عبد الواحد نور بين نصٍ ثوري وممارسةٍ إصلاحية: كيف تراجع السقف؟ كتبه خالد كودي

عبد الواحد نور بين نصٍ ثوري وممارسةٍ إصلاحية: كيف تراجع السقف؟ كتبه خالد كودي


05-25-2026, 08:46 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1779738368&rn=0


Post: #1
Title: عبد الواحد نور بين نصٍ ثوري وممارسةٍ إصلاحية: كيف تراجع السقف؟ كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 05-25-2026, 08:46 PM

08:46 PM May, 25 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر





25/5/2026 ، بوسطن

من النص التأسيسي إلى القراءة الإصلاحية: نقد رؤية إعلان المبادئ للأزمة السودانية
تابعتُ، كغيري، مشاركة عبد الواحد محمد احمد النور ضمن القوى الموقعة على إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد (2025)، ثم جاء البيان الختامي للاجتماع الثاني في نيروبي (22–23 مايو 2026)، المعنون بـ "نحو بناء وطن جديد"، ليؤكد أننا لسنا أمام مقاربة جديدة للأزمة السودانية، بل أمام إعادة إنتاج لقراءة تقليدية استُهلكت سياسيًا وفشلت تاريخيًا، لأنها تلامس مظاهر الأزمة دون أن تنفذ إلى بنيتها العميقة رغم الادعاءات.
غير أن الإشكال لا يتوقف عند حدود هذا البيان، بل يكمن في التناقض الحاد بينه وبين النص المؤسس الذي قامت عليه حركة/جيش تحرير السودان التي يرأسها الرفيق عبد الواحد نور نفسها!! ومن هنا ينطلق هذا المقال لاختبار هذا التناقض، والكشف عن دلالاته السياسية والفكرية.

أولًا: السقف التأسيسي في النظام الأساسي لحركة/جيش تحرير السودان (2011، تعديل 2014
بالرجوع إلى النظام الأساسي لحركة/جيش تحرير السودان – قيادة عبد الواحد محمد احمد النور (2011، تعديل 2014)، وتحديدًا الباب الثاني، المادة (3)، نجد أنفسنا أمام نص يذهب مباشرة إلى قلب المشكلة السودانية.
تبدأ الوثيقة في نقتطها الاولي، وبتحديد واضح، لا لبس فيه لطبيعة الدولة:
(السودان دولة علمانية ديمقراطية فيدرالية، يقوم الحكم فيها على إرادة الشعب، وتُبنى الحقوق والواجبات على أساس المواطنة المتساوية).

ثم تعمّق نفس الوثيقة هذا التعريف عبر:
- الاعتراف بالتعدد الثقافي والديني والعرقي كأساس لبناء الدولة
- إزالة التهميش والهيمنة البنيوية
- تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة
- إعادة هيكلة مؤسسات الدولة
- بناء نظام ديمقراطي قائم على المشاركة الشعبية
هذا نص لا يعالج أعراض الأزمة، بل:
يستهدف بنية الدولة نفسها بوصفها أصل المشكلة
أي أنه نص ينتمي بوضوح إلى أفق:
إعادة التأسيس، لا الإصلاح... وهذا واضح!

ثانيًا: كيف يقرأ إعلان المبادئ الأزمة السودانية؟
على النقيض، فإن إعلان المبادئ يقدّم قراءة مختلفة للأزمة، يمكن تلخيصها في ثلاث سمات رئيسية:
١/ اختزال الأزمة في الحرب
الوثيقة تنطلق من أن المشكلة الأساسية هي:
- الحرب
- الكارثة الإنسانية
- غياب الاستقرار
وبالتالي يصبح الحل:
إيقاف الحرب كمدخل رئيسي
بينما يتجاهل أن:
الحرب هي نتيجة، لا سببًا... ؟

٢/ إزاحة سؤال الدولة إلى الهامش
رغم استخدام مفردات مثل:
- الدولة المدنية
- الديمقراطية
- العدالة
إلا أن وثيقة قوي اعلام المبادئ السودانية لا تحسم القضايا الجوهرية مثل:
- طبيعة العلاقة بين الدين والدولة
- شكل الدولة (هل هي فيدرالية حقيقية أم لا)
- بنية السلطة المركزية
العدالة التاريخية
أي أنها:
لاتتفق/ تتجاهل، وربما في احسن الأحوال تؤجل الأسئلة التأسيسية بدل الإجابة عليها!

٣/ طرح حل إجرائي بدل حل بنيوي
الحل المطروح من قوي اعلان المبادئ السودانية يقوم على:
- وقف الحرب
- عملية سياسية
- فترة انتقالية
- توافق بين القوى
وهذا يعكس تصورًا يرى أن:
الأزمة تُحل بإعادة ترتيب الفاعلين، لا بإعادة بناء الدولة.

ثالثًا: موضع الخلل – من الجذور إلى الإدارة
هنا يتجلى الخلل بوضوح:
النظام الأساسي لحركة/جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد احمد النور (2011/2014
- يعرّف المشكلة بأنها بنية دولة مختلة
- يطرح الحل بوصفه إعادة تأسيس شاملة
بينما إعلان المبادئ (2025
- يعرّف المشكلة بأنها صراع/حرب
- يطرح الحل بوصفه إدارة انتقال
وهذا التحول يعني الانتقال من:
تحليل بنيوي جذري وفقا لما تقترح الوثيقة التأسيسية لحركة/جيش تحرير السودان
إلى
تحليل إجرائي إصلاحي وفقا لوثائق قوي اعلان المبادئ السودانية.

رابعًا: لماذا يُعدّ هذا الانخفاض في السقف خطأً استراتيجيًا؟
لأن التجربة السودانية، عبر عقود من الحروب والاتفاقيات، أثبتت حقيقة لا تقبل الالتباس:
- كل الحلول التي تعاملت مع نتائج الأزمة—لا مع بنيتها—انتهت إلى الفشل
- وكل المشاريع التي تجاهلت طبيعة الدولة نفسها أعادت إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيدًا وعنفًا
ومن ثم، فإن أي رؤية سياسية لا تنطلق—على الأقل—من نفس السقف الذي حدده النظام الأساسي لحركة/جيش تحرير السودان (2011، تعديل 2014)، بوصفه نصًا تأسيسيًا لجسم ثوري، لن تكون قادرة على إنتاج سلام مستدام.
ذلك أن هذا النظام الأساسي لا يعرّف السلام بوصفه حالة إجرائية (وقف إطلاق نار أو تسوية بين أطراف)، بل يربطه مباشرة بإعادة بناء الدولة وفق مبادئه المركزية:
- العلمانية: كفصل حاسم بين الدين والسلطة، يمنع توظيف الهوية في الصراع
- الفيدرالية: كآلية لإعادة توزيع السلطة وإنهاء احتكار المركز
- المواطنة المتساوية: كإطار قانوني وأخلاقي يُنهي نظام الامتيازات التاريخي
- الاعتراف بالتعدد: كأساس بنيوي للدولة، لا كمسألة ثقافية هامشية
- إزالة التهميش: سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، لا مجرد معالجته جزئيًا
وبهذا المعنى، فإن السلام—وفق هذا التصور التأسيسي للحركة التي يراسها عبد الواحد النور —ليس:
- هدنة مؤقتة
- ولا اتفاقًا بين نخب متصارعة
- ولا ترتيبًا انتقاليًا لإدارة السلطة
بل هو:
نتيجة مباشرة لإعادة توزيع السلطة، وإعادة تعريف الهوية الوطنية، وإعادة هيكلة الدولة ومؤسساتها على أسس العدالة والمساواة... وليرجع كمرد عبد الواحد الي وثيقته التاسيسية!
أي أن السلام هو مُحصّلة تحول بنيوي، لا إجراء سياسي.
ومن هنا تتضح خطورة الانخفاض في السقف:
فعندما يتم استبدال هذا التعريف العميق للسلام بتصور إجرائي يركز على وقف الحرب وإدارة المرحلة الانتقالية، فإننا لا نقترب من الحل، بل:
نؤجل الانفجار القادم، ونعيد إنتاج شروطه، للأسف.
لذلك فإن تراجع عبد الواحد النور عن السقف الذي وضعه النظام الأساسي للحركة التي يراسها لا يمثل مجرد اختلاف تكتيكي، بل:
تحولًا من مشروع تغيير جذري إلى مشروع إدارة أزمة—وهو بالضبط المسار الذي أثبت فشله في السودان مرارًا.

اخيرا: لومٌ على انزلاق لا يحتمل التأويل
ما تكشفه هذه المقارنة لا يمكن اختزاله في اختلافٍ في التفاصيل أو تباينٍ في الأساليب، بل هو:
اختلاف جذري في طبيعة المشروع نفسه.
فـ النظام الأساسي لحركة/جيش تحرير السودان (2011، تعديل 2014) يطرح بوضوح
مشروعًا لسودان جديد يقوم على إعادة تأسيس الدولة من جذورها
بينما يقدّم إعلان المبادئ:
مشروعًا لإدارة الأزمة داخل نفس بنية السودان القديم!
وهنا لا تعود المسألة مفارقة عادية يمكنها ان تمر، بل تتحول إلى موضع مساءلة حقيقية:
كيف يمكن لعبد الواحد نور—وهو على رأس حركة صاغت أحد أكثر النصوص وضوحًا في تشخيص جذور الأزمة السودانية—أن ينخرط في وثيقة تتفادى تلك الجذور، بل تتجاهلها، وان أحسنا الظن تؤجلها؟
كيف ينتقل خطابٌ تأسيسي حاسم إلى ممارسة سياسية تقبل بسقفٍ أدنى، لا يرقى حتى إلى الحد الأدنى الذي وضعته حركته نفسها؟
هذا ليس مجرد تناقض سياسي يمكن تبريره بتعقيدات اللحظة، بل:
تراجعٌ مؤسف عن أفقٍ ثوري كان يُفترض أن يُحافظ عليه، لا أن يُساوم عليه.
إن ما حدث هو انزلاق واضح.
- من مشروع تغيير جذري يعكس تطلعات قطاعات واسعة من السودانيين
- إلى أفق إصلاحي مؤجل، ظل لعقود أداةً لإعادة إنتاج نفس النخب، ونفس البنية، ونفس الفشل
وهذا الانزلاق لا يمكن التعامل معه كتكتيك مرحلي، لأن نتائجه معروفة سلفًا في التجربة السودانية:
لا يُنتج سلامًا، بل يُعيد تدوير الأزمة، ويمنحها لغة جديدة دون أن يمسّ جوهرها.
وفي لحظة تاريخية تتطلب وضوحًا لا لبس فيه، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس الخطأ—
بل:
التنازل عن السقف الذي عرّف معنى التغيير نفسه...
وللحديث بقية!

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)