Post: #1
Title: بلاغ: الحج في القرآن: المشهد الغائب كتبه محمد الصادق
Author: محمد الصادق
Date: 05-28-2026, 11:03 PM
11:03 PM May, 28 2026 سودانيز اون لاين محمد الصادق-السودان مكتبتى رابط مختصر
يقول الرسول: (بلغوا عني ولو آية) ويقول سبحانه وتعالي: {افلا يتدبرون القرآن؛ أم علي قلوب اقفالها}
في المشهد القرآني للحج لن يظهر لنا منظر الوقوف بعرفة، القرآن ذكر "عرفات" لكن لم يذكر الجبل هناك علماء منهم الإمام مالك ذهبوا إلى أن يوم الحج الأكبر ليس يوم عرفة وإنما هو يوم النحر- العاشر من ذي الحجة، استناداً إلى حديث أخرجه أبو داود: يقول الرسول: (ما هذا اليوم؟) قالوا يوم النحر، قال هذا يوم الحج الأكبر وقد فسر العلماء الأيام المعلومات في قوله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} بأنها يوم النحر ويومان بعده
فإذا كان يوم النحر هو يوم الحج الأكبر فإذن أهم مشهد هو مشهد ذبح الهدي لأن الحج أصلا .. هو ذبح الهدي وتفريقه علي المساكين: إقرأ الآيتين ٢٧ - ٢٨ سورة الحج: {وَأَذِّن فِی ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ یَأۡتُوكَ رِجَالࣰا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرࣲ یَأۡتِینَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِیق•°• لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمۡ وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِیمَةِ ٱلۡأَنۡعَـٰمِۖ فَكُلُوا۟ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُوا۟ ٱلۡبَاۤىِٕسَ ٱلۡفَقِیرَ}: أذن في الناس بالحج .. يأتوا ومعهم بهائم يذبحونها شكراً لله .. يأكلوا منها ويطعموا الفقراء .. هذا هو الحج
لكن عملية ذبح الهدي .. لابد أن تتم بطريقة معينة وهذه عبادة .. والعبادات توقيفية .. لابد أن تؤدي كما أمر الله الله يريد أن يكون ذبح الهدي في زمن معين .. ومكان معين .. طريقة وضع البهائم عند الذبح .. مسارات حركتها دخولا وخروجا .. لحوم الذبائح والمدي الزمني لتوزيعها .. وقوف الحجيج علي ذبائحهم .. هذا كله مفصّل في آيات قرآنية .. نذكرها:
¶ قال تعالي: {فَٱذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَیۡهَا صَوَاۤفَّۖ} الحج: (٣٦)
المعني: اذبحوا بهائم الهدي، وهي مصطفة - في صفوف لو طُبّق هذا فسيكون مشهداً عظيماً ومهيباً لأن أعداد البهائم كبيرة فتخيل .. كم سيكون طول الصف؟! وكم سيكون عدد الصفوف؟! هذا الإصطفاف هو عبادة بالطبع مثله مثل الصلاة .. لا بد أن يقف الناس في صفوف ولا بد من إمام في الأمام ولا بد من الإتجاه إلي القبلة .. لا خيارات بديلة لهذه الأمور
¶ كذلك من شروط ذبح الهدي: قال تعالي: {فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَـٰتࣲ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ} البقرة: (١٩٨) (فاذكروا الله عند المشعر الحرام): اذبحوا الهدي في المشعر الحرام المشعر: المذبح: مكان الذبح والمشعر قيل أنه في مزدلفة وقيل في مِني قوله: {فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَـٰتࣲ} يعني أن البهائم تأتي إلي مكان الذبح من ناحية سوق عرفات وسنعرف لاحقا، أن مسار الهدي المذبوح يكون في إتجاه البيت الحرام.
¶ أهم لقطة في المشهد القرآني للحج .. هي لقطة "ضيوف الرحمن" هو المنظر في سوق الصفا وسوق المروة - وهي كانت ساحات كبيرة حول المسجد الحرام - منظر الطّوافين (الشحاتين) وهم يطوفون علي الحجيج يتناولون منهم لحوم الهدي هؤلاء الشحاتين هم "ضيوف الرحمن": {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَاۤىِٕرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَیۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِ أَن یَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ} شعائر الله: الشعيرة هي البهيمة من بهائم الهدي، وسميت شعيرة لأنها تُشعَر: يُعمل عليها إشعار (علامة) توضح أنها أصبحت من بهائم الهدي {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَاۤىِٕرِ ٱللَّهِۖ} يعني: أن البهائم التي في سوق الصفا وسوق المروة هي مِلكٌ لله ولا حرج علي الفقراء والمساكين أن يأتوا فيأخذوها؛ عبارة (الصفا والمروة من شعائر الله) مجاز لغوي، علاقته المحلية: أطلق المحلّ، وأراد ما بداخل المحلّ؛ وهذا معروف في اللغة العربية.
¶ من شروط الهدي وتوزيعه: قال تعالي: ✓ {وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡدُودَ ٰتࣲۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِی یَوۡمَیۡنِ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ} البقرة: (٢٠٣) وقال تعالي: ✓ {وَلَا تَحۡلِقُوا۟ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ یَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡیُ مَحِلَّهُۥۚ} البقرة: (١٩٦) في الآية الأولي تقدير الكلام: ((فمن تعجل في يومين [لمن اتقي] فلا إثم عليه)) والتقوي هنا تقوي اليد وليست تقوي القلب: قال تعالي: {لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤُها ولكن يناله التقوي منكم} بمعني: أن الله لا تصله اللحوم ولا الدماء ولكن تصله صدقتكم أي أن تصدق الناس هو ما يأخذه الله: قال تعالي: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} التوبة: (١٠٤) وفي حديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) ويقول تعالى: {وسيجنبها الأتقي•°• الذي يؤتي ماله يتزكي} الليل: (١٧-١٨) ففي كل هذه النصوص تشير كلمة "التقوي" إلي الصدقة والتصدق. إذن فالذي يجعل الحاج يمكث يومين أو ثلاثة هو توزيع الصدقة: {وَلَا تَحۡلِقُوا۟ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ یَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡیُ مَحِلَّهُۥۚ} فلو انتهي من توزيع ذبيحته في يومين يمكنه التحلل من الإحرام والإنصراف؛ وإلا انتظر يوماً ثالثاً. وقد أجيز له أن يأكل من لحم الشعيرة التي يقوم علي أمرها: قال تعالي: {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير}
¶ ايضاً من شروط الهدي التسمين والتروية: التروية لم تذكر في القرآن؛ لكن طالما أن هناك يوم يسمي "يوم التروية"، فلا بد أنه متعلق بتروية البهيمة، فمن المعروف أن البهيمة قبل أن تذبح يجب أن ترتوي من الماء، حيث يفيد ذلك في سهولة السلخ وجودة اللحم.
أما بالنسبة للتسمين فقد أشار القرآن إلي تسمين بهائم الهدي في ثلاثة مواضع: ١/ قال تعالي {وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰۤىِٕرِ ٱللَّهِ} بدن: جمع "بدينة": أي أن الله أمر بأن تكون بهائم الهدي سمينة. ٢/ {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} قيل في التفسير: شعائر الله هي بهائم الهدي؛ وتعظيمها تسمينها. ٣/ {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً؛ وعلي كلٍ ضامر} أي يأتوك راجلين (مشاة) وبيد كل منهم بهيمة ضامرة: يعني سمينة؛ فالتضمير نوع من التسمين: تُجوّع البهيمة ثمّ تعطي كميات وافرة من العلف؛ فتسمن. ∆وفي الآية دليل كذلك علي أن البهيمة تُساق سوقا ولا تُركب: {يأتوك رجالاً.. وعلي كلٍ ضامر}: يأتوك مشياً، كل منهم يسوق بهيمة سمينة. ++ بعض العلماء المعاصرين تكلم عن "سياقة الهدي" علي أنه سُنّة اندثرت. ∆ بقي أن نتكلم عن التلبية: لبيك .. لبيك .. إن الحمد والنعمة لك: لقد قال الله لنبيه: {وأذن في الناس بالحج يأتوك} (يأتوك): يعني (يأتوك) أنت أيها النبي: لكي تنظم لهم أمر الهدي؛ لم يقل: (يأتونني) لأن الله ليس في مكة؛ وكون بيته الحرام في مكة، يعني بيت الله الذي يُعبد فيه؛ وكل المساجد في كل العالم تسمي "بيوت الله" فالحاج ذهب لكي يلبي طلبا معينا طلبه منه الله: (أحضِر كذا، ووزعه هكذا) فالحاج تلازمه بهيمته، أينما ذهب، لأنه كل ما يلبي يقول لله "أنا لبيت أمرك وأحضرت الشيء الذي قلت أحضِروه"؛ وهو يستمر في ذلك حتي بعد أن تصبح البهيمة لحماً، وإلي أن يأتي "ضيوف الرحمن" فيأخذونها منه، وهم حينما يسمعونه: "النعمة لك .. النعمة لك" يستيقنون أن هذه نعمة الله أهداها لهم. والله قد وجه الدعوة للفقراء والمساكين في عدة مواضع؛ وغالبا ما يكون توجيه الدعوة حتي قبل توجيه الأمر للمتصدقين بإحضار الهدي:
١/ {لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمۡ وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ ...} الحج: (٢٨) أي: ((لينتفعوا .. ويذبحوا)) فالإنتفاع للفقراء، والذبح للحجيج المقتدرين ٢/ {ثُمَّ لۡیَقصوا۟ تَفَثَهُمۡ وَلۡیُوفُوا۟ نُذُورَهُمۡ وَلۡیَطَّوَّفُوا۟ بِٱلۡبَیۡتِ ٱلۡعَتِیقِ} الحج: (٢٩): هذه الآية مكملة للآية التي قبلها: فالجزء الأول مكمل لما ذكر عن الحجيج المتصدقين والجزء الثاني مكمل لما ذكر عن الفقراء؛ فتقدير الكلام: ((لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمۡ .... لۡیَطَّوَّفُوا۟ بِٱلۡبَیۡتِ ٱلۡعَتِیقِ)) أي [[ليشهدوا منافع لهم بطوافهم علي البيت العتيق]] ٣/ {لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُوا۟ فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَـٰتࣲ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ} فالجزء الأول من الآية معناه: ((لا حرج عليكم أن تأخذوا ما تفضل به ربكم عليكم)) ٤/ {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَاۤىِٕرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَیۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِ أَن یَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ} الجزء الثاني من الآية معناه: ليس عليكم حرج في الطواف علي لحوم الشعائر في منطقة الصفا ومنطقة المروة (حول البيت العتيق)، وأخذ حاجتكم منها.
هذه صورة مختصرة لمشهد الحج في القرآن، وهو مشهد غائب عن أرض الواقع. ونحن ندعو إلي مراجعة آيات الحج في سورتي البقرة والحج ثم المقارنة بين مشهدي الحج: الحاضر والغائب، من حيث الهدف والحكمة من التشريع. فالمشهد الحاضر كله تقديس للحجارة، فمنذ البداية: طواف حول حجارة الكعبة، ثم السعي بين حجارة الصفا وحجارة المروة، وقبل السعي تقبيل الحجر الأسود، ثم إلي حيث الجبل العظيم عرفات، ذو الحجارة البيضاء، التي تتحول إلى سوداء، بعد نزول الناس منه عند مغيب الشمس، والذي يصعد عرفات يحاول الوصول إلى الصخرات العظام، ثم المشهد الأخير الذي يموت الناس فيه بالتدافع، هو الإستعانة بحجارة مكة الخارقة لرجم الشيطان طيلة ثلاثة أيام !! كيف يحدث هذا .. وقد قام عمر بن الخطاب بقطع الشجرة، التى تمت تحتها بيعة الرضوان، لأن الناس كانوا حديثى عهد بالوثنية، فكيف بالرسول نفسه، أن يؤذن في الناس بحج كله تقديس للأحجار: طواف حول الأحجار، سعي بين الأحجار، تقبيل للأحجار، ركوب علي الأحجار، رجم بالأحجار، أنظر للعظمة التي وجدتها حجارة مكة، بعد وفاة الرسول. لم يكن هذا ليحدث والرسول شاهد بين الناس، وهذا ما يقوله عندما يدرك يوم القيامة كيف انحرفت أمته، فعندما يقول: (أمتي .. أمتي) ويقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، قال فأقول كما قال العبد الصالح عيسى: {وَكُنتُ عَلَیۡهِمۡ شَهِیدࣰا مَّا دُمۡتُ فِیهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّیۡتَنِی كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِیبَ عَلَیۡهِمۡۚ} المائدة: (١١٧) وفي القرآن يقدم الرسول تعليل واضح لسبب الضلال: {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ یَـٰرَبِّ: إِنَّ قَوۡمِی .. ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورࣰا} الفرقان: (٣٠)
ألا هل بلغت .. اللهم فاشهد.
□■□■□■ تذكرة متكررة: نذكّر بالدعاء علي الظالمين فهو دعاء لا شك مستجاب الذين أخرجوا الناس من ديارهم بغير حق وسفكوا الدماء وانتهكوا الأعراض وأخذوا الممتلكات وساموا الناس سوء العذاب
|
|