أبواق صمود، أزمة التمثيل في السودان: لماذا لا تستطيع نخب السودان القديم بناء سلام مستدام؟ كتبه خالد

أبواق صمود، أزمة التمثيل في السودان: لماذا لا تستطيع نخب السودان القديم بناء سلام مستدام؟ كتبه خالد


06-02-2026, 05:12 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780373521&rn=0


Post: #1
Title: أبواق صمود، أزمة التمثيل في السودان: لماذا لا تستطيع نخب السودان القديم بناء سلام مستدام؟ كتبه خالد
Author: خالد كودي
Date: 06-02-2026, 05:12 AM

05:12 AM June, 02 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر





1/6/2026 ، بوسطن

مقدمة: من يتحدث باسم السودان؟
من أكثر الأسئلة إلحاحاً في السودان اليوم ليس سؤال الحرب وحده، بل سؤال التمثيل: من يتحدث باسم السودانيين؟ ومن يملك حق تعريف السلام والديمقراطية ومستقبل الدولة؟
خلال العقود الماضية، ظلت مجموعات محددة من النخب السياسية والمدنية تحتكر مخاطبة المجتمع الدولي باسم السودان. تبدلت أسماؤها وتحالفاتها وشعاراتها، لكن بنيتها الاجتماعية والسياسية بقيت متشابهة إلى حد كبير. وهي النخب نفسها التي أدارت الدولة السودانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة منذ الاستقلال، أو شاركت في هندسة المجال السياسي الذي أنتج الحروب والانقلابات والأزمات المتكررة
واليوم، تعيد بعض هذه القوى تقديم نفسها باعتبارها الممثل الرئيسي للقوى المدنية السودانية والمناهضة للحرب، مجموعة صمود علي راس هذه القوي. غير أن السؤال الجوهري يبقى قائماً: هل تمثل هذه القوى فعلاً غالبية السودانيين؟ أم أنها تمثل، في جوهرها، استمراراً لمراكز القوة التاريخية التي حكمت السودان لعقود، وإن بأسماء وخطابات جديدة؟

أزمة السودان ليست أزمة حكومة بل أزمة دولة.
أحد أكبر أسباب فشل النخب السودانية التقليدية بما فيها مجموعة صمود مؤخرا عبر ابواقها في الأسافير هو أنها ظلت تنظر إلى الأزمة باعتبارها أزمة حكم، بينما تكشف التجربة التاريخية أنها أزمة دولة.
فمنذ الاستقلال في عام 1956، شهد السودان أنظمة مدنية وعسكرية وإسلامية وانتقالية. وتغير الرؤساء والأحزاب والحكومات، لكن ظلت بنية الدولة نفسها قائمة:
- مركز يحتكر السلطة والثروة
- أطراف مهمشة سياسياً واقتصادياً
- هوية رسمية أحادية تفرض نفسها على مجتمع متعدد
- مؤسسة عسكرية تتدخل بصورة مستمرة في السياسة
- توزيع غير عادل للموارد والفرص
ولهذا السبب لم تنهِ ثورة أكتوبر 1964 الأزمة، ولم تنهِ انتفاضة أبريل 1985 الأزمة، ولم تنهِ ثورة ديسمبر 2018 الأزمة. تغيرت الحكومات، لكن الدولة التي أنتجت الحرب بقيت كما هي.

من يمثل السودان فعلاً؟
حين تقدم بعض المجموعات نفسها للمجتمع الدولي باعتبارها الممثل الحصري للقوى المدنية مثل صمود في هذا الوقت، فإنها تتجاهل حقيقة أساسية:
أغلبية السودانيين لا يعيشون في المراكز السياسية التقليدية.
إن ملايين السودانيين الذين يعيشون في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان والمناطق الريفية والأحياء الفقيرة ومعسكرات النزوح واللجوء ظلوا خارج دوائر صناعة القرار لعقود طويلة.
ومع ذلك، فإن تمثيل هذه المجتمعات داخل معظم المنصات السياسية التقليدية ظل محدوداً أو رمزياً.
إن المشكلة ليست في وجود هذه النخب، فكل المجتمعات تنتج نخبها. المشكلة هي ادعاؤها تمثيل الجميع بينما هي تمثل، في الواقع، شريحة اجتماعية وسياسية محدودة ذات مصالح مرتبطة باستمرار البنية القائمة وحتى في هذا، فشلت مرة بعد الأخرى.

لماذا فشلت النخب السودانية التقليدية والمعاصرة، بما فيها قوى الحرية والتغيير و"صمود"؟
يمكن تلخيص أسباب الفشل المتكرر للنخب السودانية في خمسة عوامل رئيسية:
أولاً: العجز عن حسم سؤال الهوية.
ظلت معظم النخب تدور حول مفهوم السودان الأحادي، حتى عندما تحدثت عن التنوع. فبدلاً من بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، استمرت في تجنب الحسم بشأن طبيعة الدولة وهويتها، مما أبقى جذور الصراع قائمة.
ثانياً: الخوف من العلمانية.
رغم أن تسييس الدين كان من أبرز أسباب الحروب والانقسامات في السودان، ظلت هذه النخب تتجنب تبني موقف واضح من فصل الدين عن الدولة، وتلجأ إلى عبارات فضفاضة مثل "الدولة المدنية" دون معالجة جوهر المشكلة.
ثالثاً: الهروب من العدالة التاريخية
تقبل هذه القوى الحديث عن العدالة الانتقالية، لكنها تتجنب العدالة التاريخية لأنها تطرح أسئلة إعادة توزيع السلطة والثروة والفرص بين المركز والمناطق المهمشة، وهي أسئلة تمس الامتيازات التاريخية للنخب نفسها.
رابعاً: التردد تجاه اللامركزية الحقيقية
ظل الحديث عن الفيدرالية واللامركزية محصوراً في الجوانب الإدارية، دون الاستعداد لإعادة توزيع حقيقي للسلطة والموارد، مما أبقى المركز محتفظاً بامتيازاته الأساسية.
خامساً: المناورة حول قضية الجيش
بدلاً من الاعتراف بأن الأزمة مرتبطة بطبيعة المؤسسة العسكرية ودورها التاريخي في حماية مراكز القوة، أصرت هذه النخب على مشاريع الإصلاح والترميم. فهي تتحدث عن إعادة الهيكلة والدمج، لكنها تتجنب طرح مشروع جيش وطني جديد يعكس التنوع السوداني، ويخضع بالكامل للسلطة المدنية الديمقراطية، وينفصل عن الإرث السياسي والعقائدي الذي خدم الدولة المركزية لعقود.
ولهذا فشلت هذه النخب بعد أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وديسمبر 2018. فقد تعاملت دائماً مع أزمة السودان باعتبارها أزمة سلطة وحكومة، بينما ظلت تتجنب الحقيقة الأساسية: أن السودان يواجه أزمة دولة وبنية حكم، لا مجرد أزمة حكام.

لماذا لا يكفي وقف الحرب؟
إن وقف الحرب ضرورة أخلاقية وإنسانية عاجلة.
لكن التجربة السودانية تثبت أن وقف الحرب الانية وحده لا يصنع سلاماً مستداماً.
فقد وقعت عشرات الاتفاقيات السياسية والعسكرية منذ الاستقلال، ومع ذلك استمرت الحروب.
والسبب بسيط:
لأن معظم الاتفاقيات عالجت نتائج الأزمة ولم تعالج أسبابها.
فالسلام المستدام لا ينتج من وقف إطلاق النار فقط، بل من إعادة بناء الدولة بصورة تمنع عودة الحرب.

شروط السلام المستدام: رسالة إلى السودانيين أولاً، وإلى الإقليم والعالم ثانياً
لكل سوداني وسودانية أنهكتهما الحروب، ولكل أسرة فقدت عزيزاً أو نزحت من بيتها أو تنتظر نهاية هذا الكابوس، لا خلاف على أن وقف الحرب هو الأولوية العاجلة. فالسودانيون يحتاجون إلى السلام اليوم قبل الغد، ويحتاجون إلى وقف نزيف الدم والمعاناة الإنسانية المستمرة.
لكن التجربة السودانية علمتنا أيضاً أن وقف الحرب الحالية وحده لا يكفي. فقد شهد السودان عشرات الاتفاقيات والتسويات منذ الاستقلال، ومع ذلك عادت الحروب بصورة أكثر عنفاً واتساعاً. والسبب أن معظم تلك المبادرات تعاملت مع نتائج الأزمة، بينما تركت الأسباب التي أنتجتها دون معالجة.
ولهذا فإن السلام الذي يتطلع إليه السودانيون ليس مجرد صمت البنادق، بل سلام يضمن ألا تعود الحروب مرة أخرى
ومن هنا تأتي الرسالة إلى السودانيين، والمجتمع الإقليمي وأصدقاء السودان والمجتمع الدولي: إن دعم أي عملية سياسية لا ينبغي أن يقتصر على وقف القتال، بل يجب أن يساعد السودانيين على بناء دولة جديدة تمنع أسباب الحرب نفسها من إعادة إنتاج ذاتها.
إن السلام المستدام يتطلب الاتي:
- دولة تقوم على المواطنة المتساوية لا على الامتيازات التاريخية.
- نظاماً ديمقراطياً مدنياً تكون فيه السلطة للشعب عبر المؤسسات المنتخبة.
- دولة علمانية محايدة تجاه الأديان، تضمن حرية المعتقد وتحمي الجميع على قدم المساواة.
- نظاماً لامركزياً حقيقياً يعيد توزيع السلطة والثروة بين المركز والأقاليم.
- عدالة تاريخية تعالج آثار التهميش والإقصاء التي تراكمت عبر عقود.
- جيشاً وطنياً جديداً ومهنياً يعكس التنوع السوداني ويخضع للسلطة المدنية والدستور.
- اعترافاً كاملاً بالتعدد القومي والثقافي واللغوي والديني بوصفه أساساً لوحدة السودان لا تهديداً لها.
هذه ليست مطالب حزبية أو رؤى خاصة بمجموعة دون أخرى، بل شروط ضرورية إذا أُريد للسودان أن يخرج نهائياً من دائرة الحرب والانهيار.
لقد أخطأ المجتمع الدولي مراراً عندما تعامل مع السودان من خلال النخب الأكثر قدرة على الوصول إلى العواصم والمنابر الدولية، بينما بقيت المجتمعات التي دفعت الثمن الأكبر للحرب والتهميش خارج دائرة التأثير الحقيقي. ولهذا فشلت كل المبادرات السابقة في تحقيق سلام دائم.
إن السلام لا يُبنى عبر إعادة إنتاج مراكز القوة القديمة بوجوه جديدة، بل عبر إشراك جميع السودانيين في صياغة عقد اجتماعي جديد يعالج جذور الأزمة. فالسؤال الحقيقي لم يعد فقط كيف نوقف الحرب، بل كيف نبني دولة لا تعود فيها الحروب خياراً ممكناً مرة أخرى.

أخيراً: ليست الحرب وحدها هي المشكلة، بل الدولة التي أنتجتها
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل في إنهاء الحرب فحسب، بل في إنهاء الشروط البنيوية التي جعلت الحرب تتكرر جيلاً بعد جيل. فالحرب الحالية ليست حادثاً عابراً في تاريخ السودان، بل نتيجة مباشرة لأزمة دولة تأسست على الاحتكار والإقصاء وعدم المساواة.
ولهذا فإن الصراع الراهن ليس، كما تحاول ابواق صمود تصويره بانتهازية وخفة، مجرد صراع بين معسكر يريد السلام وآخر يريد الحرب. فمثل هذا التبسيط يضلل السودانيين والمجتمعين الإقليمي والدولي، ويخفي جوهر الأزمة الحقيقي.
إن ما يدور اليوم هو صراع بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل السودان:
- رؤية أولى ما تزال تتحرك داخل أفق الدولة القديمة، وتسعى إلى إصلاحها وإعادة تشغيلها بوجوه وتحالفات جديدة، مع الاحتفاظ بجوهرها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهي رؤية تظهر بدرجات متفاوتة في الخطاب الذي تطرحه ابواق صمود وبعض القوى الأخرى الموقعة على إعلان المبادئ، حيث يجري التركيز على ترتيبات الانتقال والتسويات السياسية، بينما يتم تجنب الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الدولة نفسها.
- وفي المقابل، تطرح رؤية السودان الجديد، التي يستند إليها مشروع "تأسيس" تحديدا، تصوراً مختلفاً ينطلق من أن الأزمة السودانية ليست أزمة حكومة أو سلطة انتقالية، بل أزمة بنية دولة. ولذلك فإن الحل لا يكمن في ترميم النظام القديم، وإنما في بناء دولة جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، والعلمانية، والديمقراطية، واللامركزية القائمة على الحقوق، والعدالة التاريخية، وجيش وطني جديد يخضع للدستور والسلطة المدنية، لا لمراكز القوة والنخب التقليدية.
وتستند هذه الرؤية إلى مبادئ فوق دستورية تُحصّن الحقوق الأساسية للمواطنين من تقلبات السياسة وصراعات النخب، وتجعل المواطنة، لا الدين أو العرق أو الجهة، أساس الانتماء للدولة والتمتع بحقوقها.
ومن دون مواجهة هذا السؤال بوضوح وشجاعة—أي سؤال: أي دولة نريد أن نبني؟— سيظل السودان يدور داخل الحلقة نفسها التي أنتجت الحروب والانقسامات والانقلابات لعقود طويلة.
فالسلام المستدام لا يتحقق بالبيانات السياسية، ولا بالموازنات الخطابية، ولا بإعادة إنتاج التسويات القديمة في ثوب جديد. إن السلام الحقيقي يبدأ عندما يتفق السودانيون على عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة مختلفة جذرياً عن تلك التي أنتجت الأزمة.
ذلك هو التحدي الحقيقي.
وذلك هو السؤال الذي لا يمكن الهروب منه إلى الأبد.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)