Post: #1
Title: إثيوبيا بين صناديق الاقتراع وجبهات القتال- هل تكفي التنمية لصناعة الاستقرار؟ # زهير عثمان
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 06-01-2026, 08:22 PM
08:22 PM June, 01 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
في مشهد يعكس تعقيدات الدولة الإفريقية الحديثة، توجه ملايين الإثيوبيين إلى صناديق الاقتراع لاختيار برلمان جديد وحكومات إقليمية، بينما لا تزال أصوات البنادق تُسمع في بعض أرجاء البلاد , وبين طوابير الناخبين في أديس أبابا والمشروعات العمرانية العملاقة التي تغير وجه العاصمة، تقف إثيوبيا أمام سؤال جوهري يتجاوز الاستحقاق الانتخابي- هل تستطيع التنمية الاقتصادية أن تسبق المصالحة السياسية؟ تأتي هذه الانتخابات في لحظة فارقة؛ فإثيوبيا التي قدمها رئيس الوزراء آبي أحمد منذ عام 2018 كنموذج للإصلاح والانفتاح، تبدو اليوم دولة تحمل صورتين متناقضتين- الأولى تبرز نمواً اقتصادياً يعد من بين الأسرع في القارة، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية ومشروعات استراتيجية مثل سد النهضة؛ والثانية تكشف عن ندوب النزاعات المسلحة في أقاليم عدة، وتصاعد التوترات العرقية، وتراجع الثقة بين المركز والأطراف
لا يبدو أن نتيجة الانتخابات محل شك كبير؛ فحزب "الازدهار" الحاكم يدخل السباق بامتيازات تنظيمية وسياسية واضحة، في حين تعاني المعارضة من انقسامات بنيوية وضعف في الحضور الميداني وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس "من سيفوز؟"، بل "ماذا سيفعل الفائز بهذا التفويض الجديد؟" لقد نجح آبي أحمد في إطلاق إصلاحات اقتصادية جذبت اهتمام المستثمرين، لكن التحدي الأمني والسياسي ظل هو الاختبار الأصعب، حيث أثبتت تجارب الحرب في تيغراي وأمهرة والاضطرابات في أوروميا أن النمو الاقتصادي وحده ليس ضمانة للاستقرار في غياب توافق وطني شامل وفي السياق الإقليمي، لا يمكن فصل طموحات "حزب الازدهار" بالداخل عن ارتداداتها على جوارها الجغرافي، وفي مقدمته السودان. فمع استمرار الحرب السودانية، أضحى الموقف الإثيوبي عاملاً حاسماً في تعقيد أو تيسير مسارات الحل. إن فوز آبي أحمد وتثبيت دعائم حكمه يعززان من نهج "السياسة البراغماتية التي تتبعها أديس أبابا، والتي تحاول موازنة مصالحها مع الأطراف المتصارعة في السودان، مع التركيز في الوقت ذاته على منع تمدد الفوضى العابرة للحدود التي قد تهدد استقرار إثيوبيا نفسها ومع ذلك، يرى مراقبون أن انشغال أديس أبابا بانتزاع هذا التفويض الجديد قد يعني استمرار سياسة "الانتظار والترقب" في الملف السوداني، مما يلقي بظلال من الشك حول قدرة إثيوبيا على لعب دور "الوسيط النزيه" في ظل تضارب المصالح الإقليمية التي تتصارع على الأرض السودانية وتجري هذه الانتخابات أيضاً وسط بيئة إقليمية معقدة؛ فالعلاقات المتوترة مع إريتريا، والملفات المفتوحة مع دول الجوار، والنقاش المتواصل حول تأمين منفذ بحري، تجعل لنتائج الاقتراع أبعاداً تتجاوز الحدود الإثيوبية لتؤثر في توازنات القرن الإفريقي ورغم الانتقادات التي توجهها المعارضة ومنظمات حقوقية للحكومة بشأن الحريات السياسية، فإن مشهد المشاركة الشعبية يكشف عن رغبة الإثيوبيين في التمسك بالمسار الدستوري كخيار وحيد لتجنب دوامات الانهيار إن التحدي الذي يواجه إثيوبيا ما بعد الانتخابات لا يتمثل في تشكيل حكومة جديدة، بل في الإجابة عن سؤال الدولة وكيف يمكن إدارة التنوع القومي والعرقي في بلد يتجاوز سكانه 130 مليون نسمة؟ وكيف يمكن تحويل الإنجازات الاقتصادية إلى عقد اجتماعي يرى فيه كل إثيوبي نفسه شريكاً في المستقبل؟
قد تمنح صناديق الاقتراع آبي أحمد تفويضاً جديداً، لكن الاستقرار الحقيقي لن تصنعه الأصوات وحدها. فالمهمة الأصعب تبدأ بعد إعلان النتائج، عندما يصبح لزاماً على الدولة الجمع بين التنمية والمصالحة، وبين بناء الاقتصاد وبناء الثقة السياسية ففي النهاية، لا تُقاس أهمية الانتخابات الإثيوبية بعدد المقاعد التي سيفوز بها حزب الازدهار، بل بقدرتها على فتح صفحة تعالج جذور الأزمات التي تهدد وحدة البلاد، لتتحول إثيوبيا من ساحة صراعات إقليمية إلى نموذج للاستقرار في القرن الإفريقي >.
|
|