Post: #1
Title: حينَ اختلطَ العارُ بالمهرجان كتبه أحمد الباقر محمد
Author: أحمد الباقر محمد
Date: 05-29-2026, 05:00 AM
05:00 AM May, 29 2026 سودانيز اون لاين أحمد الباقر محمد-مصر مكتبتى رابط مختصر
ليستِ الأوطانُ دائمًا تُستهدَفُ بالسلاحِ وحدَه، فثمةَ أشكالٌ أخرى من الخرابِ تتسلّلُ بهدوء، حين يتعلّمُ الخرابُ ارتداءَ ثيابِ الاحتفال، وتتحوّلُ اللحظةُ من صرخةِ وجعٍ إلى مشهدٍ مُزيَّفٍ للبهجة. عندها تُصبحُ المنابرُ مرايا مقلوبةً، لا تعكسُ الحقيقةَ بل تُعيدُ تشكيلَها على هيئةِ مجدٍ زائف، وتُدرِّبُ الجموعَ على التصفيقِ وهي تعبرُ فوق الرماد دون أن تدري.
وفي مثلِ هذه الأزمنةِ المختلَّة، لا يعودُ الضجيجُ دليلَ حياة، بل قد يغدو ستارًا كثيفًا تُخفى خلفه الوجوهُ المتواطئة، وتُزيَّنُ به القبحُ حتى يبدو إنجازًا. وحين يختلطُ العارُ بالمهرجان، تصبحُ الحقيقةُ غريبةً بين أهلها، ويغدو الصمتُ أحيانًا أبلغَ من ألفِ خطابٍ يُجمّلُ الخرابَ ولا يداويه.
ومن هنا ينهضُ السؤالُ الثقيل: أما ترونَ ـ يا كرامَ القوم ـ إلى أيِّ دركٍ بلغَ بنا الحال؟ وكيف انزاحَ الستارُ فبانتْ وجوهٌ طالما توارتْ خلف الأقنعة، تُديرُ خيوطَ العبثِ وتُباركُ الخرابَ باسمِ الزينةِ والاحتفال؟
حتى صارتْ المهرجاناتُ تُقامُ فوقَ ركامِ المآسي وجثثِ الأبرياءِ، كأنها احتفاءٌ بما ارتُكبَ من فظائعَ وانتهاكات. يُكرَّمُ فيها المتواطئون، ويتصدّرُ المشهدَ من باعوا ضمائرَهم في أسواقِ الرخصِ والدناءة، وتعلو أصواتٌ جوفاءُ تتزيّنُ بالزيف وتتشبّهُ بالفرح، بينما هي في حقيقتها صدى خرابٍ لا أكثر.
وتتعالى من حولهم أصواتٌ نافرةٌ كنهيقِ بابونةٍ شمطاءَ عند أطلالِ الخراب، واهمةً أنّها الملكةُ المتوَّجةُ على عرشِ الخواء.
وتزهو بعضُ تلك الوجوهِ بأن تُدعى “الملكة”، وما أدراكَ ما “الملكة”؟ إنها ليست إلا رمزًا لسطوةِ الزيف؛ ملكةُ الغدرِ والخيانةِ والنفاقِ والخذلان، تتزيّنُ بالضجيج، وتغسلُ وجهَ القبحِ بالتصفيق، وتُحوّلُ الألمَ إلى مشهدٍ قابلٍ للاستهلاك.
وما أقبحَ صوتٍ يُحوّلُ الأوجاعَ إلى أناشيدَ تهليل، ويجعلُ من تمجيدِ الإجرامِ مسرحًا عامًا للزيف. أصواتٌ لا تُجيدُ سوى التزيينِ والتلميع، تغسلُ الأيدي الملوّثةَ بالدمِ بمدائحَ جوفاء، حتى يغدو المشهدُ كله علامةً على زمنٍ اختلطتْ فيه المآتمُ بالمواسم، وضاع فيه ميزانُ الكرامةِ والحياء، حتى صارَ الخائنُ نجمًا، والصادقُ غريبًا بين أهله.
ومع ذلك، تبقى الحقيقةُ أبسطَ من كلِّ هذا التشويش؛ فالناسُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ أصنافٌ تتباينُ معادنُهم وتختلفُ طبائعُهم، ولا تنكشفُ جوهرُهم إلا في المحنِ التي تُسقطُ الأقنعةَ وتُعرّي المواقف.
فمنهم الشريفُ الذي وهبَ مالَهُ ونفسَهُ لدرءِ الظلمِ والدفاعِ عن الوطن، يحملُ همَّ الناسِ في قلبه، ويقفُ في وجه العاصفةِ مهما كلفه ذلك من أمنه وعمره وراحته.
ومنهم الرخيصُ الذي باعَ ضميره، وتحوّلَ إلى أداةٍ للنهبِ والتآمر، لا عهدَ له ولا مبدأ، يقتاتُ من الخرابِ كما تقتاتُ الغربانُ من الجيف.
وبين هذين الطرفين يقفُ المواطنُ الشريفُ المغلوبُ على أمره، الضحيةُ التي أنهكتها الفواجع، يحملُ وجعَ وطنه بصمت، ويقاومُ الحياةَ بما تبقّى من صبرٍ ورجاء.
وفي زمنِ الفتنةِ يعلو ضجيجُ الخونةِ والمنتفعين، وتختلطُ الأصواتُ بين زيفٍ يصرخُ وحقٍّ يُهمَس. غير أنَّ التاريخ، مهما طال ليلُه، لا يحفظُ إلا مواقفَ الشرفاءِ، ولا يُنصفُ إلا من وقفوا في وجه الريحِ ولم ينحنوا، ولا يُخلِّدُ إلا من جعلوا من الصبرِ درعًا، ومن الحقِّ رايةً لا تنكسر.
فيمضي الضجيجُ، وتبقى المواقفُ هي الحقيقةُ التي لا تموت.
أحمد الباقر محمد – القاهرة
|
|