Post: #1
Title: أرض الحرمين.. حجر وبشر ونقاء سريرة كتبه عواطف عبداللطيف
Author: عواطف عبداللطيف
Date: 05-31-2026, 04:22 PM
04:22 PM May, 31 2026 سودانيز اون لاين عواطف عبداللطيف-قطر مكتبتى رابط مختصر
حين تتجه الأرواح وتغادر الاجساد نحو الحرمين الشريفين، لا تكون الرحلة مجرد انتقال من مكان لآخر، بل هي وهج روحاني لأعماق الوجدان، وعودة لمنابع الإيمان فكل مسلم يحمل في قلبه شوقًا دفينًا إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث تهفو النفوس إلى الكعبة المشرفة، ويتطلع البصر إلى الحجر الأسود، وتستكين الروح في رحاب المسجد النبوي الشريف.
وفي أواخر شهر أبريل 2026، منّ الله علينا بأداء العمرة في رحلة برية انطلقت من الرياض لمكة المكرمة ثم المدينة المنورة. وكانت فرصة فريدة للتأمل في التحولات الجوهرية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، ليس فقط في عمرانها الحديث، بل في قدرتها على الجمع بين أصالة التاريخ وطموح المستقبل.
على امتداد الطريق، كانت الجبال الشامخة والرمال والنخيل والعرجون تروي قصة الأرض التي عبرتها قوافل التجارة وسلكتها رحلة الشتاء والصيف، وعبرتها قوافل الحجاج والعلماء والدعاة والتجار. وبينما كانت الحافلة تشق طريقها وسط شبكة حديثة من الطرق السريعة والجسور العملاقة، وجدت نفسي أقارن بين مشهد اليوم ومشاهد الأمس التي حفظتها كتب التاريخ الإسلامي.
لقد تحولت المملكة خلال العقود الأخيرة إلى ورشة تنموية كبرى، تطبيقا لرؤية طموحة لخادم الحرمين جعلت من البنية التحتية والنقل والخدمات نموذجًا عالميًا. فشبكات النقل الحديثة ، والتوسعات الضخمة في الحرمين الشريفين، جميعها تعكس حجم الجهد المبذول لخدمة ملايين الحجاج والمعتمرين الذين يفدون من مختلف أنحاء العالم.
ومع ذلك، تبقى عظمة الخالق سبحانه وتعالى حاضرة في كل مشهد؛ فالجبال التي احتضنت بدايات الدعوة الإسلامية، والوديان التي شهدت خطوات الأنبياء والصالحين، تمنح الزائر إحساسًا بأن التاريخ لا يزال حيًا بين ثنايا الوديان .
وتعود بي الذاكرة إلى أول رحلة حج رفقة والدتي آمنة بت كانور طيب الله ثراها كانت مكة آنذاك أقرب إلى بساطة الماضي وهدوئه. أقمنا في منزل متواضع من الطين، سقفه من الجريد، وافترشنا البروش ، لكننا كنا نشعر أننا نملك الدنيا لقربنا من بيت الله . كانت البساطة جزءًا من جمال التجربة، كما أن التطور اليوم أصبح جزءًا من جمالها ألفاتن.
أكثر ما لفت انتباهي ليس الأبراج الشاهقة ولا الإضاءات الوهاجة ولا المسارات المنظمة بل الإنسان السعودي فقد رأيت في رجال الأمن والشرطة والعاملين في خدمة الحرمين صورة مشرقة بشاشة في الوجوه، وصبرًا في التعامل، وحرصًا على راحة الزوار، مهما اختلفت جنسياتهم وثقافاتهم ولهجاتهم .
إن خدمة زوار الحرمين ليست مجرد وظيفة، بل رسالة إنسانية وحضارية عظيمة، تتجسد يوميًا في جهود آلاف الرجال والنساء الذين يعملون على مدار الساعة لتوفير الأمن والراحة لملايين الزائرين.
وفي مطار الرياض، قبيل مغادرتي إلى الدوحة، استوقفتني لوحة كبيرة لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ،
وعندما سألت موظفًا سعوديًا شابًا ان كان مسموحا التقاط صورة تذكارية بجوار اللوحة، هب واقفا وأجابني " أبشري " هذا شرف لنا”، وبادر بنفسه بالتقاط الصورة. كانت لحظة بسيطة في ظاهرها، لكنها جسدت لي معنى كبيرًا؛ فكرم الشعوب لا يقاس بالمواقف الكبرى ، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تترك أثرًا عميقًا في النفوس.
ولعل ما يميز المملكة العربية السعودية اليوم أنها نجحت في أن تجعل من خدمة ضيوف الرحمن مشروعًا حضاريًا متكاملًا، يجمع بين التطور العمراني والتقني من جهة، والمحافظة على قيم الكرم والتسامح وحسن الضيافة من جهة أخرى.
وبينما كانت الطائرة تحلق مبتعدة عن أرض الحرمين، بقي في القلب يقين بأن هذه البلاد المباركة ستظل قبلة للمسلمين، ومهوى أفئدتهم، وأن ما يُبذل فيها من جهود هو عمل جليل سيبقى شاهدًا على مرحلة تاريخية استثنائية في مسيرة العالم الإسلامي.
حفظ الله بلاد الحرمين الشريفين، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجزاها خير الجزاء على ما تقدمه لضيوف الرحمن من عناية ورعاية وكرم ضيافة وابتسامة تدخل الطمأنينة للقلوب في تجلياتها وستظل قلوبا متعلقة بالارض الطاهرة .
عواطف عبداللطيف
Awatifderar1@gmail.com
|
|