Post: #1
Title: هل كانت لعنة السودان في التغيير ام في سلوكنا تجاه التغيير؟ بقلم الاستاذة حنان ابكراي
Author: مقالات سودانيزاونلاين
Date: 06-04-2026, 05:37 AM
05:37 AM June, 04 2026 سودانيز اون لاين مقالات سودانيزاونلاين-USA مكتبتى رابط مختصر
منذ فجر الاستقلال ظل السودان يبحث عن طريق يقوده إلى الاستقرار والنهضة والعدالة. تعاقبت الحكومات والأنظمة والثورات والانقلابات، وتغيرت الشعارات والوجوه، لكن الواقع ظل يدور في دائرة مغلقة من الأزمات والصراعات والانقسامات. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل كانت المشكلة في التغيير نفسه، أم في الطريقة التي تعاملنا بها مع التغيير؟
كثيرون يلقون اللوم على التغيير باعتباره سبب الفوضى وعدم الاستقرار، وكأن الشعوب خلقت لتبقى أسيرة واقعها مهما كان فاسدا او ظالما. لكن التغيير في جوهره ليس لعنة، بل هو سنة من سنن الحياة. الأمم تتقدم بالتغيير، والمجتمعات تنهض بالتجديد، والدول تتطور عندما تمتلك القدرة على مراجعة أخطائها وتصحيح مسارها.
اللعنة الحقيقية ليست في التغيير، وإنما في السلوك الذي يصاحب التغيير. فعندما تتحول السياسة إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية، وعندما تتقدم المصالح الفردية على المصلحة الوطنية، وعندما تصبح المناصب غاية وليست وسيلة لخدمة الوطن، فإن أي تغيير مهما كانت نواياه نبيلة سيتحول إلى أزمة جديدة.
لقد عانى السودان طويلا من غياب المشروع الوطني الجامع. فبدلا من ان يكون الوطن هو نقطة الالتقاء، اصبح في كثير من الاحيان ساحة للتنافس والصراع. وبدلا من إدارة الخلافات بعقلانية واحترام التنوع، جرى تحويلها إلى معارك وجودية يسعى فيها كل طرف إلى إقصاء الآخر. ومع كل جولة من الصراع كانت البلاد تدفع الثمن من أمنها واستقرارها ووحدتها ومستقبل أبنائها.
إن أخطر ما أصاب الحياة العامة في السودان ليس اختلاف الآراء، فذلك أمر طبيعي في كل المجتمعات، وإنما ضعف الثقافة الوطنية التي تجعل الجميع يضعون حدودا لخلافاتهم عندما يتعلق الأمر بمصلحة الوطن. فالدول لا تنهار بسبب التعدد السياسي أو الفكري، وإنما تنهار عندما تغيب القيم التي تنظم هذا التعدد وتحوله إلى قوة بناء بدلا من أن يكون أداة هدم.
لقد كشفت الأزمة السودانية أن الخلل لم يكن في الشعارات التي رفعت، ولا في الدعوات إلى الإصلاح والتغيير، وإنما في غياب المسؤولية الأخلاقية والفكرية لدى كثير من النخب والقوى الفاعلة. فحين يغيب الوعي الوطني ويتراجع الحس الجمعي، يصبح الوطن نفسه ضحية للطموحات الضيقة والمصالح العابرة.
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى تغيير سياسي، بل يحتاج إلى تغيير في الثقافة والسلوك وطريقة التفكير. يحتاج إلى إعادة الاعتبار لقيم النزاهة والتسامح والمسؤولية الوطنية. يحتاج إلى أن يدرك الجميع أن بناء الأوطان لا يتم بالانتقام ولا بالإقصاء ولا بالاستقواء بالخارج، وإنما بالتوافق والعمل المشترك والإيمان بأن الوطن أكبر من الأحزاب والجماعات والأفراد.
وعليه، فإن السؤال الصحيح ليس: هل كان التغيير لعنة على السودان؟ بل السؤال هو: لماذا فشلنا في إدارة التغيير بصورة تجعل منه فرصة للنهضة لا سببا للانهيار؟
فالتغيير لا يصنع الكوارث، وإنما تصنعها العقول التي تعجز عن إدارة الاختلاف، والنفوس التي تقدم مصالحها الخاصة على مصلحة الوطن. أما عندما يقترن التغيير بالوعي والأخلاق والمسؤولية الوطنية، فإنه يتحول إلى أعظم قوة لبناء المستقبل وصناعة الأمل.
ويبقى الأمل قائما ما دام هناك من يؤمن بأن السودان يستحق أفضل مما هو عليه اليوم، وأن مستقبل الأوطان لا تحدده الأزمات وحدها، بل تحدده أيضا قدرة أبنائها على التعلم من أخطائهم وصناعة بداية جديدة أكثر حكمة وأمل
|
|