حرب المهانة …. وذل الجوع كتبه يوسف عمر بشير

حرب المهانة …. وذل الجوع كتبه يوسف عمر بشير


06-01-2026, 11:39 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780310369&rn=0


Post: #1
Title: حرب المهانة …. وذل الجوع كتبه يوسف عمر بشير
Author: يوسف عمر بشير
Date: 06-01-2026, 11:39 AM

11:39 AM June, 01 2026

سودانيز اون لاين
يوسف عمر بشير-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



صراع بين “جلابي مهمَّش” و”غرّابي مُطرطش”

بقلم/ يوسف عمر بشير

عندما يُختزل الصراع السياسي في السودان في ثنائية سطحية بين “المركز والهامش”، ويتحوّل الخطاب العام في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام السياسي إلى مجرد تبادل للاتهامات بين مكوّنات اجتماعية مسحوقة أصلاً، فإن جوهر الأزمة السودانية يصبح أكثر ضبابية، وتبتعد الأنظار عن الفاعل الحقيقي الذي صنع هذا الواقع وأدار تناقضاته لعقود طويلة.
فالمفارقة المؤلمة تكمن في أن الجدل الدائر اليوم أصبح بين “جلابي مهمَّش”، محروم من أبسط حقوق المواطنة من صحة وتعليم وكهرباء ومياه وطرق وتنمية، وبين “غرّابي مُطرطش” يبحث ــ بوعي أو بغير وعي ــ عن الاعتراف بالانتماء والكرامة من ذلك الجلابي نفسه، رغم أنه بدوره ضحية للمنظومة ذاتها.
وبدلاً من أن يتحالف الطرفان في مواجهة أسباب التهميش والاستبداد، جرى تصوير الجلابي باعتباره المسؤول المباشر عن كل المآسي، وصانع المعاناة، وسارق الحقوق المدنية، بينما الحقيقة أن كثيراً من هؤلاء أنفسهم كانوا، وما يزالون، ضحايا لهيكل سلطوي مركزي احتكر السلطة والثروة والنفوذ باسم الجميع، دون أن يمنحهم شيئاً يُذكر.
وهكذا صُنِع من الضحية جلادٌ متخيَّل، وأصبح كل طرف يُلقي باللائمة على الآخر في عملية دفاع نفسي تهدف إلى تجنّب الشعور بالذنب أو الاعتراف بالأخطاء. كما جرى توجيه الغضب الشعبي نحو خصوم وهميين، بينما ظل الفاعل الحقيقي بمنأى عن المساءلة. فاصطفّ بعض المظلومين من حيث لا يشعرون إلى جانب أدوات القهر ذاتها، وخسروا حلفاء طبيعيين كان يمكن أن يشكّلوا معهم جبهة وطنية واسعة في مواجهة الظلم والتهميش.
إن ما يحدث اليوم ليس صراعاً عفوياً، بل هو في كثير من جوانبه، نتاج إدارة سياسية واعية للأزمات، تستخدم أدوات الدولة العميقة لإعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية والجهوية والقبلية، عبر تفتيت الوجدان السوداني وإشغال الناس بصراعات الهوية والانتماء، بدلاً من توحيدهم حول قضايا الحقوق والتنمية والعدالة.
وتعتمد هذه الآليات على مخاطبة التحيزات النفسية والجهوية، وإيهام بعض المجموعات بأنها مُمكَّنة أو مفضَّلة عرقياً أو قبلياً، لا حباً فيها أو إيماناً بها، وإنما كوسيلة لإضعاف وحدة المجتمع ومنع تشكّل إرادة وطنية جامعة قادرة على مقاومة الاستبداد والفساد والتهميش.
فالغاية النهائية للدولة العميقة، التي تتحكم في مفاصل الدولة السودانية بمنطق “الدولة الغنيمة” لا “الدولة الوطن”، ليست انتصار هوية على أخرى، ولا عِرق على آخر، بل إبقاء المجتمع السوداني منقسماً على ذاته، ومنشغلاً بصراعاته الداخلية، حتى تستمر منظومات النفوذ في السيطرة على الدولة والثروة والقرار السياسي.
فالدولة العميقة، في جوهرها، تمثل طبقة برجوازية طفيلية تتحكم في القرار السياسي للدولة، وتتحالف معها مجموعات من الأسر والبيوتات المرتبطة بالمصالح الخارجية، إلى جانب كارتيلات اقتصادية وأمنية؛ وهي تحالفات غير مشروعة تضم أفراداً وشركات وأجهزة عسكرية وأمنية تسعى إلى السيطرة على الاقتصاد والموارد لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب الدولة والمواطن، وذلك منذ خروج المستعمر الإنجليزي وحتى يومنا هذا.
إن السودان لن ينهض عبر تعميق الانقسامات أو تبادل الاتهامات بين ضحايا التهميش، وإنما عبر بناء مشروع وطني جامع يقوم على المواطنة المتساوية، ودولة مدنية حديثة تُدار بسيادة القانون والعدالة والحرية والشفافية، وتضع التنمية المستدامة وكرامة الإنسان السوداني في مقدمة أولوياتها.
وحينها فقط ستسقط جدران الدولة العميقة المتصدعة، تلك التي لم تُؤسَّس على مبادئ وطنية، ولا على قيم العدالة الاجتماعية أو التنمية الاقتصادية المستدامة، بل ارتكزت على ساق العنصرية البغيضة، ووقفت على أقدام الفساد والاستبداد، وارتوت من عرق المزارعين والكادحين وطبقة العمال البسطاء.

يوسف عمر بشير
الدوحة، قطر