Post: #1
Title: موازين القوة أم توافقات النخب؟ جدل تأسيس الدولة بعد الحروب الأهلية كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 06-04-2026, 05:43 AM
05:43 AM June, 04 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
3/6/2026 ، بوسطن
مقدمة: هل تُصنع الدول في قاعات الفنادق أم على خرائط القوة؟ من يربح الحرب يكتب السلام من أكثر الأوهام السياسية تكراراً في تاريخ الحروب الأهلية الاعتقاد بأن ترتيبات ما بعد الحرب تُصاغ في البيانات السياسية، أو تُحسم في مؤتمرات بغاث الطير، أو تُمنح عبر الاعتراف الدولي، أو تُنتزع بالصوت الأعلى في وسائل الإعلام. ويبدو هذا الوهم حاضراً اليوم في خطاب القوى السياسية السودانية بما فيها صمود وجماعة اعلان المبادي والكتلة الديمقراطية وغيرهم، التي تتصرف وكأن مستقبل الدولة يمكن أن يُرسم عبر البيانات والمنابر الدبلوماسية، بمعزل عن الوقائع العميقة التي تتشكل على الأرض بفعل الحرب والتحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى. التاريخ الإنساني يقدم درساً مختلفاً تماماً. فالدول لا تُبنى بالأمنيات، ولا تُؤسسها الرغبات الأخلاقية المجردة، بل تنشأ من موازين القوة التي تفرضها الوقائع التاريخية. وفي اللحظات التأسيسية الكبرى، لا تُحدد طبيعة الدولة الجديدة خطابات النخب أيا كانوا، بل تحددها تضحيات القوى التي خاضت الصراع ودفعت أثمانه البشرية والسياسية والعسكرية متي ما وعت بها. ولهذا ظل المؤرخون يرددون، بصيغ مختلفة، أن خرائط الدول كثيراً ما رُسمت بسنابك الخيل قبل أن تُدوَّن بأقلام الدبلوماسيين. هذه الحقيقة ليست مجرد استنتاج تاريخي، بل تكاد تشكل قاعدة مركزية في الفكر السياسي الحديث. فقد رأى توماس هوبز أن الدولة تولد من القدرة على إنهاء حالة الحرب والفوضى وفرض سلطة سيادية قادرة على احتكار القوة. و اعتبر جون لوك أن الشرعية لا تستمد من القوة وحدها، بل من قدرتها على تأسيس عقد سياسي يحمي الحقوق ويضمن الاستقرار. و جان جاك روسو ربط الشرعية بالإرادة العامة، لكنه افترض وجود جماعة سياسية قادرة أصلاً على فرض وجودها التاريخي وصون عقدها الاجتماعي. وفي القرن العشرين، أضاف أنطونيو غرامشي بعداً آخر حين بيّن أن السلطة لا تستند إلى السيطرة العسكرية وحدها، بل إلى بناء هيمنة فكرية وأخلاقية تجعل المشروع السياسي مقبولاً داخل المجتمع. بينما رأى فرانز فانون، من خلال تجارب التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا، أن العنف الثوري كثيراً ما يصبح الأداة التي تولد عبرها الأمة الجديدة وتتحرر من البنية الاستعمارية القديمة. أما عالم الاجتماع السياسي تشارلز تيلي فقد لخّص قروناً من التاريخ الأوروبي في عبارته الشهيرة: "الحرب صنعت الدولة، والدولة صنعت الحرب"، مشيراً إلى أن معظم الدول الحديثة لم تنشأ عبر التوافقات الأخلاقية، بل عبر الصراعات التي أعادت تشكيل موازين القوة داخل المجتمع، وليستيقظ الجميع. ولهذا السبب، ومنذ معاهدة وستفاليا عام 1648 التي أنهت حرب الثلاثين عاماً في أوروبا، لم يكن السلام في جوهره سوى عملية لتقنين نتائج الصراع وترجمة موازين القوى الجديدة إلى ترتيبات سياسية ودستورية. فالسلام لا يخلق القوى الفاعلة، بل يعترف بها. ولا يمنح الشرعية من فراغ، بل يكرّس الشرعية التي صنعتها الوقائع على الأرض. ومن هذا المنظور، يصبح السؤال الجوهري في السودان اليوم ليس: من يملك الخطاب الأعلى أو الدعم الخارجي الأكبر؟ بل: أي مشروع يمتلك القدرة الفعلية على إعادة تشكيل الدولة السودانية، وأي القوى تملك من النفوذ الاجتماعي والعسكري والسياسي ما يؤهلها لفرض أجندتها في لحظة التأسيس القادمة؟
السلام ليس نهاية الحرب بل ترجمة نتائجها يُخطئ كثيرون حين يتصورون أن اتفاقيات السلام تُنتج موازين القوة. الواقع التاريخي يقول العكس تماماً. فمعظم اتفاقيات السلام الكبرى لم تصنع حقائق جديدة، وإنما قامت بتسجيل الحقائق التي أفرزتها الحرب. في الصين، لم تجلس الحركة الشيوعية بقيادة ماو تسي تونغ مع حزب الكومنتانغ عام 1949 لتتفاوض حول نسبة وزارية أو حكومة انتقالية. بل دخل جيش التحرير الشعبي بكين بعد انتصارات عسكرية حاسمة، وأُعلنت جمهورية الصين الشعبية في الأول من أكتوبر 1949 وفي فيتنام، لم تُمنح جبهة التحرير الوطنية السلطة عبر مؤتمر أكاديمي أو ضغوط دبلوماسية، بل جاءت اتفاقية باريس 1973 بعد سنوات من الاستنزاف العسكري الأمريكي، ثم جاء سقوط سايغون في 30 أبريل 1975 ليحسم شكل الدولة الجديدة. وفي الجزائر، لم يأت استقلال 1962 نتيجة اقتناع فرنسا الأخلاقي بحق الجزائريين في الحرية، بل نتيجة حرب استمرت ثماني سنوات كلفت مئات الآلاف من الضحايا وأجبرت باريس على الاعتراف بالواقع الجديد. والامثلة لاتحصي. لقد لخّص كلاوزفيتز هذه الحقيقة قبل قرنين حين قال: "الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى" ويمكن إضافة عبارة معاكسة لا تقل صحة: "السلام استمرار للحرب بوسائل سياسية"
حين حاول المجتمع الدولي صناعة سلطة بديلة تاريخ التدخل الدولي مليء بمحاولات فرض ترتيبات لا تعكس موازين القوى الحقيقية. في أفغانستان عام 2001، أنتج مؤتمر بون نخبة سياسية حظيت باعتراف دولي واسع ودعم مالي هائل. لكن بعد عشرين عاماً فقط، انهارت الدولة التي بنتها القوى الغربية خلال أيام معدودة عندما عادت حركة طالبان للسيطرة على البلاد في أغسطس 2021 وفي جنوب فيتنام، دعمت الولايات المتحدة حكومات متعاقبة لعقود كاملة، لكن كل ذلك لم يصمد أمام القوة السياسية والعسكرية التي راكمتها هانوي. وفي الكونغو بعد الاستقلال عام 1960، لم تستطع القوى الدولية فرض الاستقرار رغم تدخل الأمم المتحدة والقوى الكبرى، لأن التوازنات الداخلية كانت أقوى من التصورات الخارجية. هذه الأمثلة لا تعني أن المجتمع الدولي بلا تأثير، بل تعني أن تأثيره محدود عندما يتعارض مع الوقائع العسكرية والاجتماعية العميقة، وليعي مغامري صمود وجماعة اعلان المبادئ والكتلة الديمقراطية وكل من يراهن علي هكذا تصور. وقد عبّر هنري كيسنجر عن ذلك بوضوح حين قال: "لا يمكن للدبلوماسية أن تنجح إذا كانت منفصلة عن ميزان القوى."
الثورات المسلحة لا تنتصر لتسلم مشروعها لخصومها يكاد التاريخ يخلو من نموذج لحركة ثورية مسلحة ذات مشروع سياسي، امتلكت الأراضي، وأقامت الإدارة المدنية، وبنت مؤسسات الحكم، وحققت انتصارات ميدانية واسعة، ثم قررت طواعية تسليم مشروعها السياسي إلى الطرف الذي حاربته هل سلّم البلاشفة السلطة للقيصر بعد انتصارهم عام 1917؟ هل سلّم الشيوعيون الصينيون السلطة للكومنتانغ عام 1949؟ هل سلّمت جبهة التحرير الوطني الجزائرية السلطة للإدارة الاستعمارية بعد 1962؟ هل سلّم حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب إفريقيا مشروعه للنظام العنصري بعد سقوط الأبارتهايد؟ بل إن حتى التسويات الكبرى نفسها كانت تعكس الوزن الحقيقي للقوى المتصارعة. في جنوب إفريقيا، لم يكن انتقال السلطة عام 1994 هدية من نظام الفصل العنصري، بل نتيجة عقود من المقاومة الشعبية والمسلحة والعزلة الدولية التي جعلت استمرار النظام مستحيلاً. وفي إيرلندا الشمالية، لم تأتِ اتفاقية الجمعة العظيمة 1998 إلا بعد اعتراف جميع الأطراف بأن أياً منها لا يستطيع إلغاء الآخر بالقوة.
من يحدد أجندة الدولة الجديدة؟ في جميع التحولات التاريخية الكبرى، لم تكن أجندة الدولة الجديدة تُكتب بواسطة أكثر القوى ضجيجاً في الإعلام، ولا بواسطة النخب الأقرب إلى العواصم الأجنبية، بل بواسطة القوى التي خاضت الصراع، ودفعت كلفته البشرية والسياسية والعسكرية، ونجحت في فرض نفسها كحقيقة على الأرض. في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية (1939–1945)، لم تُرسم الخريطة السياسية الجديدة وفق رغبات الأحزاب أو المثقفين، بل وفق موازين القوة التي فرضتها الجيوش المنتصرة في الميدان. وفي آسيا، من الصين عام 1949 إلى فيتنام عام 1975، كانت الحركات الثورية والتحررية التي انتصرت عسكرياً هي التي صاغت دساتير الدول الجديدة وحددت هويتها السياسية والاقتصادية. أما في إفريقيا، فقد قادت حركات التحرر الوطني عملية بناء الدولة بعد الاستعمار. ففي الجزائر، فرضت جبهة التحرير الوطني رؤيتها بعد استقلال 1962. وفي موزمبيق وأنغولا وغينيا بيساو، انتقلت حركات التحرر من ساحات القتال إلى قيادة الدولة، ولم تسلّم مشروعها السياسي للنخب التي كانت تنتظر نتائج الحرب من الخارج. ويبرز شرق إفريقيا مثالاً أكثر وضوحاً. ففي أوغندا، لم يصل يوري موسيفيني وحركة المقاومة الوطنية إلى السلطة عبر مؤتمر سياسي أو وساطة دولية، بل عبر حرب تحرير استمرت بين 1981 و1986 انتهت بدخول قواته إلى كمبالا وإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته السياسية. وفي رواندا، لم تحدد النخب المدنية المنفية مستقبل البلاد بعد الإبادة الجماعية عام 1994، بل حددته الجبهة الوطنية الرواندية بقيادة بول كاغامي بعد انتصارها العسكري وسيطرتها على الدولة. وحتى في جنوب السودان، لم تأتِ الدولة الجديدة التي أُعلنت في 9 يوليو 2011 نتيجة نشاط القوى المدنية وحدها، بل كانت ثمرة عقود طويلة من الكفاح المسلح والسياسي الذي قادته الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق ورفاقه. ولهذا لم يكن المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم مبالغاً عندما أكد أن "الدول الحديثة هي في الغالب نتاج صراعات كبرى وليست نتاج توافقات أخلاقية مجردة". ويمكن إضافة ما أثبته التاريخ مراراً: أن الشرعية النهائية في لحظات التأسيس لا تُمنح لمن يرفع الشعارات الأكثر جاذبية، بل لمن ينجح في تحويل مشروعه السياسي إلى واقع مؤسسي تفرضه موازين القوة والتضحيات والقدرة على إدارة الأرض والسكان والدولة الناشئة.
السودان اليوم: صراع على طبيعة الدولة لا على الحكومة فقط في السودان اليوم، لا يدور الصراع الحقيقي حول من يحكم فحسب، بل حول ماهية الدولة نفسها. فالحرب الجارية كشفت أن الخلاف أعمق من مجرد التنافس على السلطة أو تقاسم المناصب، وأن جوهر الأزمة يكمن في السؤال الذي ظل مؤجلاً منذ الاستقلال عام 1956: أي دولة يريد السودانيون بناءها؟ من جهة، يوجد معسكر تقوده المؤسسة العسكرية والقوى المتحالفة معها، يسعى بدرجات متفاوتة إلى الحفاظ على البنية الأساسية للدولة السودانية التي تشكلت تاريخياً حول المركز السياسي والثقافي والاقتصادي القديم، حتى وإن اختلفت مكوناته حول توزيع السلطة ومواقع النفوذ داخل هذه البنية ومن جهة أخرى، توجد قوى مدنية واسعة تختلف مع المؤسسة العسكرية جزئيا، حول قضايا الحكم والحريات والانتقال السياسي، لكنها لا تطرح قطيعة جذرية مع الأسس التي قامت عليها الدولة القديمة. وتشمل هذه القوى، بدرجات متفاوتة، تحالف صمود، والحزب الشيوعي السوداني وحلفاءه، ومجموعة إعلان المبادئ، والكتلة الديمقراطية، وغيرها من التيارات التي تنطلق في جوهرها من مشروع إصلاحي يسعى إلى إعادة هيكلة الدولة القائمة أو تحسين أدائها، أكثر من سعيه إلى إعادة تأسيسها على أسس جديدة، ومع ضمان وجودهم في السلطة. في المقابل، برز مشروع "تأسيس" بوصفه تعبيراً عن قوى الهامش التاريخي التي لم تعد ترى أن أزمة السودان تكمن في الحكومات المتعاقبة، بل في البنية التي أنتجت تلك الحكومات نفسها. ولذلك لا يطرح هذا المشروع مجرد تغيير السلطة أو استبدال النخب الحاكمة، وإنما يدعو إلى إعادة تعريف الدولة السودانية من جذورها، عبر مبادئ غير قابلة للمناورات مثل العلمانية، والمواطنة المتساوية، واللامركزية القائمة على الحقوق، والعدالة التاريخية، حق تقرير المصير وإعادة توزيع السلطة والثروة، وبناء مؤسسات سياسية وأمنية جديدة تعكس التعدد الحقيقي للبلاد. ومن هنا يصبح السؤال الحاسم في السودان المعاصر ليس: من يجلس في القصر الجمهوري؟ بل: ما طبيعة الدولة التي سيجلس فيها؟ وهل ستكون استمراراً للسودان القديم بأدوات جديدة ووجوه مختلفة، أم بدايةً لمشروع تأسيسي جديد يعيد صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أسس مغايرة؟
خاتمة: التاريخ لا يعرف الانتحار السياسي منذ وستفاليا عام 1648 وحتى اليوم، لم يُسجل التاريخ حالة قوة ثورية مسلحة بنت مؤسساتها، وأدارت أراضيها، وخاضت حرباً طويلة، وحققت مكاسب استراتيجية واسعة علي الارض، ثم قررت التخلي طوعاً عن مشروعها السياسي وتسليم مستقبل الدولة لخصومها! يمكن للحركات أن تتفاوض، يمكنها أن تعدّل برامجها، يمكنها أن تدخل في شراكات مؤقتة، لكنها لا تلغي نفسها. فالتاريخ يعلمنا أن السلام لا يكتب رغبات الأطراف، بل يترجم موازين القوى التي أنتجتها الحرب. ومن يظن أن البيانات الدولية أو المؤتمرات السياسية قادرة وحدها على تجاوز الوقائع التي صنعتها سنوات الدم والتضحيات، فإنه لا يقرأ التاريخ كما هو، بل كما يتمنى أن يكون. وفي النهاية، كما يقول المثل السياسي القديم: "الدساتير تُكتب بالأقلام، لكن حدودها ترسمها موازين القوة"
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|