Post: #1
Title: مَجَازِرُ حَمْدَان وَبُرْهَان: عِنْدَمَا تُصْبِحُ دِمَاءُ المَدَنِيِّينَ ضَحِيَّةَ الحَرْبِ وَالإِف
Author: الأمين مصطفى
Date: 06-01-2026, 05:32 PM
05:32 PM June, 01 2026 سودانيز اون لاين الأمين مصطفى-السودان مكتبتى رابط مختصر
مَجَازِرُ حَمْدَان وَبُرْهَان: عِنْدَمَا تُصْبِحُ دِمَاءُ المَدَنِيِّينَ ضَحِيَّةَ الحَرْبِ وَالإِفْلَاتِ مِنَ العِقَاب لَمْ تَكُنْ المَأْسَاةُ الَّتِي شَهِدَتْهَا مَنْطِقَتَا المُرَّةِ وَأُمِّ سَعْدُون بِوِلَايَةِ شَمَالِ كُرْدُفَان حَادِثَةً مَعْزُولَةً عَنْ سِيَاقِ الحَرْبِ الدَّائِرَةِ فِي السُّودَان، بَلْ جَاءَتْ كَحَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ فِي سِلْسِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ المَآسِي الَّتِي دَفَعَ ثَمَنَهَا المَدَنِيُّونَ مِنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْنِهِمْ وَمُسْتَقْبَلِهِمْ. فَبَعْدَ الإِعْلَانِ عَنِ ارْتِفَاعِ عَدَدِ الضَّحَايَا إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَخَمْسِينَ قَتِيلًا، وَالعُثُورِ عَلَى جُثَثِ مَفْقُودِينَ فِي مِنْطَقَةِ أَزْحَف، يَبْقَى السُّؤَالُ الأَكْثَرُ إِلْحَاحًا: مَنْ يُحَاسِبُ المُسْؤُولِينَ عَنْ هَذِهِ الجَرَائِمِ؟ إِنَّ أَرْشِيفَ الحَرْبِ السُّودَانِيَّةِ لَمْ يَعُدْ يَحْتَوِي عَلَى اتِّهَامَاتٍ مُتَبَادَلَةٍ فَقَطْ، بَلْ أَصْبَحَ مُثْقَلًا بِتَقَارِيرَ وَثَّقَتْهَا مَنْظُومَةُ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ وَمُنَظَّمَاتٌ دُوَلِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، تَضَمَّنَتْ مَزَاعِمَ وَأَدِلَّةً عَلَى انْتِهَاكَاتٍ خَطِيرَةٍ نُسِبَتْ إِلَى القُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ السُّودَانِيَّةِ وَقُوَّاتِ الدَّعْمِ السَّرِيعِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. وَقَدْ شَمِلَتْ تِلْكَ التَّقَارِيرُ القَتْلَ غَيْرَ المَشْرُوعِ، وَالهَجَمَاتِ عَلَى المَدَنِيِّينَ، وَالتَّهْجِيرَ القَسْرِيَّ، وَالعُنْفَ الجِنْسِيَّ، وَالتَّدْمِيرَ الوَاسِعَ لِلأَعْيَانِ المَدَنِيَّةِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ الحَدِيثَ عَنْ مَجَازِرِ حَمْدَان أَوْ مَجَازِرِ بُرْهَان لَيْسَ مَسْأَلَةَ دِعَايَةٍ سِيَاسِيَّةٍ أَوِ انْحِيَازٍ لِطَرَفٍ دُونَ آخَرَ، بَلْ هُوَ وَصْفٌ لِوَاقِعٍ أَلْقَى فِيهِ طَرَفَا الحَرْبِ ظِلَالَهُمَا الثَّقِيلَةَ عَلَى حَيَاةِ المَدَنِيِّينَ، وَتَحَوَّلَتْ فِيهِ القُرَى وَالمُدُنُ إِلَى سَاحَاتِ خَوْفٍ وَنُزُوحٍ وَمَوْتٍ. إِلَّا أَنَّ المَأْسَاةَ الأَكْبَرَ لَا تَكْمُنُ فِي وُقُوعِ الجَرِيمَةِ فَقَطْ، بَلْ فِي خَطَرِ أَنْ تَمُرَّ دُونَ عِقَابٍ. فَالتَّارِيخُ الحَدِيثُ لِلسُّودَانِ يُظْهِرُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الاِنْتِهَاكَاتِ الجَسِيمَةِ لَمْ تُقَابَلْ بِمُحَاسَبَةٍ تَتَنَاسَبُ مَعَ حَجْمِهَا، وَهُوَ مَا سَاهَمَ فِي تَكْرَارِ دَوَّامَةِ العُنْفِ وَتَرْسِيخِ ثَقَافَةِ الإِفْلَاتِ مِنَ العِقَاب. وَيُثِيرُ ذَلِكَ تَسَاؤُلًا جَوْهَرِيًّا حَوْلَ قُدْرَةِ المَنْظُومَةِ القَضَائِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ عَلَى النَّظَرِ فِي الجَرَائِمِ المُرْتَبِطَةِ بِالنِّزَاعِ المُسَلَّحِ. فَهُنَاكَ مَنْ يَرَى أَنَّ الظُّرُوفَ السِّيَاسِيَّةَ وَالدُّسْتُورِيَّةَ الَّتِي أَعْقَبَتِ التَّغَيُّرَاتِ السِّيَاسِيَّةَ وَالصِّرَاعَ العَسْكَرِيَّ أَضْعَفَتِ الثِّقَةَ فِي قُدْرَةِ المُؤَسَّسَاتِ العَدْلِيَّةِ عَلَى مُحَاكَمَةِ أَصْحَابِ النُّفُوذِ العَسْكَرِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ بِاسْتِقْلَالٍ كَامِلٍ. وَيَذْهَبُ أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ العَدَالَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُقْنِعَةً مَا لَمْ تَكُنْ بَعِيدَةً عَنْ تَأْثِيرِ أَطْرَافِ النِّزَاعِ. مِنْ هُنَا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ العَدَالَةِ الدُّوَلِيَّةِ. فَنِظَامُ رُومَا الأَسَاسِيُّ أُسِّسَ عَلَى فِكْرَةٍ مَفَادُهَا أَنَّ أَخْطَرَ الجَرَائِمِ الَّتِي تُقْلِقُ ضَمِيرَ الإِنْسَانِيَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَبْقَى بِدُونِ مُحَاسَبَةٍ. وَعِنْدَمَا تَعْجِزُ الدَّوْلَةُ عَنْ إِجْرَاءِ تَحْقِيقَاتٍ وَمُحَاكَمَاتٍ حَقِيقِيَّةٍ وَمُسْتَقِلَّةٍ، فَإِنَّ مَبْدَأَ التَّكَامُلِ يَفْتَحُ البَابَ أَمَامَ التَّدَخُّلِ الدُّوَلِيِّ لِحِمَايَةِ حَقِّ الضَّحَايَا فِي العَدَالَةِ. إِنَّ الدِّمَاءَ الَّتِي سُفِكَتْ فِي المُرَّةِ وَأُمِّ سَعْدُون، وَفِي الجَنِينَةِ وَالخَرْطُومِ وَالفَاشِرِ وَغَيْرِهَا مِنْ مَنَاطِقِ السُّودَان، لَا تَنْتَمِي إِلَى حَمْدَان وَلَا إِلَى بُرْهَان، بَلْ إِلَى ضَحَايَا لَهُمْ أَسْمَاءٌ وَعَائِلَاتٌ وَحُلْمٌ بِحَيَاةٍ آمِنَةٍ. وَمَا لَمْ تُكْسَرْ حَلْقَةُ الإِفْلَاتِ مِنَ العِقَابِ، فَإِنَّ كُلَّ مَجْزَرَةٍ سَتَكُونُ مُقَدِّمَةً لِمَجْزَرَةٍ أُخْرَى. إِنَّ العَدَالَةَ لَيْسَتْ انْتِقَامًا، وَلَا أَدَاةً لِتَصْفِيَةِ الحِسَابَاتِ السِّيَاسِيَّةِ، بَلْ هِيَ الشَّرْطُ الأَسَاسِيُّ لِسَلَامٍ حَقِيقِيٍّ وَدَوْلَةِ قَانُونٍ تَحْتَرِمُ كَرَامَةَ الإِنْسَان. وَفِي السُّودَانِ اليَوْمَ، تَبْدُو هَذِهِ الحَقِيقَةُ أَكْثَرَ إِلْحَاحًا مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.
,,,,,
|
|