مقهى تكة غياب الاستنارة لايحتاج برهان!!!! التشخيص بالنظر,,, كتبه الأمين مصطفى

مقهى تكة غياب الاستنارة لايحتاج برهان!!!! التشخيص بالنظر,,, كتبه الأمين مصطفى


05-29-2026, 11:23 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780050212&rn=0


Post: #1
Title: مقهى تكة غياب الاستنارة لايحتاج برهان!!!! التشخيص بالنظر,,, كتبه الأمين مصطفى
Author: الأمين مصطفى
Date: 05-29-2026, 11:23 AM

11:23 AM May, 29 2026

سودانيز اون لاين
الأمين مصطفى-السودان
مكتبتى
رابط مختصر




مقهى تكة غياب الاستنارة لايحتاج برهان!!!!
التشخيص بالنظر,,,
في قريتنا التي كانت تُعرف قديماً بقرية "الضو الحنين"، قبل أن تتحول إلى "القطاع المبرمج"، كان الناس يعرفون أوقاتهم على حسب الكهرباء، لا على حسب الشمس ولا القمر. فإذا أضاءت اللمبة عند المغرب قالوا: "الساعة سبعة"، وإذا انطفأت بعد العشاء قالوا: "أكيد الوزير اتكلم اليوم عن الترشيد".
وكان وزير كهرباء الانقلاب رجلاً قصيراً، ذا شاربين يشبهان جناحي خفاش مبتل، يخرج في التلفاز كل مساء مرتدياً بدلة زرقاء تلمع كأنها تعمل بالطاقة الشمسية، ويقول بصوت رخيم:
ـ "يا مواطنين... الترشيد واجب وطني."
ثم يبتسم ابتسامة من يملك مولداً خاصاً خلف الوزارة.
وكان أهل القرية قد دفعوا مقدماً ثمن الكهرباء حتى سنة القيامة. دفعوا بالفواتير، والجبايات، ورسوم العداد، ورسوم النظر إلى العداد، ورسوم صيانة الأسلاك التي لا تُرى، حتى إن عم عثمان قال مرة:
ـ "والله لو كانوا يبيعوا الهواء بعداد، كان ركبوه لينا من زمان."
لكن الشركة الانقلابية كانت شركة عجيبة. شركة لا تخسر أبداً، لأنها الشركة الوحيدة في الدنيا التي عندها عقد جزاف. تقبض المال كاملاً، ثم تسلّم الخدمة متى شاءت، أو لا تسلّمها أصلاً، وكأن الكهرباء وعد زواج في الريح، ليس له تاريخ محدد.
أما مدير الشركة فكان رجلاً سميناً، يحمل مسبحة طويلة كأنها حبل نجاة، ويكثر من قول "سبحان الله" بعد كل زيادة تعرفة. وكان يسافر كل عام إلى العمرة على نفقة "الجهود الذاتية"، ويعود بلحية أقصر مما ذهب بها، لكن بسيارة أطول.
وكان يقول للناس في الاجتماعات:
ـ "الصبر جميل يا إخوان."
فيجيبه الحاج بخيت:
ـ "جميل عليك إنت... لأن المكيف شغال."
لكن أعجب ما في الأمر، أن الشركة كانت تعالج الأعطال بالتشخيص بالنظر.
نعم، بالنظر فقط.
يأتي الموظف مرتدياً خوذة صفراء أكبر من رأسه بثلاث مرات، يقف أمام العمود الكهربائي، يحدق فيه طويلاً كأنه شاعر يتأمل الغروب، ثم يقول:
ـ "المشكلة واضحة."
فيقول الناس:
ـ "شنو هي؟"
فيهز رأسه بأسى:
ـ "التيار تعبان نفسياً."
ثم يكتب تقريراً من ثلاث صفحات، كلها تبدأ بـ"لوحظ بالنظر المجرد..."
وذات يوم انقطع التيار عن القرية أسبوعاً كاملاً. صار الناس يشحنون هواتفهم عند صاحب المخبز لأنه الوحيد الذي يملك مولداً يعمل بالديزل والشتائم.
وفي مساء قائظ، اجتمع أهل القرية تحت عمود الكهرباء الكبير، ذلك العمود الذي لم يحمل تياراً منذ سنوات لكنه ظل واقفاً احتراماً للتاريخ.
قال عم إدريس:
ـ "يا جماعة، نحن دفعنا قيمة الكهرباء كاملة، ليه ما تجينا؟"
فرد عليه شيخ القرية وهو يحك ذقنه:
ـ "يقولوا الكهرباء موجودة، لكن في مرحلة انتقالية."
قالت امرأة من الخلف:
ـ "زي العدالة والتنمية والخبز!"
فضحك الناس حتى انطفأت ضحكتهم من الحر.
وفي اليوم التالي وصل وفد الشركة. نزل المدير بنفسه من سيارة مكيفة كأنها ثلاجة متحركة، وتبعه المهندسون يحملون ملفات فارغة ووجوهاً ممتلئة بالثقة.
وقف المدير أمام الناس وقال:
ـ "بعد الفحص والتشخيص بالنظر، اكتشفنا أن المشكلة في استهلاك المواطنين."
فقال له عم عثمان:
ـ "لكن الكهرباء مقطوعة من أسبوع!"
فابتسم المدير ابتسامة ولي صالح اكتشف كرامة جديدة وقال:
ـ "هذا هو الإسراف بعينه... تستهلكون الغياب أكثر من اللازم."
ثم سبح بالمسبحة ثلاث مرات، وركب السيارة، وغادر تاركاً خلفه غباراً أكثر كثافة من التيار الكهربائي كله.
ومنذ ذلك اليوم، صار أهل القرية إذا رأوا الظلام لا يلعنون الانقطاع، بل يقولون:
ـ "أكيد الشركة شايفة النور... لكن بالنظر فقط."

،،،،،