Post: #1
Title: مذيع قناة الجزيرة أحمد طه وأسئلته الملغومة للناطق باسم الدعم السريع الفات كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 06-04-2026, 12:41 PM
12:41 PM June, 04 2026 سودانيز اون لاين الصادق حمدين-UK مكتبتى رابط مختصر
في بعض القنوات الإعلامية المؤدلجة والمنحازة، وقناة الجزيرة في مقدمتهم بلا شك، تصبح أسئلة مقدم البرنامج أكثر من مجرد أداة مهنية فقد يتحول الحوار إلى وسيلة لتشكيل الوعي العام وتوجيه أحكام الجمهور قبل أن تتكشف الحقائق كاملة.
ومن هنا تبرز خطورة الأسئلة الإيحائية التي اشتهر بتوجيهها لضيوفه المذيع أحمد طه، تلك الأسئلة التي لا تكتفي بطلب الإجابة، بل تحمل الإجابة ضمنا في بنيتها وصياغتها وتوجيهها، والأسئلة الإيحائية كما يظهر من تعريفها هي: "أسئلة تُصاغ بطريقة توجّه الشخص نحو إجابة معينة أو توحي له بما يُفترض أن يقوله، بدل أن تترك له حرية الإجابة بشكل محايد".
هذا ما دفعني إلى التوقف عند حلقة “حوار خاص” التي استضاف فيها الإعلامي بقناة الجزيرة مباشر الأستاذ/ أحمد طه، الناطق الرسمي لقوات الدعم السريع المقدم، الفاتح قرشي للحديث عن الأحداث المؤسفة التي كان مسرحها قرية المٌرًة وما جاورها بمناطق قبيلة دار حامد في شمال كردفان.
من خلال متابعتي للحلقة، يتضح أن الحوار في بعض محطاته ومنزلقاته لم يكن بحثاْ مهنياْ متوازناْ عن الوقائع، بل انزلق إلى توجيه المساءلة ضمن مسار مُعد سلفاْ، حيث قُدِّمت للمشاهد فرضيات في صورة حقائق نهائية لا تقبل الجدل، وتم التعامل معها كوقائع مكتملة الأركان والدوافع، مع ترسيخ انطباع مسبق بإدانة من يتحدث باسمهم المقدم الفاتح قرشي، بما يُضعف من حيادية الطرح ويخلّ بميزان التناول الإعلامي.
فالفرق كبير بين أن يسأل المذيع أحمد طه، ضيفه “ما ردكم على الاتهامات الموجهة إليكم”؟ وبين أن يصوغ سؤاله بطريقة تفترض وقوع الجريمة وتحدد مرتكبها مسبقاْ. في الحالة الأولى يكون باحثاْ عن الحقيقة بالفعل، أما في الحالة الثانية فإنه يخاطر بالانتقال من موقع المحاور إلى موقع من يتبنى رواية بعينها ويريدها أن تصل إلى جمهوره الذي ترضيه هذه الرواية.
وما يزيد الإشكال تعقيداْ أن المشاهد العادي لا يتعامل مع الأسئلة بمعزل عن تأثيرها النفسي. فعندما يسمع اتهاماْ خطيراْ مدمجاْ داخل السؤال، فإن هذا الاتهام يترسخ في ذهنه حتى قبل أن يسمع الرد. وإذا جاء رد الضيف مقتضباْ أو مترددا أو أحال الموضوع إلى جهة أخرى كما فعل الناطق الرسمي المقدم الفاتح قرشي.
فقد يفسر البعض ذلك على أنه عجز عن النفي أو قبول ضمني بالرواية المطروحة، رغم أن مثل هذا الاستنتاج لا يشكل دليلاْ على صحة الاتهام بارتكاب جرائم وانتهاكات وفظاعات بحق مدنيي دار حامد الأبرياء ونسبتها إلى قوات الدعم السريع وكأنها "علم قضائي" لا يحتاج إلى عناء التحري ونزاهة التحقيق ومن ثم الاثبات. - (ومن المعلوم بالضرورة كل من يحمل سلاحاْ لا يشمله تعريف مدني ولا ينطبق عليه وإن ارتدى ملابس مدنية) -
إن أخطر ما في الأسئلة الإيحائية أنها قد تصنع انطباعات أقوى من الوقائع نفسها. فهي لا تمنح الجمهور معلومات جديدة بقدر ما تدفعه نحو استنتاج محدد. وعندما يحدث ذلك، يصبح السؤال جزءاْ من الرسالة المراد إيصالها، لا مجرد وسيلة لاستخراج المعلومات والحقائق التي تشكل رأي الجمهور المستهدف.
لا أحد يعترض على حق الإعلامي المتميز أحمد طه في طرح الأسئلة الصعبة، بل إن هذا واجبه المهني. لكن هناك فرقاْ جوهرياْ بين الإعلام الذي يفتش عن الحقيقة والإعلام الذي يبدأ من نتيجة مسبقة ثم يبحث عما يؤيدها. فالإعلامي النابه ليس من يوجه الاتهام مباشرة بأقسى العبارات، وإنما من يمتلك القدرة على كشف الحقيقة دون أن يضع إصبع الانحياز على كفة الميزان ليميل لصالح خطه الإعلامي المؤدلج في تطفيف بيًن قد ينتهي بصاحبه في "الويل" المفضي إلى الهلاك في الدار الآخرة.
إن ثقة الجمهور لا تُبنى بالصوت المرتفع ولا بالأسئلة المربكة التي لا تقود إلا إلى إجابة يريدها السائل، بل بالحياد والدقة والإنصاف. وعندما يشعر المشاهد أن السؤال كُتب ليقوده إلى نتيجة معينة لا ليمنحه فرصة التفكير الحر، فإن الشك لا يطال الضيف وحده، بل يمتد إلى الحوار بأكمله وإلى الرسالة الإعلامية التي يحملها.
وفي زمن تُخاض فيه الحروب بالكلمة والصورة بقدر ما تُخاض بالسلاح، يصبح السؤال الحر فعلاْ من أفعال المقاومة المهنية، وتغدو مساءلة الروايات السائدة واجباْ لا ترفاْ. فالحقيقة لا تُختزل فيما يُسمح للجمهور بسماعه ورؤيته، ولا فيما يُعاد تكراره حتى يبدو يقيناْ لا يأتيه الشك، بل فيما يُكشف خلف الضجيج والدعاية والانتقاء المتعمد للوقائع. ومن هنا، يبقى حق الناس في معرفة الحقيقة كاملة مسؤولية أخلاقية ومهنية لا تسقط بالفهلوة والتذاكي، ولا يجوز التفريط بها مهما اشتدت الضغوط وتعددت المصالح وإلا أصبح التميّز نقمة على صاحبه فالتاريخ يراقب ويرصد.
|
|