البرهان في أكاذيبه.. القائد الكذّاب لا يهزم خصومه فقط بل يهزم دولته أيضا! كتبه عبدالغني بريش فيوف

البرهان في أكاذيبه.. القائد الكذّاب لا يهزم خصومه فقط بل يهزم دولته أيضا! كتبه عبدالغني بريش فيوف


05-30-2026, 00:06 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780095987&rn=0


Post: #1
Title: البرهان في أكاذيبه.. القائد الكذّاب لا يهزم خصومه فقط بل يهزم دولته أيضا! كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 05-30-2026, 00:06 AM

00:06 AM May, 29 2026

سودانيز اون لاين
عبدالغني بريش فيوف -USA
مكتبتى
رابط مختصر





أخطر ما يمكن أن تُبتلى به دولة ممزقة بالحرب، ليس فقط ضعف مؤسساتها أو تدهور اقتصادها أو تفكك نسيجها الاجتماعي، بل أن يقف على رأس مشهدها قائد لا يصارح شعبه بالحقيقة، فالقائد الذي يراوغ في زمن السلم قد يربك السياسة، أما القائد الذي يراوغ في زمن الحرب فإنه يجرّ الجنود والمواطنين والبلاد كلها إلى هاوية أعمق.
الكذب في الحروب ليس تفصيلا عابرا، ولا مجرد مناورة خطابية، بل هو سلاح داخلي يفتك بالثقة، ويشوّه الوعي، ويحوّل المأساة الوطنية إلى مسرح من الشعارات المتناقضة.
القائد الكذّاب لا يضلل خصومه وحدهم، بل يضلل أقرب الناس إليه، يضلل الجندي الذي يقاتل وهو لا يعرف حقيقة التحالفات التي تحيط به، ويضلل المواطن الذي يطلب الأمن فيجد نفسه بين أكثر من بندقية، ويضلل الدولة ذاتها حين يجعلها تتحدث باسم القانون بينما تتحرك على الأرض بمنطق الضرورة والميليشيا والاستنفار غير المنضبط، وفي النهاية، لا يدفع ثمن هذا الخداع القائد وحده، بل يدفعه الناس العاديون، والجنود البسطاء، والقرى المهدمة، والمدن المنهكة، والأسر التي لا تريد سوى نهاية لهذا النزيف الطويل.
من هنا تأتي خطورة تصريحات عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، حين يؤكد أن الجيش لن يسمح بعودة قوات الدعم السريع أو أي تشكيلات مسلحة موازية داخل السودان.
من حيث المبدأ، لا يستطيع عاقل أن يختلف مع فكرة رفض الجيوش الموازية، لأن لا دولة تقوم على تعدد البنادق، ولا وطن يستقر بوجود قوات مسلحة خارج المؤسسة النظامية، ولا سيادة حقيقية في بلد تتوزع فيه القوة بين ولاءات عقائدية وقبلية ومناطقية وشخصية، لكن المشكلة ليست في الجملة ذاتها، بل في صاحبها، وفي التناقض الفاضح بين ما يقال في المنابر وما يحدث على الأرض.
فالبرهان يتحدث عن رفض التشكيلات المسلحة الموازية وكأن الحرب الدائرة تخوضها القوات المسلحة وحدها، وكأن الجيش السوداني يقاتل في فراغ نقي لا تحيط به مجموعات مسلحة ذات أسماء وشعارات وهويات واضحة.
يتحدث وكأن الناس لا يرون، ولا يسمعون، ولا يعرفون من يقاتل إلى جانب الجيش في مواقع متعددة، وهنا ينهض السؤال البديهي الذي لا يستطيع خطاب رسمي أن يدفنه، وهو، أليست البراؤون مليشيا، أليس درع أبوعاقلة مليشيا، أليست كتائب الكاهن ميليشيا، وغيرها من التشكيلات الصغيرة ذات الخلفيات الإسلامية أو المناطقية، مليشيات أيضاً؟
وإذا كانت ليست مليشيات، فبأي تعريف قانوني أو عسكري أو سياسي يمكن تصنيفها؟
لا تكمن المشكلة في الاسم وحده، بل في الطبيعة، فكل قوة تحمل السلاح خارج بناء مؤسسي واضح، وتتحرك بهوية خاصة، وتستند إلى تعبئة أيديولوجية أو قبلية أو مناطقية، وتكتسب شرعيتها من الحرب لا من القانون، هي قوة موازية، مهما حاول البعض تجميل صورتها.
قد تُسمى مستنفرين، وقد تُوصف بأنها قوات مساندة، وقد تُغلف بلغة الكرامة والدفاع عن الوطن، لكنها في جوهرها تبقى جزءاً من ظاهرة السلاح غير المنضبط التي مزقت السودان مرارا، فالفرق بين المليشيا والمليشيا لا يصنعه قربها أو بعدها من البرهان، ولا اتجاه بندقيتها في هذه اللحظة، بل علاقتها بالدولة والقانون والمحاسبة وسلسلة القيادة الرسمية، وهذا هو جوهر المأزق.
البرهان يرفض الدعم السريع لأنه يقاتله، لكنه يتغاضى عن المجموعات التي تقاتل معه، يدين السلاح الموازي عندما يكون في الجهة المقابلة، ويبرره عندما يصبح سندا عسكريا وسياسيا له، وهذه انتقائية لا تبني دولة، بل تؤسس لدورة جديدة من العنف، فالمبدأ الحقيقي لا يقبل التجزئة، إما أن تكون الدولة ضد كل المليشيات، أو أنها ليست ضد المليشيات أصلا، وإنما ضد خصومها فقط.
لقد كانت مأساة السودان الكبرى، في أحد أوجهها، نتيجة مباشرة للتساهل مع فكرة السلاح الموازي، جرى تصنيع قوى مسلحة خارج المؤسسة النظامية، ثم تمت رعايتها واستخدامها في الحروب الداخلية، ثم أُضفيت عليها شرعية سياسية وأمنية، ثم كبرت حتى صارت دولة داخل الدولة، وحين خرجت تلك القوى عن السيطرة، اكتشف الذين صنعوا الوحش أنهم لم يعودوا قادرين على حبسه.
هذه ليست حكاية قديمة يمكن دفنها في أرشيف السياسة السودانية، بل درس حاضر يجب أن يُقرأ جيدا، فمن يكرر صناعة المليشيات اليوم، ولو بأسماء مختلفة، إنما يزرع بذور انفجار الغد، ولذلك يبدو حديث البرهان عن عدم السماح بأي تشكيلات مسلحة موازية حديثاً ناقصا، بل مضللا، ما لم يشمل كل الذين يحملون السلاح خارج الجيش، بلا استثناء.
لا معنى لأن يقال إن الدعم السريع لن يعود، بينما تُترك تشكيلات أخرى تكتسب شرعية ميدانية وتتوسع داخل الحرب، لا معنى لأن يُدان خطر المليشيا في دارفور أو الخرطوم، ثم يُغض الطرف عن مليشيات أخرى لأنها تحمل خطابا مواليا للقيادة العامة، فالدولة لا تُبنى على المزاج السياسي، ولا على الحاجة المؤقتة للمقاتلين، بل على قاعدة واحدة واضحة، وهي أن السلاح لا يكون إلا في يد مؤسسة وطنية واحدة، خاضعة للقانون والمحاسبة والسلطة الشرعية، والحقيقة التي يحاول الخطاب الرسمي تجاوزها أن الجيش، في هذه الحرب، لم يعتمد على نفسه وحده في كل المواقع.
لقد لعبت مجموعات مسلحة ومستنفرون وتشكيلات ذات طابع أيديولوجي ومناطقي دورا في المعارك إلى جانبه، وهذه الحقيقة لا يمكن مسحها ببيان عسكري أو خطاب معايدة، فإذا كان البرهان يتحدث عن استعادة مناطق في الجزيرة والخرطوم وغيرها، فعليه أن يقرّ بأن تلك العمليات لم تكن دائما عملا عسكريا نظاميا خالصا، لقد كانت هناك أطراف مسلحة حليفة، بعضها لا يخفي هويته ولا خطابه ولا مشروعه، وهنا تظهر خطورة ما بعد الحرب، فالمليشيا التي تقاتل اليوم باسم الضرورة لن تختفي غدا بمجرد انتهاء المعركة.
من يحمل السلاح ويشارك في القتال ويشعر أنه ساهم في تغيير موازين القوة، سيطالب لاحقا بنصيبه من السلطة والنفوذ والاعتراف، سيقول إنه ضحى، وإنه قاتل، وإنه حمى الدولة حين انهارت مؤسساتها، وعندها ستجد الدولة نفسها أمام ابتزاز جديد من قوى مسلحة جديدة.
هذا ما يحدث دائما عندما تُدار الحرب بمنطق التحالف مع السلاح غير النظامي، يبدأ الأمر بحجة الحاجة، وينتهي بشرعنة الفوضى.
إن البراؤون ودرع أبوعاقلة وكتائب الكاهن وغيرها من التشكيلات ليست مجرد تفصيل جانبي في الحرب، بل إنها اختبار حقيقي لصدقية خطاب البرهان، فإذا كان يؤمن فعلا بدولة بلا مليشيات، فعليه أن يعلن موقفاً واضحا من هذه القوى، لا أن يتحدث بلغة عامة عن رفض التشكيلات الموازية بينما تتكاثر التشكيلات الموالية تحت سمعه وبصره، فالصمت هنا ليس حيادا، بل اعتراف ضمني بأن المعيار ليس الدولة، وإنما الولاء، ولا يمكن فصل هذا كله عن البعد السياسي والأيديولوجي للحرب، فشعار حرب الكرامة صار واسعا إلى درجة أنه يستوعب داخله أطرافا متباينة جدا، من مواطنين يريدون حماية بيوتهم، إلى جنود يقاتلون ضمن واجبهم العسكري، إلى قوى سياسية وأيديولوجية ترى في الحرب فرصة للعودة إلى المشهد، وهنا تكمن الخطورة الأكبر، فحين تختبئ جماعات الإسلام السياسي أو المجموعات العقائدية المسلحة خلف شعار وطني عام، يصبح من الصعب التمييز بين معركة استعادة الدولة ومعركة إعادة تشكيل السلطة لمصلحة مشروع بعينه.
السودان لا يحتاج إلى استبدال مليشيا بمليشيا، ولا إلى الخروج من قبضة الدعم السريع للدخول في قبضة تشكيلات أخرى، مهما رفعت من شعارات براقة.
السودان يحتاج إلى جيش وطني مهني واحد، لا إلى جيوش صغيرة تدور حول الجيش وتزعم أنها تحميه، يحتاج إلى دولة قانون، لا إلى تحالفات بنادق، يحتاج إلى مصارحة، لا إلى خطابات تستعمل الحقيقة حين تناسبها وتدفنها حين تصبح محرجة.
إن البلدان لا تخرج من كوارثها بالكذب، لا يمكن ترميم دولة مهدمة بخطاب مزدوج، لا يمكن إقناع شعب منكوب بأن القيادة تعمل من أجل إنهاء ظاهرة المليشيات بينما هي تستعين عمليا بمليشيات أخرى.
الصراحة وحدها هي بداية العلاج، وعلى من يحكمون السودان أن يقولوا للناس بوضوح، من يحمل السلاح اليوم، تحت أي قانون، من يموله، من يأمره، ما حدود سلطته، ما مصيره بعد الحرب، هل سيُحلّ، هل سيُدمج، هل سيُحاسب إن ارتكب انتهاكات، وهل سيقبل بالعودة إلى الحياة المدنية حين تضع الحرب أوزارها؟
هذه الأسئلة ليست ترفا سياسيا، بل هي صلب مستقبل السودان، لأن الحرب لا تنتهي فقط بانسحاب قوة من مدينة أو دخول قوة إلى أخرى.
الحرب الحقيقية تنتهي حين تستعيد الدولة احتكارها المشروع للسلاح، وحين يخضع الجميع للقانون، وحين لا يستطيع أي قائد ميداني أو جماعة مسلحة أو تيار أيديولوجي أن يفرض إرادته على المجتمع بقوة البندقية.
أما إذا استمرت القيادة في توزيع الأوصاف حسب المصلحة، فستكون النتيجة كارثية، سيقال عن جماعة إنها مليشيا لأنها ضد الجيش، وعن أخرى إنها وطنية لأنها معه، سيُدان السلاح حين يهدد السلطة، ويُبارك حين يخدمها، وعندها لن تكون البلاد أمام مشروع دولة، بل أمام إعادة إنتاج للفوضى بوجوه جديدة وشعارات جديدة.
إن تصريح البرهان بأن الجيش لن يسمح بعودة الدعم السريع أو أي تشكيلات مسلحة موازية داخل السودان، يبدو في ظاهره، موقفا حاسما لصالح الدولة، لكنه في واقعه يظل ناقصا ومطعونا في صدقيته ما لم يمتد إلى كل التشكيلات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش، فالدولة لا تنتصر على المليشيا بمليشيا أخرى. ولا تُهزم الفوضى بتحالفات فوضوية. ولا تُبنى الكرامة الوطنية على إنكار الحقائق.
إذا كان البرهان جادا، فليقلها بلا مواربة، لا مكان للبراؤون كقوة مستقلة، ولا مكان لدرع أبوعاقلة كقوة مستقلة، ولا مكان لكتائب الكاهن الجهوية كقوة مستقلة، ولا مكان لأي تشكيل عقائدي أو قبلي أو مناطقي خارج القوات المسلحة، وليعلن أن كل من حمل السلاح خارج المؤسسة الرسمية سيخضع لمسار قانوني واضح، إما بالتسريح أو الدمج المنضبط أو المحاسبة، غير ذلك ليس سوى خطاب للاستهلاك، ومناورة سياسية، ومحاولة لتجميل واقع لا يمكن تجميله.
السودان لا يحتاج إلى قائد يرفض المليشيات في الخطب ويستخدمها في المعارك. يحتاج إلى قيادة تملك شجاعة الاعتراف بأن عسكرة السياسة هي أصل الكارثة، وأن تعدد البنادق هو الطريق الأقصر إلى تفكيك الدولة، وأن كل مليشيا، مهما كان شعارها، تحمل في داخلها مشروع صدام قادم مع الدولة والمجتمع.
ستظل معضلة البرهان أنه يتحدث عن دولة واحدة بينما يسمح، عملياً، بمنطق القوى المتعددة. يتحدث عن جيش واحد بينما تحيط بالجيش تشكيلات تبحث عن شرعية. يتحدث عن إنهاء التمرد بينما يفتح الباب أمام ولادة تمردات جديدة. وهذه ليست مفارقة بسيطة، بل أزمة قيادة ورؤية وصدق.
الكرامة الحقيقية لا تكون في رفع الشعارات، بل في قول الحقيقة، والحقيقة أن السودان لن يتعافى ما دامت المليشيا تُدان حين تكون خصما وتُكافأ حين تكون حليفا، والحقيقة أن أي قائد يريد إنهاء الحرب عليه أن يبدأ بإنهاء الكذب، لأن الدولة التي تكذب على شعبها لا تستطيع أن تنقذه، والسؤال الذي لا يستطيع البرهان الهروب منه سيبقى قائما، واضحا وقاسيا، وهو، إذا كنت ترفض المليشيات حقا، فلماذا تقاتل بها؟