Post: #1
Title: الوليد مادبو ومرآة التناقض.. طائفيةٌ مذمومةٌ في صمود، مسكوتٌ عنها في تأسيس! كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 05-30-2026, 11:11 PM
11:11 PM May, 30 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
عندما يتصدى الكاتب أو المثقف للقضايا المصيرية الكبرى لشعبه، فإن أول ما يُنتظر منه هو اتساق المبدأ وشجاعة الموقف، فالمثقف في جوهره، هو بوصلة المجتمع في أزمنة التيه والاضطراب، ولكن، حينما تتحول هذه البوصلة إلى مجرد أداة لتبرير التناقضات، وحينما يُطوّع القلم لخدمة أجندات سياسية تتسم بالازدواجية الفجة، فإننا نكون أمام حالة من السكيزوفرينيا السياسية التي تستوجب التشريح والمساءلة النقدية الصارمة، وهذا بالضبط ما يجسده المقال الأخير للدكتور الوليد آدم مادبو، المعنون بإعلان نيروبي (لحظة انكشاف الطائفية السودانية)، والذي جاء على خلفية اعتراض حزب الأمة على مبدأ العلمانية في إعلان المبادئ بنيروبي في السابع وعشرون من مايو 2026. إن القراءة المتأنية العميقة لمقال الدكتور مادبو، لا تكشف عن انكشاف الطائفية السودانية كما يزعم العنوان العريض، بل تكشف، وبشكل صارخ لا لبس فيه، عن انكشاف عورات النخبة السودانية، وتفضح حالة التناقض المريع التي يعيشها الكاتب نفسه، فالمقال يفيض بالتنظير الأنيق حول الحداثة، ومفاهيم المواطنة، والانتقاد اللاذع للبنى الأبوية والطائفية التي تستثمر المقدس لتثبيت النفوذ، لكنه في الوقت ذاته، يتعامى تماما وبشكل يثير الشفقة عن موقفه الشخصي الداعم والمؤيد لتحالف تأسيس، وهو التحالف الذي يجمع بين طياته كل المتناقضات والتشوهات التي يهاجمها مادبو بشراسة في مقاله. يشن الدكتور مادبو هجوما قاسيا على حزب الأمة والطائفة الأنصارية، واصفا إياهم بالارتباك العميق، ومتهماً البنية التقليدية بأنها ترى في الدولة امتداداً للزعامة الروحية. تبدو هذه الكلمات براقة وتشخيصا عميقا في ظاهره، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ويهدم هذا البنيان التنظيري من أساسه هو، أين كان هذا الوعي النقدي الحاد عندما بارك الدكتور مادبو ودعم تحالف تأسيس؟ إن هذا التحالف الذي أنشأته ميليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، يضم في عضويته الأساسية ذات حزب الأمة بزعامة فضل الله برمة ناصر الذي يهاجمه مادبو اليوم، ويضم كذلك الحزب الاتحادي الديمقراطي، وكلا الحزبين قاما على أساس تاريخي طائفي وديني واضح يرتكز على الأنصار والختمية، فكيف يستقيم في عقل أي مفكر يحترم قلمه، ويحترم عقول قرائه، أن يهاجم الطائفية حينما تعترض على مبدأ العلمانية في نيروبي مع تحالف صمود، بينما يصمت صمت القبور، بل ويطبل لوجود ذات الأحزاب الطائفية عندما تتحالف مع ميليشيا مسلحة في مشروع سياسي يخدم توجهاً آخر؟ هل أصبحت الطائفية رجعية ومستثمرة للمقدس فقط عندما ترفض العلمانية مع تحالف صمود الحمدوكي، وتُصبح فجأة قوى ديمقراطية ووطنية حداثية عندما تنضوي تحت لواء تحالف تأسيس الذي ترعاه ميليشيا الدعم السريع؟ إنها ازدواجية المعايير في أبشع صورها، والكيل بمكيالين الذي يفقد الكاتب أي مصداقية أخلاقية أو فكرية، ويحيل مقالته إلى مجرد تصفية حسابات سياسية مغلفة بغلاف الحداثة. يتحدث الدكتور مادبو بنبرة الواعظ السياسي، قائلا إن الدولة الحديثة لا تُبنى على البيعة الروحية ولا على العصبية الطائفية، وإنما على فكرة المواطن الحر، وهو كلام لا يختلف عليه اثنان من دعاة التنوير والدولة المدنية، ولكن المفارقة المؤلمة تكمن في التطبيق العملي لهذه الشعارات، فهل تُبنى الدولة الحديثة حقاً على العصبية القبلية والبندقية الميليشياوية؟ كيف يجرؤ كاتب يدعو إلى دولة تقوم على المواطنة لا على الشرعية الرمزية، على دعم تحالف سياسي تقوده قوات الدعم السريع، وهي قوات قامت في أساسها وتركيبتها على عصبية جهوية وقبلية صريحة، ولا تمت لمفهوم المؤسسية العسكرية بصلة؟ أليس من المضحك المبكي أن ينظّر مادبو عن تحرير الدولة من الوصاية العقائدية، بينما يغض الطرف تماماً عن ارتهان العمل السياسي في تحالف تأسيس لوصاية السلاح وسطوة الميليشيا؟ إن هذا التحالف الذي يستميت الكاتب في الدفاع عنه أو التغاضي عن مثالبه، يضم في صفوفه كل المتناقضات الممكنة من أحزاب طائفية، وقوى ذات جذور إسلامية، وحركات جهوية وقبلية. إنه مجرد تكتيك سياسي بُني على المصالح والتقاطعات الآنية، ولا يحمل في جوهره أي مشروع حقيقي للحداثة أو المواطنة التي يتشدق بها الكاتب، وكان الأجدر بالدكتور الوليد أن يخجل من نفسه وهو يوجه سهام نقده الانتقائي، وأن يكتب بدلا من ذلك عن لحظة انكشاف تحالف تأسيس الذي يجمع النقيضين، وهما، الميليشيا القبلية والطائفية الدينية في سلة واحدة. إن حالة الدكتور الوليد آدم مادبو ليست سوى تجسيد مأساوي للمعضلة الكبرى التي يعاني منها المشهد السوداني، وهي معضلة النخبة السياسية والمثقفين الذين لا يثبتون على موقف مبدئي واحد. إنهم بارعون جداً في تشخيص الداء واستخدام المصطلحات الرنانة، لكنهم أول من يتناول السم إذا كان في ذلك مصلحة سياسية أو تماهياً مع تحالف مرحلي. معظم هؤلاء السياسيين الذين يقدمون أنفسهم كمنظرين وحماة للديمقراطية يعانون من هذا التلون الحربائي، فهم مع الحداثة والعلمانية في المنابر الدولية وورش العمل الخارجية، ولكنهم مع الطائفية والميليشيات والزعامات التقليدية في الغرف المغلقة وتحالفات الأمر الواقع في الداخل. إنهم يمارسون النقد بعين واحدة، تُفتح نيران النقد على الخصوم بلا هوادة، وتُغمض الأعين عن نفس الممارسات أو أسوأ منها إذا صدرت من الحلفاء السياسيين. يزعم الكاتب في مقاله أن طبيعة الوعي السوداني قد تبدلت، وأن الجيل الجديد لم يعد يقبل بفكرة الزعيم الملهم، وأن العالم لا يُدار بالبركة والرمزية الطائفية، وهذا تشخيص دقيق لواقع الشباب السوداني الذي دفع دماءه الزكية ثمنا لدولة المواطنة والمؤسسات، ولكن التوظيف الفاسد لهذا التشخيص هو المشكلة، فهل هذا الجيل الواعي، الذي يرفض الانصياع للزعيم الطائفي، سيقبل بالانصياع لزعيم ميليشيا كبديل حداثي، هل خروج السودانيين من عباءة البركة والمقدس كان، لكي يدخلوا صاغرين في عباءة البندقية والقبيلة؟ إن محاولة مادبو توظيف تطلعات الجيل الجديد وحلمه بالدولة المدنية الديمقراطية لتمرير أجندة سياسية ضيقة، هي محاولة بائسة ومكشوفة. الجيل الذي يطالب بدولة المواطنة والمساواة، يطالب قبل كل شيء باحتكار الدولة للعنف وبناء جيش وطني مهني واحد خاضع للسلطة المدنية، ولا يمكن لمن يدعم تحالفا أسسته ميليشيا مسلحة أن يتحدث باسم وعي الجيل الجديد أو يدعي تمثيل تطلعاته في الحداثة والانعتاق. يصل الكاتب إلى ذروة التناقض حين يعتبر أن اعتراض حزب الأمة على العلمانية، هو استثمار للمقدس في مساحة السياسة، ونحن بدورنا نسأله، ألا يستثمر تحالف تأسيس، الذي يؤيد الكاتب، وجود حزب الأمة كرمزية للأنصار، ووجود الاتحادي الديمقراطي كرمزية للختمية، لتلميع وجه الميليشيا وإضفاء شرعية سياسية واجتماعية على مشروعها المأزوم؟ لماذا يُعد موقف حزب الأمة في نيروبي مع تحالف صمود، استثمارا للمقدس يستوجب الرجم، بينما يُعد تحالفه مع الدعم السريع عملا سياسيا مشروعا وبناءا وطنيا، لا يستحق من قلم الكاتب مجرد التوقف عنده بالانتقاد أو المراجعة؟ في ختام مقاله، يطالب الدكتور مادبو بنخبة جديدة تمتلك شجاعة القطيعة مع البنى التقليدية، وتؤمن بأن الدولة الحديثة ليست امتدادا للطائفة، بل عقدا اجتماعيا بين مواطنين متساوين، ونحن نرد عليه بوضوح بالغ، وهو إن السودان اليوم بحاجة ماسة ومُلحة إلى نخبة تمتلك شجاعة القطيعة مع النفاق السياسي والازدواجية، قبل القطيعة مع البنى التقليدية. نحن بحاجة إلى كُتّاب ومثقفين، يحترمون أقلامهم ولا يفصلون مقالاتهم ومواقفهم على مقاس التحالفات المشبوهة أو المصالح العابرة. إن القطيعة الحقيقية نحو الحداثة، تبدأ عندما يقف المثقف على مسافة نقدية واحدة من كل التشوهات في المشهد السياسي السوداني. أن تنتقد طائفية حزب الأمة فهذا حقك ومسؤوليتك إذا كنت تنشد دولة المؤسسات والقانون، ولكن أن تنتقدها فقط عندما تعارض مبدأ العلمانية في تحالف صمود، وتتغاضى عنها تماماً عندما تمنح الشرعية لتحالف ميليشيا الدعم السريع، فهذا يخرج من دائرة النقد الفكري ليدخل في دائرة الابتزاز السياسي والتوظيف الرخيص للمفاهيم. لن يخرج السودان من أزمته التاريخية الخانقة بإعادة تدوير الرموز القديمة أو الهياكل المتداعية، ولن يخرج منها أبداً بإعادة تدوير المثقفين والسياسيين الذين يعانون من ازدواجية المعايير ولا يثبتون على مبدأ. إن بناء المشروع الوطني الجديد لا ولن يتم على أيدي من يدينون الطائفية بحبر مقال في الصباح، ليتحالفوا معها ومع حاملي السلاح في المساء، وعلى أمثال الدكتور الوليد آدم مادبو أن يراجعوا مواقفهم بشفافية وأن يتخلصوا من هذا التناقض الفج، قبل أن ينصّبوا أنفسهم قضاة على منصة الحداثة والتنوير، ففاقد الاتساق لا يمكن أن يمنح الأمة بوصلة الخلاص.
|
|