السودان بين مشروع الدولة ومشروع الحرب كتبه أحمد المهدي

السودان بين مشروع الدولة ومشروع الحرب كتبه أحمد المهدي


05-29-2026, 05:01 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1780027277&rn=0


Post: #1
Title: السودان بين مشروع الدولة ومشروع الحرب كتبه أحمد المهدي
Author: أحمد المهدي
Date: 05-29-2026, 05:01 AM

05:01 AM May, 29 2026

سودانيز اون لاين
أحمد المهدي-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر








بعد ثلاثة أعوام كاملة من الحرب التي اندلعت في السودان، تبدو البلاد وكأنها تقف على حافة انهيار شامل؛ انهيار لا يقتصر على البنية التحتية أو الاقتصاد فحسب، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي نفسه، وإلى فكرة الدولة السودانية التي ظلت لعقود تتآكل تحت وطأة الانقلابات والصراعات المسلحة.

خلال هذه السنوات الثلاث ، لم يعرف السودانيون سوى أصوات المدافع والطائرات المسيّرة والمقاتلات، ولم يروا سوى الموت والنزوح والخراب. ملايين المواطنين اضطروا إلى مغادرة منازلهم، وعشرات الآلاف فقدوا حياتهم، بينما يواجه الملايين خطر الجوع والمجاعة في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية التي يشهدها السودان في تاريخه الحديث.

ورغم هذا الواقع القاسي، لا تزال قطاعات واسعة على الساحة والكثير من الناس تحاول اختزال الأزمة في صراع عسكري مباشر بين الجيش والدعم السريع، متجاهلة البعد الأعمق للحرب، والمتعلق بالصراع حول شكل الدولة ومستقبل الحكم المدني في السودان.

فالحرب، وفي جانب كبير منها، تحولت إلى أداة لإعادة تشكيل المشهد السياسي، وإضعاف القوى المدنية التي قادت الحراك الشعبي في ثورة ديسمبر المجيدة ، ورفعت شعارات الدولة المدنية والانتقال الديمقراطي. ويستدل كثيرون على ذلك بحجم العداء الذي تبديه بعض القوى المرتبطة بالنظام السابق تجاه المكوّن المدني، مقارنة بمواقف لها أكثر مرونة تجاه فكرة التفاوض أو التسوية مع الدعم السريع متى ما ضمنت إبعاد القوى المدنية من المعادلة السياسية.
وفي خضم هذا الاستقطاب، يُطرح سؤال جوهري . ما الذي فعلته القوى المدنية حتى تتحمل وحدها مسؤولية ما جرى؟
فالقوى المدنية لم تنشئ الدعم السريع، ولم تكن صاحبة قرار تسليحه أو توسيع نفوذه، كما أنها لم تكن الجهة التي تمتلك السلاح أو تدير المؤسسات العسكرية والأمنية خلال العقود الماضية. ومع ذلك، أصبحت هدفًا لحملات التخوين والتحريض من قبل فلول النظام السابق ، في محاولة لتحميلها تبعات أزمة تعود جذورها إلى عقود من عسكرة السياسة وإضعاف مؤسسات الدولة.

لقد أثبتت التجربة السودانية، منذ الاستقلال وحتى اليوم، أن الأزمة الحقيقية لم تكن يومًا في الشعارات أو الرموز السياسية، بل في غياب الدولة المدنية القادرة على إدارة التنوع، وفرض سيادة القانون، وبناء مؤسسات مستقرة تخضع للمساءلة.
فسبعون عامًا من الانقلابات والحروب كانت كافية لإثبات أن حكم السلاح لا ينتج استقرارًا، وأن إدارة الدولة بالعقلية العسكرية تقود، في نهاية المطاف، إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها بصورة أكثر عنفًا وتعقيدًا.

اليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى مشروع وطني جديد يقوم على عقد اجتماعي جامع، يضع مصلحة السودان فوق الحسابات السياسية والعسكرية الضيقة، ويعيد ترتيب أولويات الدولة باتجاه التنمية والعدالة وحماية كرامة المواطن.

إن المعركة الحقيقية التي يواجهها السودان ليست معركة بين أطراف عسكرية متنافسة فقط، بل هي معركة بين مشروعين متناقضين، مشروع الدولة المدنية القائمة على القانون والمؤسسات، ومشروع الفوضى الذي تُدار فيه السياسة بقوة السلاح.

ومن هنا، فإن إنهاء الحرب لا يمثل مجرد ضرورة إنسانية عاجلة، بل شرطًا أساسيًا لبقاء السودان نفسه كدولة موحدة وقابلة للحياة.

لقد أثبتت هذه الحرب، بما لا يدع مجالًا للشك، أن السودان لا يحتاج إلى مزيد من القادة العسكريين، بل إلى صناع سلام يمتلكون الإرادة السياسية لإنهاء دائرة العنف، والبدء في تأسيس دولة تحمي مواطنيها بدلًا من أن تتحول أراضيها إلى ساحات حرب مفتوحة.