع أدبيات السلام المعروفة، لكن المشكلة الحقيقية في الوثيقة لا تكمن فيما تطرحه، بل فيما تتجنبه. فهي تتحدث عن السلام دون أن تحدد طبيعة الدولة التي سيقوم عليها هذا السلام، وعن العدالة دون أن تقترب من سؤال العدالة التاريخية، وعن المشاركة السياسية دون أن تتناول البنية التي أنتجت التهميش والحروب أصلاً!
كما تتعامل مع ما تسميه "القوى المدنية السودانية" وكأنها كيان متجانس يمتلك شرعية تلقائية لقيادة العملية السياسية والتحدث باسم البلاد. والأكثر من ذلك أنها تمنح نفسها هذا الدور بوضع اليد، من دون تفويض ديمقراطي واضح، ومن دون نقاش جاد حول حدود تمثيلها أو وزنها الفعلي في المشهد السوداني الراهن. فالوثيقة تنطلق من افتراض ضمني مفاده أن هذه المجموعات هي الممثل الطبيعي للقوى المدنية، وأن من حقها تحديد أجندة العملية السياسية وقيادتها، متجاهلة الانقسامات العميقة داخل المعسكر المدني نفسه، ومتجاوزة التحولات التي أفرزت فاعلين سياسيين واجتماعيين جدد خارج الفضاء السياسي التقليدي الذي احتكر الحديث باسم السودان لعقود.
أما الخلل الأعمق، فهو اختزال الأزمة السودانية في حرب 15 أبريل 2023، والتعامل معها كحدث طارئ يمكن احتواؤه عبر إجراءات بناء الثقة وترتيبات انتقالية. بينما الواقع أن هذه الحرب ليست سوى أحدث تجليات أزمة تاريخية صاحبت نشأة الدولة السودانية نفسها. فهي نتيجة لانهيار نموذج كامل للحكم والهوية وتوزيع السلطة والثروة، لا مجرد أزمة أمنية عابرة. ولذلك تبدو الوثيقة أقرب إلى محاولة إدارة نتائج الأزمة، لا معالجة أسبابها الجذرية.

ثانياً: الخلل الجوهري في الوثيقة
الخلل الأول في الوثيقة أنها تفترض أن العملية السياسية يمكن أن تبدأ من فوق: من لجنة، ومنبر، ووساطة، وضمانات دولية، ثم تنزل لاحقاً إلى الواقع. لكن واقع السودان اليوم يقول العكس تماماً. فالعملية السياسية الحقيقية لا تبدأ من قاعات الاجتماعات، بل من قراءة موازين القوة الجديدة التي أنتجتها الحرب.
لقد تغيّر السودان جذرياً منذ أبريل 2023. لم يعد المركز القديم قادراً على احتكار القرار الوطني. ولم تعد القوى المدنية التقليدية قادرة على الادعاء بأنها تمثل وحدها المجتمع السوداني. ولم يعد الهامش مجرد ضحية أو ملحق تفاوضي، بل أصبح فاعلاً سياسياً وعسكرياً ومؤسسياً يمتلك الأرض، والسكان، والسلاح، والخطاب، والقوي المدنية ومشروعاً سياسياً واضحاً لإعادة بناء الدولة.
ومن هنا، فإن أي عملية سياسية لا تبدأ من الاعتراف بهذه التحولات ستتحول إلى محاولة لإعادة إنتاج السودان القديم بلغة جديدة.

ثالثاً: غياب سؤال الدولة
أسوأ ما في الوثيقة أنها تتجنب السؤال الأساسي: ما طبيعة الدولة التي نريد بناءها بعد الحرب؟
تتحدث الوثيقة عن دولة مدنية ديمقراطية، وعن المواطنة، وعن السلام العادل، لكنها لا تحسم القضايا المؤسسة التي أنتجت الحرب أصلاً. فهي لا تقدم موقفاً واضحاً من العلمانية والفصل بين الدين والدولة، ولا من حق تقرير المصير، ولا من إعادة تأسيس جيش جديد، ولا من تفكيك مركزية السلطة والثروة، ولا من العدالة التاريخية، ولا من قضية الأرض، ولا من إعادة تعريف الهوية السودانية على أساس التعدد.
وهذا ليس نقصاً فنياً، بل نقص تأسيسي. فكل تجارب السودان السابقة فشلت لأنها تعاملت مع الحرب بوصفها مشكلة سياسية أو أمنية، لا بوصفها نتيجة لبنية دولة مأزومة. لذلك أنتجت البلاد اتفاقيات كثيرة، لكنها لم تنتج سلاماً مستداماً. والسبب أن الاتفاقيات كانت توقف إطلاق النار مؤقتاً، لكنها تترك ماكينة إنتاج الحرب تعمل كما هي، وهذه الوثيقة تقود يالظبط الي هذا.

رابعاً: منطق "القوى المدنية" وإشكالية التمثيل
تستخدم الوثيقة تعبير "القوى السياسية والمدنية السودانية" كما لو أن هذه القوى تمتلك تفويضاً وطنياً عاماً يؤهلها لقيادة العملية السياسية والتحدث باسم السودان. غير أن هذا الافتراض يحتاج إلى إثبات سياسي وأخلاقي، لا إلى مجرد إعلانه. فصفة "المدنية" لا تمنح أصحابها تلقائياً حق التمثيل، كما أن معارضة الحرب لا تعني بالضرورة امتلاك مشروع بديل للدولة.
والمشكلة هنا ليست في ادعاء التمثيل فقط، بل في الكيفية التي يُنتج بها هذا الادعاء. فالوثيقة لا تستند إلى تفويض شعبي مباشر، ولا إلى عملية توافق وطني تشمل اطراف اساسية، بل تمنح هذه المجموعات نفسها موقع القيادة السياسية بوضع اليد، ثم تنطلق من هذا الافتراض لتحديد أطراف العملية السياسية وأجندتها ومخرجاتها المتوقعة.
والأهم من ذلك أن الوثيقة تتعامل مع القوى المدنية باعتبارها كتلة متجانسة ذات رؤية واحدة، بينما الواقع يشير إلى وجود تباينات جوهرية داخل هذا المعسكر نفسه. فهناك قوى مدنية تعارض الحرب، لكنها لا تطرح قطيعة حقيقية مع الأسس التي قامت عليها الدولة السودانية القديمة. خلافها مع المؤسسة العسكرية يدور أساساً حول السلطة والحريات وآليات الحكم، لا حول البنية التاريخية للدولة، ولا حول طبيعة علاقتها بالهوية أو الدين أو توزيع السلطة والثروة أو مركزية القرار السياسي. وهي، في جوهرها، تسعى إلى إصلاح السودان القديم أكثر من سعيها إلى تجاوزه. والوثيقة نفسها تمثل تجلياً واضحاً لهذا الاتجاه؛ فهي تقدم تصوراً لوقف الحرب وإدارة الانتقال السياسي، لكنها تتجنب الخوض في الأسئلة التأسيسية التي أنتجت الحرب وأبقت السودان أسيراً لدورات متكررة من الصراع والانهيار.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فالوثيقة تضع جميع المعارضين للحرب في سلة واحدة، متجاهلة الفارق الجوهري بين من يريد إنهاء الحرب لإعادة ترتيب السلطة داخل الدولة القديمة، ومن يرى أن إنهاء الحرب لا يكتمل إلا بإعادة تأسيس الدولة نفسها على أسس جديدة. كما تتجاهل القوى التي تربط بين السلام المستدام ومعالجة جذور الأزمة السودانية المتمثلة في قضايا المواطنة المتساوية، والعدالة التاريخية، والعلاقة بين الدين والدولة، وإعادة بناء مؤسسات السلطة والقوة.
لذلك تتحول "المدنية" في الوثيقة من توصيف سياسي إلى مصدر شرعية مفترض بذاته. غير أن التاريخ يعلمنا أن المدنية ليست مشروعاً سياسياً في حد ذاتها. فكما يمكن أن تكون أداة للتحرر والتغيير، يمكن أن تتحول أيضاً إلى غطاء ناعم لإعادة إنتاج الامتيازات القديمة، وإطالة عمر البنية نفسها التي تدّعي معارضتها، ولكن بأدوات وخطابات أكثر تهذيباً.

خامساً: التعويل المفرط على المجتمع الدولي
تعكس الوثيقة الصادرة عن تحالف صمود، والكتلة الديمقراطية، وحزب الأمة القومي، وحزب المؤتمر السوداني، وحزب البعث الأصل، وعدد من الشخصيات والمنظمات المدنية والمهنية والشبابية إيماناً كبيراً بدور الوسطاء والضامنين الدوليين والإقليميين في دفع العملية السياسية وإنجاحها. ولا شك أن للمجتمع الدولي دوراً مهماً في تسهيل الحوار، ووقف الحرب، وتأمين المساعدات الإنسانية، وتقديم الضمانات اللازمة لتنفيذ الاتفاقات. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الدور من عامل مساعد إلى مصدر للشرعية السياسية، أو حين يُنظر إلى الاعتراف الخارجي باعتباره بديلاً عن المشروعية الوطنية والوجود الفعلي وسط المجتمعات التي دفعت ثمن الحرب.
وهذه إحدى السمات المشتركة التي طبعت جزءاً كبيراً من القوى الموقعة على الوثيقة. فهي تبدو وكأنها تراهن على الشرعية التي تمنحها المنابر الدولية والوسطاء أكثر من رهانها على بناء مشروع سياسي متجذر في التحولات التي يشهدها السودان اليوم. وكأن الطريق إلى قيادة المستقبل يمر عبر الاعتراف الخارجي، لا عبر القدرة على تمثيل القوى الاجتماعية والسياسية الصاعدة أو قراءة الواقع الجديد الذي أفرزته الحرب.
غير أن التاريخ الحديث يقدم دروساً مختلفة. ففي أفغانستان نجحت المؤتمرات الدولية في إنشاء سلطة حظيت باعتراف عالمي واسع ودعم مالي وعسكري ضخم، لكنها انهارت بسرعة لأنها لم تكن مستندة إلى قاعدة اجتماعية وسياسية راسخة داخل البلاد. وفي جنوب فيتنام، لم تنجح الشرعية الدولية ولا الدعم الأمريكي الهائل في إنقاذ نظام فقد صلته بالتحولات العميقة التي كانت تجري في المجتمع وفي ميدان الحرب. وفي إفريقيا، تعثرت اتفاقيات سلام عديدة لأنها نجحت في ترتيب العلاقات بين النخب السياسية، لكنها فشلت في معالجة الأسباب الحقيقية للصراع أو الاعتراف بموازين القوى الجديدة التي أفرزتها الحروب.
والسبب في ذلك بسيط: فالمجتمع الدولي قد يستطيع أن يمنح الاعتراف، لكنه لا يستطيع أن يصنع الشرعية. الاعتراف الخارجي قد يفتح أبواب المؤتمرات والتمويل والدبلوماسية، لكنه لا يبني دولة، ولا يخلق قاعدة اجتماعية، ولا يمنح مشروعاً سياسياً القدرة على الاستمرار. فالشرعية تُبنى من الداخل، من الارتباط بقضايا الناس، ومن القدرة على تنظيم المجتمعات، وإدارة الأرض، وتقديم رؤية سياسية تستجيب للتحولات التاريخية.
ولهذا فإن المجتمع الدولي يمكن أن يكون شريكاً في صناعة السلام، لكنه لا يستطيع أن يؤسس السودان الجديد نيابة عن السودانيين. فالدول لا تُبنى في غرف الوساطة، بل في الواقع الذي تخلقه القوى الاجتماعية والسياسية والعسكرية على الأرض. وكل عملية سياسية تتجاهل هذه الحقيقة، أو تحاول استبدالها بشرعية مستوردة من الخارج، تنتهي غالباً إلى إنتاج نخب قد يعترف بها دولياً، لكنها ستظل عاجزة عن قيادة التحولات الحقيقية داخل أوطانها.

سادساً: الوثيقة وإنكار الواقع السياسي الجديد
تكمن إحدى أبرز نقاط ضعف هذه الوثيقة في أنها لا تنطلق من السودان كما هو اليوم، بل من السودان كما تتمنى القوى التي أصدرتها أن يكون. فهي تتحدث عن عملية سياسية شاملة، لكنها تتجاهل أكبر تحول أفرزته الحرب: ظهور مراكز قوة سياسية وعسكرية ومجتمعية جديدة في الهامش، باتت تمتلك نفوذاً فعلياً على الأرض ورؤية سياسية لمستقبل البلاد.
فبدلاً من الاعتراف بهذه التحولات والتعامل معها باعتبارها جزءاً من الواقع الذي يجب أن تُبنى عليه أي عملية سياسية جادة، اختارت الوثيقة تجاوزها بالكامل تقريباً. وكأن القوى التي تقود أجزاء واسعة من الهامش، أو تدير مؤسسات وسكاناً وأراضي، أو تحمل مشاريع سياسية مختلفة حول طبيعة الدولة، ليست جزءاً من المعادلة الوطنية أصلاً.
ولا يبدو هذا التجاهل مجرد سهو سياسي، بل أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف المشهد السوداني بما يسمح للنخب التقليدية ومراكز قوي السودان المدني القديم بالاحتفاظ بدورها التاريخي كمحتكر للحديث باسم الوطن وتحديد أجندة المستقبل. غير أن المشكلة ليست في تجاهل هذه القوى الجديدة، بل في تجاهل الواقع نفسه. فالقوى المؤثرة لا تفقد وزنها لأن وثيقة لم تذكرها، كما أن موازين القوى الجديدة لا تختفي لأن بعض النخب وسماسرة السياسة في السودان قررت تجاوزها.
لقد أنتجت الحرب واقعاً سياسياً جديداً، ونقلت قوى عديدة في الهامش من موقع الاحتجاج إلى موقع الفعل والتأثير المباشر. وأي عملية سياسية تتجاهل هذه الحقيقة لن تكون شاملة، بل ستكون محاولة لإعادة إنتاج السودان القديم بلغة جديدة.
فالسلام المستدام لا يُبنى على استبعاد القوى الفاعلة، وإنما على الاعتراف بها والتعامل مع القضايا التي دفعتها إلى حمل مشاريع بديلة للدولة. ومن دون ذلك، ستظل أي عملية سياسية تدور داخل حدود الأزمة القديمة، مهما رفعت من شعارات السلام والشمول.

سابعاً: منظور السودان الجديد
من منظور السودان الجديد، لا تكمن الأزمة في غياب حكومة مدنية فحسب، بل في طبيعة الدولة السودانية نفسها. فقد تأسست الدولة بعد الاستقلال على مركزية خانقة، وهوية أحادية، وامتيازات تاريخية، ومؤسسة عسكرية غير قومية، وتنمية غير عادلة، وعلاقة مختلة بين الدين والسياسة، ومواطنة غير متساوية.
لذلك، فإن أي عملية سياسية لا تجعل من إعادة تأسيس الدولة هدفها المركزي ستفشل، حتى لو نجحت مؤقتاً في إنتاج حكومة أو إعلان سياسي أو وقف إطلاق نار.
رؤية السودان الجديد لا تسأل فقط: من يحكم؟ بل تسأل:
أي دولة نحكم؟
بأي دستور؟
بأي جيش؟
بأي علاقة بين الدين والدولة؟
بأي توزيع للسلطة والثروة؟
بأي اعتراف بالتعدد؟
وبأي عدالة تاريخية للمجتمعات التي تعرضت للقتل والتهميش والإقصاء لعقود؟
ثامناً: التصور الصحيح للعملية السياسية
العملية السياسية الصحيحة لا ينبغي أن تبدأ بلجنة تختار من يمثل السودان، بل باعتراف واضح بالواقع الجديد الذي أنتجته الحرب. وهذا يتطلب إعادة تصميم العملية السياسية على أسس مختلفة تماماً.
أولاً، يجب الاعتراف بأن الحرب الحالية كشفت فشل الدولة القديمة، وأن الهدف ليس استعادة الوضع السابق، بل تأسيس عقد اجتماعي جديد.
ثانياً، يجب أن تُبنى العملية السياسية حول المبادئ التأسيسية قبل الحديث عن المناصب. وهذه المبادئ تشمل: العلمانية، المواطنة المتساوية، حق تقرير المصير، اللامركزية الديمقراطية، العدالة التاريخية، إعادة توزيع السلطة والثروة، والاعتراف الدستوري بالتنوع.
ثالثاً، يجب أن يكون ملف الجيش في قلب العملية السياسية، لا في هامشها. فلا سلام مستدام في السودان مع إعادة إنتاج الجيش القديم بنفس عقيدته وبنيته وامتيازاته. المطلوب ليس إصلاحاً شكلياً، بل بناء جيش وطني جديد، مهني، متعدد، خاضع للدستور والسلطة المدنية، ولا يمثل مركزاً أو أيديولوجيا أو جماعة بعينها.
رابعاً، يجب أن تمثل قوى الهامش ومجتمعات الحرب والنازحين واللاجئين والنساء والشباب والسلطات المدنية المحلية تمثيلاً حقيقياً، لا رمزياً. فهؤلاء ليسوا ضحايا ينتظرون الشفقة، بل أصحاب مصلحة أصليون في إعادة تأسيس الدولة.
خامساً، يجب ألا تكون الوساطة الدولية بديلاً عن الإرادة الوطنية. يمكن للمجتمع الدولي أن يسهّل ويدعم ويضمن، لكنه لا يقرر طبيعة السودان القادم.

اخيرا: السلام الذي لا يؤسس دولة جديدة يؤجل الحرب فقط
تبدو وثيقة اللجنة التحضيرية، في لغتها العامة، حريصة على وقف الحرب وفتح الطريق أمام عملية سياسية. لكن مشكلتها أنها لا تذهب إلى عمق الأزمة. فهي تتحرك داخل خيال سياسي فقير وقديم يفترض أن السودان يمكن إنقاذه عبر لجنة، وحوار، وترتيبات انتقالية، وضمانات دولية، دون تفكيك البنية التي صنعت الحرب.
أما الواقع فقد تجاوز هذا الخيال. السودان اليوم أمام لحظة تأسيسية، لا لحظة انتقالية عادية. والقوى التي تريد سلاماً مستداماً لا يمكنها أن تكتفي بوقف إطلاق النار أو تقاسم السلطة، بل يجب أن تطرح مشروعاً واضحاً لبناء دولة جديدة.
فالسلام الحقيقي لا يعني إسكات البنادق فقط، بل إنهاء الأسباب التي جعلت البنادق تتكلم أصلاً.
ومن هنا، فإن أي عملية سياسية لا تعترف بمراكز القوة الجديدة، ولا تقرأ صعود الهامش، ولا تتبنى مبادئ السودان الجديد، ولا تضع العدالة التاريخية وبناء الجيش الجديد والعلمانية والمواطنة المتساوية في قلبها، لن تكون سوى محاولة أخرى لترميم السودان القديم.
والسودان القديم لم يعد قابلاً للترميم.
لقد انتهى تاريخياً، حتى وإن واصلت بعض النخب الدفاع عنه بلغة مدنية ناعمة.
المطلوب الآن ليس إدارة الانهيار، بل تأسيس وطن جديد.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)