حراس الأنقاض: كيف تدافع الكتلة الديمقراطية عن الدولة التي أنتجت كل الحروب؟ كتبه خالد كودي

حراس الأنقاض: كيف تدافع الكتلة الديمقراطية عن الدولة التي أنتجت كل الحروب؟ كتبه خالد كودي


06-04-2026, 07:40 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780598428&rn=0


Post: #1
Title: حراس الأنقاض: كيف تدافع الكتلة الديمقراطية عن الدولة التي أنتجت كل الحروب؟ كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 06-04-2026, 07:40 PM

07:40 PM June, 04 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر





خالد كودي، بوسطن

في بيانها الصادر مطلع يونيو 2026 بشأن الدعوة التي وجهتها الآلية الخماسية لاجتماعات أديس أبابا (3–5 يونيو 2026)، أعلنت الكتلة الديمقراطية اعتذارها عن المشاركة في الحوار، مستندة إلى ثلاث مرتكزات رئيسية: الاعتراض على الترتيبات الإجرائية التي وضعتها الآلية الخماسية دون توافق مسبق مع القوى السودانية، والدعوة إلى الفصل بين المسار السياسي والمسار الأمني مع رفض مشاركة تحالف "تأسيس" في العملية السياسية، والتأكيد على ما سمّته حماية الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية ووحدة البلاد وسيادتها.
غير أن مكمن الضعف في هذا البيان لا يكمن في موقفه من اجتماعات أديس أبابا في حد ذاته، بل في الرؤية السياسية الغير ناضجة التي يكشف عنها. فهو ما يزال ينظر إلى الأزمة السودانية بوصفها مجرد أزمة حرب بين أطراف متنازعة أو خلاف حول ترتيبات الحوار السياسي، متجاهلاً أن جوهر المعضلة السودانية يكمن في بنية الدولة نفسها التي أنتجت، على مدى عقود، الحروب والتهميش وعدم المساواة. ويعكس البيان تمسكاً واضحاً بالإطار الفكري والسياسي الذي حكم السودان منذ الاستقلال، والقائم على افتراض أن الأزمة يمكن حلها عبر إعادة تأهيل مؤسسات الدولة القديمة وترميمها، دون مساءلة جادة للأسس التاريخية والسياسية التي قادت إلى الانهيار الراهن. ولذلك فإن الخلاف الحقيقي بين مشروع "تأسيس" وهذه الرؤية لا يتعلق بمكان انعقاد الحوار أو إجراءاته، بل بسؤال تاريخي أكثر عمقاً: هل المطلوب إنقاذ الدولة القديمة وإعادة إنتاجها، أم إعادة تأسيس دولة جديدة تعالج جذور الأزمة السودانية وتضع حداً لدورات الحرب والانهيار المتكررة؟

أولاً: الأزمة السودانية ليست أزمة حكومة بل أزمة دولة
تنطلق الكتلة الديمقراطية كغيرها من الكيانات محدودة الأفق من افتراض أن المطلوب هو حماية "الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية". لكن السؤال الذي تتجنب الإجابة عليه هو: أي دولة؟ وأي مؤسسات؟
هل هي الدولة التي خاضت حروباً متصلة في جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور وشرق السودان؟
هل هي الدولة التي احتكرت السلطة والثروة لصالح مركز ضيق لعقود طويلة؟
هل هي الدولة التي أنتجت التهميش والتمييز والعنف البنيوي الذي قاد إلى الحرب الحالية واوصلتنا الي مانحن فيه؟
إن جوهر الصراع في السودان اليوم ليس حول من يحكم الدولة القديمة، بل حول ما إذا كانت هذه الدولة نفسها قابلة للاستمرار أم أنها وصلت إلى نهايتها التاريخية.
ولهذا فإن مشروع "تأسيس" لا يطرح تغيير الحكومة، بل إعادة تأسيس الدولة نفسها على أسس جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، والعلمانية، والعدالة التاريخية، واللامركزية الحقيقية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها إذا فشلت الدولة في تحقيق المساواة والعدالة والجيش الجديد الذي لايقتل مواطنيه.

ثانياً: الخلط الحقيقي ليس بين المسارات بل بين السياسة والأمن
تدّعي الكتلة الديمقراطية وجود خلط بين المسار السياسي والمسار الأمني، لكنها في الواقع تقع في خلط أخطر بكثير، وهو الفصل الميكانيكي بين السياسة والأمن.
في كل تجارب النزاعات الكبرى في العالم، من جنوب أفريقيا إلى كولومبيا ونيبال وأيرلندا الشمالية، لم تكن الترتيبات الأمنية منفصلة عن الأسئلة السياسية الكبرى، لأن طبيعة الجيش، وشكل الدولة، وعلاقة المركز بالأقاليم، وتوزيع السلطة والثروة، كلها أسئلة سياسية قبل أن تكون أسئلة أمنية.
فكيف يمكن الحديث عن جيش جديد دون الاتفاق على طبيعة الدولة التي سيحميها؟
وكيف يمكن مناقشة الترتيبات الأمنية دون حسم قضايا الهوية والمواطنة والعلمانية والعدالة التاريخية؟
إن الحرب السودانية ليست مجرد تمرد عسكري يمكن احتواؤه بإجراءات أمنية، بل هي نتيجة مباشرة لفشل المشروع السياسي الذي حكم السودان منذ الاستقلال.
ولهذا فإن أي عملية سياسية تفصل بين السؤال الأمني والسؤال السياسي إنما تعيد إنتاج الأزمة نفسها التي قادت إلى الحرب.

ثالثاً: أسطورة "المؤسسات الشرعية"
يكرر البيان الحديث عن "الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية"، وكأن الشرعية حقيقة ثابتة لا تتغير
لكن التاريخ يعلمنا أن الشرعية لا تُستمد من السيطرة على المباني الحكومية أو من الاعتراف البيروقراطي، وإنما من القدرة على تمثيل المواطنين وحماية حقوقهم،و ولا شنو؟
لقد فقدت الدولة السودانية القديمة شرعيتها عندما عجزت عن حماية مواطنيها، وعندما تحولت مؤسساتها إلى أدوات للحرب والإقصاء والقمع.
ولهذا فإن ملايين السودانيين الذين حملوا السلاح أو انضموا إلى حركات المقاومة المدنية والسياسية لم يفعلوا ذلك بسبب رغبة في تقويض الدولة، بل بسبب انهيار العقد الاجتماعي الذي يفترض أن تقوم عليه الدولة.

رابعاً: سوء فهم دور المجتمع الدولي
البيان وبجهل يفترض أن المجتمع الدولي جهة تمنح الشرعية أو تسحبها وفق الرغبات السياسية للأطراف المختلفة.
لكن الواقع أن المجتمع الدولي يتعامل مع الوقائع السياسية كما هي، لا كما تتمنى النخب او الجهات المتواطئة مع سلطة البرهان أن تكون.
لقد جلس المجتمع الدولي مع المؤتمر الوطني بعد سنوات من الحرب.
وجلس مع الحركة الشعبية لتحرير السودان.
وجلس مع طالبان.
وجلس مع القوات المسلحة الكولومبية...
وجلس مع أطراف نزاعات عديدة كانت تُوصف سابقاً بالمتمردة أو غير الشرعية، ولم يكن معيار المشاركة هو رضا النخب السياسية، بل التأثير الحقيقي على الأرض والقدرة على التأثير في مسار الصراع.
ولهذا فإن دعوة "تأسيس" لاي حوار لا تعني تبني المجتمع الدولي لرؤيتها، بل تعني اعترافه بحقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها، وهي أن أي تسوية مستقبلية لن تكون ممكنة دون الأطراف التي تمتلك مشروعاً سياسياً وقاعدة اجتماعية وتأثيراً فعلياً في مسرح النزاع، الا ان (الفهم قسم) كما يقال.

خامساً: التناقض في خطاب الملكية الوطنية
تطالب الكتلة الديمقراطية بالملكية الوطنية للحوار، لكنها تتجاهل أن الدولة التي تدافع عنها كانت لعقود طويلة تُدار عبر الوساطات الدولية والاتفاقيات الخارجية والضغوط الإقليمية.
كما تتجاهل أن ملايين السودانيين الموجودين خارج سيطرة حكومة بورتسودان هم أيضاً جزء من الوطن، وأن رؤيتهم لمستقبل السودان لا تقل شرعية عن رؤية النخب المرتبطة بالمركز.
إن الملكية الوطنية الحقيقية لا تعني احتكار النخب القديمة لتعريف الوطن، بل تعني مشاركة جميع الشعوب السودانية في تقرير مصير الدولة الجديدة.

أخيراً: بين الدفاع عن الدولة القديمة وبناء السودان الجديد
في نهاية المطاف، لا يتعلق الخلاف باجتماعات أديس أبابا ولا بترتيباتها الإجرائية، بل بسؤال سياسي وتاريخي أكثر عمقاً: هل المطلوب إنقاذ الدولة السودانية القديمة أم بناء دولة جديدة؟
اختارت ما يسمي بالكتلة الديمقراطية كغيرها من الكيانات أن تتحول إلى صوت مدافع عن نظام يُعد من أكثر الأنظمة فشلاً ودموية في تاريخ السودان، رغم أن هذا النظام نفسه هو الذي قاد البلاد إلى الحرب والانهيار والتشظي. وبدلاً من مساءلة الدولة التي أنتجت الأزمة، انشغل البيان بالدفاع عن مؤسساتها وشرعيتها وكأنها جزء من الحل لا جزء من المشكلة.
فالكتلة الديمقراطية تنطلق من فرضية أن الأزمة هي الحرب، وأن الحل يكمن في استعادة مؤسسات الدولة القائمة. أما مشروع "تأسيس" القائم علي رؤية السودان الجديد فينطلق من حقيقة ناضجة: أن الحرب ليست سوى نتيجة لأزمة أعمق تتمثل في فشل الدولة السودانية القديمة نفسها.
ولهذا فإن الصراع الحقيقي اليوم ليس بين حكومة ومعارضة، ولا بين الجيش والدعم السريع، بل بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى ترميم دولة أثبتت فشلها التاريخي، ومشروع يسعى إلى تأسيس سودان جديد يقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة التاريخية، والعلمانية، واللامركزية، بحيث لا تصبح الحرب الوسيلة الوحيدة لانتزاع الحقوق أو إثبات الوجود.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)