قناة العربية الحدث: صدى الصوت الكذوب كتبه الصادق حمدين

قناة العربية الحدث: صدى الصوت الكذوب كتبه الصادق حمدين


05-24-2026, 11:49 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1779619756&rn=0


Post: #1
Title: قناة العربية الحدث: صدى الصوت الكذوب كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 05-24-2026, 11:49 AM

11:49 AM May, 24 2026

سودانيز اون لاين
الصادق حمدين-UK
مكتبتى
رابط مختصر







منذ أن اشتعلت حرب السودان على ذاته التي أطلقت رصاصة فتنتها جماعة الشر المطلق، لم تكتفِ قناة “العربية الحدث” بتغطية المشهد، بل بدت وكأنها انخرطت فيه طرفاً غير معلن، ترتدي عباءة المهنية فيما تؤدي عملياً دور الناطق غير الرسمي باسم سلطة بورتسودان.

فخلف العناوين العاجلة، والموسيقى التصويرية المشحونة صخباً، والوجوه التي ترتدي قناع الجدية والوقار متقمصة ملامح الحياد، وبثقة فاحشة يُعاد إنتاج الرواية الرسمية ذاتها وتقديمها بوصفها الحقيقة الكاملة التي لا تحتمل ظلال الشك أو الحق في المراجعة والنقاش.

غير أن المتابع الذي يعنيه الخبر يدرك سريعاً أن القناة لا تنقل الحقيقة بقدر ما تردد صدى الصوت القادم من معسكر البرهان وجماعته، حتى بات الفرق بين الخبر والتوجيه السياسي يكاد يختفي من على شاشتها.

لقد تحولت القناة إلى مسرح دائم للانتقائية السياسية تُفتح الشاشات على مصاريعها عندما يخدم الحدث أجندة معينة، وتُغلق فجأة عندما تصبح الحقيقة محرجة أو معاكسة للهوى السياسي دون حتى اعتذار تعقبه ابتسامة أياً كان لونها، فالمهنية التي تدّعيها القناة تنهار عند أول اختبار جدي للحياد، حيث يمنح الضيف المنسجم مع خط القناة مساحة البطل المطلق يصول ويجول في ساحة الأكاذيب، بينما يُقصى الرأي المخالف أو يُقدَّم في صورة مشوهة ومربكة وبجرة لسان يتحول المايكرفون إلى خصمه ليعيد تكرار الأكذوبة بجدية أقرب للهذل.

أما اللغة الإعلامية التي تعتمدها القناة، فهي قائمة على التضخيم والتوجيه النفسي أكثر من نقل الوقائع. عبارات من قبيل “مصادر مطلعة”، و”أنباء متداولة”، و”ترجيحات المراقبين”، "أفاد مراسلنا" - من مخبئه بعيداً عن موقع الحدث - تُستخدم كأدوات لإنتاج الانطباع لا لإيصال المعلومة عارية. فالمشاهد لا يُمنح فرصة التفكير، بل يُدفع دفعا نحو استنتاج جاهز، مصمم بعناية داخل غرف التحرير.

لا يتوقف الخلل المهني عند حدود الانحياز السياسي، بل يمتد إلى صناعة روايات هشة تُبنى على التكرار أكثر من الحقائق. فما الذي يجعل من أخبار تُكرر يوميا عن “انشقاقات كبرى” داخل الدعم السريع في غرب كردفان وجنوبها، أو في شمال دارفور وجنوبها، حقيقة قائمة بذاتها، بينما الأسماء التي تُطرح لا وجود فعلي لها على الأرض ولا أثر لها في موازين الميدان؟

إن إعادة بث الادعاء ذاته بعناوين مختلفة لا يحوله إلى واقع، بل يكشف عن محاولة ممنهجة لصناعة انطباع نفسي لدى المتلقي، وكأن القناة تراهن على أن كثافة التكرار يمكن أن تعوض غياب الدليل وتجمل الأكاذيب.

والمفارقة التي تفتح نوافذ الدهشة على مصرعيها أن القناة تمضي أحياناً في تضخيم أحداث فردية، مثل هروب "الفلنقاي"، علي رزق الله الشهير بـ"السافنا"، واستسلامه المذل لجيش الكيزان مقابل "حفنة ريالات" لا تبرر ذلك الاذلال.

يضخمون هذا الحدث الفردي وكأن الأمر مقدمة لانهيار كامل لمنظومة الدعم السريع، في قراءة أقرب إلى التهويل السياسي منها إلى التحليل الموضوعي. فمنطق الإعلام الرصين يقتضي تقييم الوقائع بحجمها الحقيقي، لا تحويل كل حادثة إلى مادة لإنتاج أوهام الانهيار الوشيك لكيان في طريقه أن يصبح دولة بكامل أركانها الدستورية وكيانها القانوني.

قد يجد المرء بعض العذر لأصحاب “اللايفات” وجماعات "لايف مباشر" و "تكبيس وشير" الذين يتداولون ما يتسرب إليهم من غرف الاستخبارات دون تدقيق أو تمحيص، بحكم طبيعة منصاتهم العشوائية وافتقارها للمعايير المهنية.

لكن ما الذي يبرر لقناة تدّعي الاحترافية والمصداقية أن تنزلق إلى النهج ذاته؟ وكيف لمؤسسة إعلامية بحجم “العربية الحدث” أن تسارع إلى تحميل الدعم السريع مسؤولية قصف منزل المغدور، عزّام شقيق أبو عاقلة كيكل، قبل أن ينجلي دخان المأساة نفسها، ودون انتظار تحقيق أو تحقق أو حتى رواية مكتملة؟

إن السبق الصحفي لا يعني القفز فوق الحقيقة، والمهنية لا تُقاس بسرعة الاتهام، بل بقدرة المؤسسة على التثبت، خاصة في أزمنة الدم والحروب، حيث يمكن لخبر غير دقيق أن يتحول إلى وقود إضافي للفتنة.

ولم تعد القناة تكتفي بالانحياز، بل باتت تمارس نوعاً من الوصاية على وعي الجمهور فتقرر ما يجب أن يغضب الناس، وما ينبغي تجاهله، ومن يستحق التعاطف، ومن يجب شيطنته. إنها لا تنقل الواقع بقدر ما تعيد هندسته بما يناسب مصالح مموليها واتجاهاتها السياسية.

الأخطر من ذلك أن “العربية الحدث” تقدم نفسها بوصفها منصة للحقيقة، بينما تتعامل مع الخبر باعتباره مادة خام للدعاية الناعمة. فحين تختلط الصحافة بالبروباغندا، يصبح الإعلام أداة لتزييف الإدراك الجمعي، لا وسيلة لإنارة الرأي العام.

إن الإعلام الحقيقي لا يُقاس بارتفاع الصوت، ولا بعدد الشاشات العملاقة، ولا بتوظيف مزيد من الحسناوات ذوات الصوت الدافئ، بل بقدرته على احترام عقل المشاهد. وحين تفقد القناة هذا الاحترام، فإنها تتحول من منبر للمعلومة إلى مجرد صدى… صدى صوت كذوب، يكرر ما يُطلب منه قوله، حتى وإن كانت الحقيقة تصرخ بعكسه. إذاً ما الفرق بين قناة العربية الحدث، وبين منصة "لايفاتي" بائس يصر بغباء اختياري على أن للماء لون وطعم ورائحة.

Sent from Outlook for iOS