وجه الغرابة في توطين الأفكار اليسارية والقومية العربية ؟ كتبه محمد علي طه الملك

وجه الغرابة في توطين الأفكار اليسارية والقومية العربية ؟ كتبه محمد علي طه الملك


06-01-2026, 05:36 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780331760&rn=0


Post: #1
Title: وجه الغرابة في توطين الأفكار اليسارية والقومية العربية ؟ كتبه محمد علي طه الملك
Author: محمد علي طه الملك
Date: 06-01-2026, 05:36 PM

05:36 PM June, 01 2026

سودانيز اون لاين
محمد علي طه الملك -Amsterdam NL
مكتبتى
رابط مختصر




السؤال الذي ظل يؤرقني لسنوات طويلة هو كيف تسنى توطين الأفكار اليسارية في بيئة لم تكن، في ظاهر الأمر، حاضنتها الطبيعية؟
وكيف استطاعت هذه الأفكار اختراق أذهان النخب الثقافية والسياسية لتفضي إلى نشوء تنظيمات حزبية مؤثرة، في بلد كانت فيه نسبة الأمية تفوق نسبة المتعلمين، ونسبة الرعاة وأصحاب أنماط الإنتاج التقليدي أعلى بكثير من أصحاب المهن الحديثة؟
لم يكن السودان، في تلك المرحلة، قد شهد تطوراً رأسمالياً بالمعنى الكلاسيكي الذي أفرزته التجربة الأوروبية، كما أن رأس المال مصدره وادارته في معظمه ظل ملتصقا بالدولة المركزية ومؤسساتها ومشروعاتها العامة، المدنية منها والعسكرية والأمنية. يضاف إلى ذلك أن البنى الاجتماعية ظلت الأقرب إلى التشكيلات القبلية الأولية منها إلى التشكيلات الطبقية الحديثة التي شكلت البيئة التاريخية الحاضنة لنشأة الفكر اليساري وتطوره.
من هذا المنطلق، كان من الطبعي أن يكون الفكر الرأسمالي الحر هو الخصم الفكري المباشر لليسار، وأن يدور الصراع بينهما في إطار جدل اقتصادي وسياسي وفلسفي متكامل. غير أن الواقع السوداني سار في اتجاه مختلف؛ إذ لم تتصدَّ للأفكار اليسارية تيارات ليبرالية أو رأسمالية بالمعنى المعروف، وإنما واجهتها تنظيمات عقائدية يمينية استمدت مشروعيتها من المرجعيات الدينية والثقافية أكثر مما استمدتها من أطروحات الاقتصاد الحر أو الفكر الليبرالي.
ويعود السبب كما نوهت إلى البيئة السودانية التي لم تكن قد استوفت الشروط الاجتماعية والاقتصادية الكفيلة بإدارة الصراع بين اليسار والرأسمالية بطرق فكرية مباشرة .
من هنا نشأ نوع من الخلل البنيوي في مسار التحديث السياسي، حيث دخلت إلى الساحة تنظيمات وأفكار مستوردة من سياقات تاريخية مختلفة، دون أن تجد ما يقابلها من تطور موضوعي في البنية الاقتصادية والاجتماعية المحلية.
وقد انعكس هذا الخلل على مجمل الحياة السياسية السودانية، وخالط أنماط مختلفة من التنظيمات الحديثة، مثل تنظيمات الفكر الاشتراكي في مجتمع بطبعه ريفي تكافلي ، ودعاوى البعث العروبي في بلد يضم أعراق عديدة، تناقضات أسهمت في إطالة أمد الأزمة السياسية، وأدت مع مرور الوقت إلى بروز حركات وتنظيمات مسلحة ذات طابع مطلبي أو جهوي، تركز على قضايا التهميش وتقاسم السلطة والثروة عمليا ، أكثر من انشغالها بمشروعات البناء الفكري والوطني الشاملة ، أو الرؤى الأيديولوجية الكبرى أو حتى مفهوم دولة المواطنة والتعايش السلمي .