Post: #1
Title: لماذا تفشل التسويات السودانية دائمًا؟ كتبه مها الهادي طبيق
Author: مها الهادي طبيق
Date: 05-30-2026, 03:48 PM
03:48 PM May, 30 2026 سودانيز اون لاين مها الهادي طبيق-Sudan مكتبتى رابط مختصر
الخطأ الذي يتكرر منذ الاستقلال في جوهرها، هو ليس أزمة حربٍ أهلية فحسب، ولا أزمة انتقالٍ ديمقراطي متعثر، ولا حتى أزمة نخب سياسية متصارعة على السلطة. هذه كلها مظاهر لأزمة أعمق ظلّ العقل السياسي السوداني يعجز عن مواجهتها بوضوح منذ الاستقلال: أزمة تأسيس الدولة نفسها.
من هنا، فإن معظم المقاربات السياسية التي طُرحت خلال العقود الماضية—سواء عبر الاتفاقيات، أو المبادرات، أو الوثائق الانتقالية—وقعت في الخطأ ذاته: تعاملت مع نتائج الأزمة، لا مع بنيتها المنتجة لها. ولهذا الفشل في التجربة السودانية كان نتيجة منطقية لطبيعة المقاربة نفسها ،وفي هذا السياق، تبدو الوثائق السياسية الجديدة، بما فيها إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد (2025) والبيان الختامي لاجتماع نيروبي (2026)، امتدادًا لنفس المنهج التقليدي، حتى عندما تستخدم لغة جديدة أو شعارات أكثر حداثة. فالإشكال لا يكمن في النوايا، بل في تعريف الأزمة ذاتها: هل المشكلة في الحرب؟ أم في الدولة التي تُنتج الحرب بصورة مستمرة ؟ هذا السؤال ليس نظريًا، بل هو السؤال المركزي الذي يحدد طبيعة الحل نفسه.
السودان دولة لم تُحسم طبيعتها أصلًا منذ 1956، ولم ينجح السودان في بناء توافق تاريخي حول، هوية الدولة، وطبيعة السلطة، وعلاقة الدين بالسياسة، وتوزيع الثروة،وتعريف المواطنة، وشكل المركز والهامش، ومن يملك حق تمثيل “السوداني الحقيقي”..وبالتالي، فإن ما سُمّي “الدولة الوطنية” بعد الاستقلال لم يكن دولة وطنية مكتملة، ولكن امتدادًا لبنية استعمارية أعيد تسليمها إلى نخبة مركزية احتكرت السلطة، والثروة، والرمزية الثقافية، وحق تعريف الهوية الوطنية. أن الأزمة السودانية لم تبدأ بالحرب، وإنما بدأت منذ لحظة تأسيس الدولة الحديثة نفسها. الحرب جاءت لاحقًا بوصفها النتيجة الطبيعية لعجز الدولة عن استيعاب تعدد السودان البنيوي. ولهذا فإن اختزال الأزمة في الحرب وحدها يُنتج قراءة مقلوبة ، فالحرب ليست أصل الأزمة، بل أحد أعراضها الأكثر عنفًا.
كيف أعادت الدولة السودانية إنتاج الحرب؟ المشكلة الأساسية في الدولة السودانية في طبيعة البناء نفسه. فالدولة تشكلت تاريخيًا على أربعة احتكارات مركزية ، احتكار الهوية حيث جرى تقديم هوية ثقافية محددة باعتبارها التعبير الرسمي عن السودان ، عربيًا، إسلاميًا، مركزيًا. بينما جرى التعامل مع بقية الهويات بوصفها هامشًا ثقافيًا، أو مشكلة اندماج، أو تهديدًا للوحدة الوطنية. وبذلك تحولت الهوية من فضاءٍ جامع إلى أداة سلطة. أضف إلي ذلك احتكار السلطة حيث تركّز القرار السياسي والإداري والعسكري داخل المركز، بينما تحولت الأطراف إلى خزانات بشرية للحرب، ومناطق استخراج اقتصادي، وهوامش بلا تمثيل حقيقي. ولذلك لم تكن الحروب الأهلية انفجارًا طارئًا، بل ردّ فعل تاريخيًا على مركزية الدولة.
كذلك احتكار العنف حيث ظل الجيش السوداني، في بنيته التاريخية، أقرب إلى: أداة لحماية الدولة المركزية، لا مؤسسة وطنية محايدة تمثل جميع السودانيين بالتساوي. ومن هنا، فإن عسكرة السياسة لم تكن انحرافًا عن الدولة، بل جزءًا من آلية عملها. أضف إلي ذلك احتكار تعريف الوطنية حيث كل احتجاج جذري ضد بنية الدولة كان يُقدَّم غالبًا باعتباره تمردًا، أو تهديدًا للوحدة، أو مشروعًا انفصاليًا، بدل التعامل معه بوصفه تعبيرًا عن خلل تأسيسي داخل الدولة نفسها. وهكذا جرى تجريم الأسئلة البنيوية، بينما فُتحت المساحة فقط للأسئلة الإجرائية.
لماذا تفشل التسويات دائمًا؟ كل التسويات السودانية الكبرى تقريبًا انطلقت من فرضية واحدة هي أن المشكلة الأساسية هي الصراع بين الفاعلين السياسيين ، ولهذا ركزت على اقتسام السلطة، والترتيبات الأمنية، ووقف إطلاق النار، والفترات الانتقالية، وإعادة دمج النخب. لكنها لم تُجب على الأسئلة الأعمق ، ما طبيعة الدولة أصلًا؟ من يملك تعريف الهوية الوطنية؟ وكيف تُوزع السلطة والثروة؟ وهل الدولة محايدة تجاه الدين والثقافات؟ ما شكل العلاقة بين المركز والأقاليم؟ لهذا كانت كل تسوية تحمل داخلها بذور انهيارها منذ البداية. فهي لا تُنهي الأزمة، بل تُعيد إدارتها بلغة جديدة.
هنا يظهر الفرق الجوهري بين مشروعين مختلفين تمامًا ، مشروع إدارة الأزمة وهو المشروع الذي يقوم على وقف الحرب، وبناء توافق مرحلي وإعادة توزيع السلطة بين النخب، وإنتاج انتقال سياسي جديد. هذا النموذج قد يخفف العنف مؤقتًا، لكنه لا يغيّر البنية التي أنتجته. ولذلك يظل السلام فيه هشًا وقابلًا للانفجار. إن مشروع إعادة التأسيس ينطلق من فرضية مختلفة لأن السلام الحقيقي نتيجة لتحول بنيوي داخل الدولة نفسها ، أي أن السلام لا يتحقق فقط عبر إسكات البنادق، ولكن عبر تفكيك احتكار الهوية، وإعادة توزيع السلطة، وبناء مواطنة متساوية، وفصل الدين عن جهاز الدولة، وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والهامش.هنا يصبح السلام نتيجة عدالة.
المشكلة لا تقتصر على السلطة التقليدية وحدها، بل تمتد أيضًا إلى جزء كبير من المعارضة والحركات المسلحة. فالكثير من هذه القوى يبدأ بخطاب جذري أثناء الحرب، ثم ينتقل تدريجيًا—عند الاقتراب من التسوية—إلى خطاب إصلاحي منخفض السقف. وهنا يحدث التحول الأخطر من مشروع تغيير الدولة، إلى مشروع المشاركة داخلها. ومن ثم يتحول الصراع من صراع حول بنية الدولة، إلى صراع حول مواقع داخل نفس البنية القديمة. وهذا ما يفسر كيف تُنتج التسويات غالبًا نخبًا جديدة، لكن داخل نفس الدولة القديمة.
لماذا لا يكفي وقف الحرب؟ لأن وقف الحرب، في الحالة السودانية، لا يعني بالضرورة بناء السلام ، فالدولة التي تحتكر الهوية، وتحتكر السلطة، وتحتكر العنف، وتفشل في الاعتراف بالتعدد البنيوي، ستعيد إنتاج الحرب حتى بعد أطول اتفاق سياسي. ولهذا فإن أي مشروع سياسي لا يطرح بوضوح علمانية الدولة، وفيدرالية حقيقية، ومواطنة متساوية، وعدالة تاريخية في توزيع السلطة والثروة، سيظل مشروعًا لإدارة الانهيار، لا مشروعًا لبناء وطن جديد.
أخيرًا: السؤال الذي يهرب منه الجميع ، ربما لم تعد القضية الأساسية في السودان كيف نوقف الحرب؟ ولكن أي دولة نريد أصلًا؟ لأن الحرب ليست سوى المرآة الأكثر دموية لأزمة أقدم: أزمة دولة لم تستطع، منذ الاستقلال، أن تتحول إلى وطنٍ يتسع لجميع مواطنيه ، بالتساوي. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو إعادة إنتاج الوهم القديم ، إمكانية بناء سلام دائم دون إعادة تأسيس الدولة نفسها. فالدول تنهار بسبب العجز التاريخي عن تعريف العدالة، والهوية، والمواطنة، ومن يملك الحق في الوطن.
مها الهادي طبيق 30 مايو 2026
|
|