Post: #1
Title: الثورة العوضية: هل جاء الربيع الغذائي ليكمل الربيع العربي؟ كتبه الريح عبد القادر محمد عثمان
Author: الريح عبد القادر محمد عثمان
Date: 05-23-2026, 04:27 AM
04:27 AM May, 22 2026 سودانيز اون لاين الريح عبد القادر محمد عثمان-لاهاي مكتبتى رابط مختصر
"الثورة العوضية": هل جاء "الربيع الغذائي" ليكمل "الربيع العربي؟ بينما لم يهدأ الجدل بعدُ حول ما سُمّي بـ”الربيع العربي”، ها هي المنطقة العربية تضج بجدل جديد، بما ينبئ بأن ثمة ثورة أخرى بدأت تتشكل بهدوء داخل البيوت والمطابخ والأجساد. ثورة لا ترفع الشعارات السياسية، بل تطرح أسئلة أكثر بساطة وأشد عمقًا: ماذا نأكل؟ وما تأثير ما نأكل علينا؟ هل ثمة من يتحكمون في طعامنا وشرابنا وصحتنا ومرضنا؟ هل يجب أن نثور أم نستسلم لأطبائنا ولشركات الدواء والأغذية والجهات الرقابية التي تنظم الدواء والغذاء في بلداننا وحول العالم؟ من الإنصاف أن نسمي هذه الثورة “الثورة العوضية”، نسبة إلى الدكتور الراحل ضياء العوضي، الذي فجّرها وحيداً ونافح عنها وحيداً، ثم رحل تاركاً العالم العربي يسهر جرّاها ويختصم. لم تكن مبادرة الدكتور العوضي مجرد دعوة إلى حمية غذائية أو وصفات للصحة، بل كانت محاولة لإعادة الإنسان إلى حكمة قديمة كادت البشرية أن تنساها: نحن نأكل لنعيش، لا نعيش لنأكل. لقد جاء العوضي في زمن عرفت فيه البشرية كماً غير مسبوق من وفرة الطعام وتنوعه، ومع ذلك لم تعرف أبداً من قبل هذا القدر الهائل من الأمراض والأسقام والآلام المزمنة، وكذلك – ويا للمفارقة - من المجاعات وسوء التغذية. فكلما ازدادت رفوف المتاجر امتلاءً، ازدحمت كذلك المستشفيات والصيدليات. وكأن الإنسان الحديث، وهو يظن أنه انتصر على الجوع، قد وقع في عبودية جديدة اسمها الإفراط. ولم يكن غريبًا أن تجد دعوة العوضي صدى واسعًا من المحيط إلى الخليج، لأنها لامست شيئًا عميقًا في الفطرة الإنسانية. فهو لم يخاطب الناس بلغة المختبرات وحدها، بل خاطب إحساسهم بأن أجسادهم لم تُخلق لتكون منهكة ومعتلّة طوال الوقت، وأيقظ فيهم روح المسؤولية عن صحتهم، فبدوا كأنهم يكتشفون لأول مرة أنّ ما يصيبهم من الأمراض ربما ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لما يدخلونهم بأيديهم إلى بطونهم. ولعل أكثر ما يميز هذه الثورة أنها أعادت إحياء مبادئ قديمة عرفتها البشرية منذ آلاف السنين، ثم جاء الإسلام ليؤكدها بوضوح مدهش. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه”. إنه حديث يكاد يبدو وكأنه قيل في مواجهة عصر الوجبات السريعة والشراهة الغذائية الحديثة. فالمشكلة ليست في الطعام نفسه، بل في الامتلاء الدائم، وفي تحويل الأكل من ضرورة للحياة إلى متعة مستمرة لا تتوقف. وها نحن ننتقل من "الشراهة" في الأكل إلى "الشراسة" فيه، فأكلنا ما تخشى الأسود والضباع أكله! وتنهل دعوة العوضي من التراث الإسلامي كالمقولة الشهيرة: "المعدة بيت الداء، والحمية أصل الدواء". و رغم الجدل حول نسبة هذه العبارة، ظل معناها حاضرًا في ثقافات كثيرة عبر التاريخ. فالإنسان حين يمرض يفكر عادةً فيما سيتناوله من أدوية، بينما تدعوه “الثورة العوضية” إلى سؤال مختلف: ماذا يجب أن أترك؟ ويكفي هذا السؤال وحده عنواناً للثورة. تقوم فلسفة العوضي على التقليل بدل الإكثار، وعلى الامتناع أحيانًا بدل الاستهلاك المستمر. ولهذا لم يكن غريبًا أن يحتل الصوم مكانة مركزية في هذه الرؤية. فالصيام في الإسلام لم يكن عبادة روحية فحسب، بل كان أيضًا تدريبًا للجسد على الجوع والعطش والانضباط، وتذكيرًا بأن كرامة الإنسان ليست في أن يأكل كما يشتهى. وفي خضم هذا الطرح، أعاد العوضي الاعتبار للأطعمة الطبيعية القديمة، مثل الحبوب، التي عاش عليها الناس قرونًا طويلة قبل اجتياح الصناعات الغذائية الحديثة. ففي السودان مثلًا، اعتمد الناس على الذرة والدخن والحبوب المحلية، وكانت هذه المحاصيل تمثل جزءًا من الاستقلال الغذائي والاكتفاء الذاتي وعنواناً للثقافة المحلية. لكننا، في غفلة قاتلة، تركنا كثيرًا من هذه الموارد، واتجهنا نحو الدقيق الأبيض والأطعمة المصنعة والاعتماد المتزايد على الاستيراد. وهنا لا تصبح القضية صحية فقط، بل اقتصادية وسيادية أيضًا. فحين يتخلى مجتمع ما عن غذائه المحلي الطبيعي لصالح غذاء مستورد ومكرر وفقير القيمة، فإنه لا يخسر صحته وحدها، بل يخسر جزءًا كبيراً من استقلاله كذلك. وربما لهذا تبدو “الثورة العوضية” أعمق من مجرد موجة صحية عابرة. فهي تمرد على ثقافة الاستهلاك الحديثة كلها؛ الثقافة التي تقنع الإنسان أن السعادة في المزيد: المزيد من الطعام، المزيد من التنوع، المزيد من الامتلاء. بينما تقول الحكم القديمة العكس تمامًا: إن العافية قد تكون في القلة، وفي البساطة، وفي الجوع أحيانًا. لقد واجه العوضي حرباً شعواء، وتعدّد شانؤه مثلما كثر محبوه. ويعتقد بعض هؤلاء الأخيرين أنه رحل ضحيةً لمن هددت دعوته مصالحهم. لكن على أية حال رحل العوضي وهو يحس بأنه قد أوصل رسالته، ولطالما ردّد أن همّه هو ما سيقوله أمام ربه. ومع ذلك، ينبغي ألا يجعل الحماس والاندفاع من أقوال العوضي وتقريراته صواباً مطلقاً. ويقتضي النظر الموضوعي ألا تتحول هذه الثورة إلى حرب شاملة ضد ما هو سائد، بل يجب أن تفضي إلى حوار يتناول آراء العوضي باعتبارها نظريات وفرضيات تحتاج إلى المزيد من الإثبات. فلأجساد تختلف، والعلم يتطور، وسيظل الكثير من القضايا الغذائية محل نقاش وبحث. ولا شيء يمنع أن تقوم المناظرات بين المؤيدين والمعارضين، رغم أن ذلك لم يتهيأ للراحل في حياته. فالعوضي، عليه الرحمة، رغم مثابرته، ومضاء حجته، وقوة شكيمته، وشدة مراسه، كان فرداً واحداً بحول محدود، وضعفٍ مؤكد. فيجب ألا نحمل استنتاجاته ما لا تحتمل. لكن القيمة الكبرى في دعوة العوضي ليست في كل تفصيل جزئي، بل في إعادة فتح السؤال الذي أغلقه عصر الاستهلاك: هل نحن فعلًا نعيش بطريقة توافق طبيعة أجسادنا؟ لقد حاول الربيع العربي أن يغير الواقع السياسي للأمة، فلعلّ "الربيع الغذائي" يطمح إلى تغيير الإنسان نفسه: عاداته، وشهواته، وعلاقته بجسده وصحته. ولئن كان تغيير الإنسان أصعب من تغيير الأنظمة السياسية والحكومات، فإنه تغيير أكثر أغصاناً، وأوفر ثماراً، وأعمق جذوراً.
|
|