Post: #1
Title: انقلاب مايو والمؤرخ الكسول!!! كتبه الأمين مصطفى
Author: الأمين مصطفى
Date: 05-21-2026, 04:21 PM
04:21 PM May, 21 2026 سودانيز اون لاين الأمين مصطفى-السودان مكتبتى رابط مختصر
ليست الانقلابات العسكرية فى السودان سوى حلقاتٍ متصلة من مصادرة إرادة الشعوب باسم الثورة أو التصحيح أو حماية الوطن، بينما حقيقتها الدائمة هى الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح، ثم تحويل الدولة إلى ملكية خاصة للعراب والقائد والمجموعة المتآمرة. وقد ظلَّ “المؤرخ الكسول” ــ يتعامل مع تلك الانقلابات بعين الرومانسية السياسية، لا بعين النقد المؤسسى والتاريخى الذى يقرأ الوقائع والنتائج. فكلُّ التنظيمات الوافدة أو المؤدلجة التى اتخذت الانقلاب وسيلةً للوصول للحكم، بدأت بشعارات العدالة والحرية وحكم الشعب، ثم انتهت إلى قمع الشعب ذاته، وتوجيه سلاح الجيش إلى صدر المواطن، وتحويل المؤسسة العسكرية من عقيدة حماية الحدود والسيادة إلى أداةٍ للبطش الداخلى.
«إنَّ العراب الأول والثانى للانقلابات قد عبثوا بلجانهم المركزية ومجالس شوراهم، فهم كانوا المخططين عبر ضابط الاتصال المدنى الوحيد الذى لا يعرفه إلا العراب، الذى يمضى فى أفعاله باسم اللجنة أو الشورى، وكلٌّ يظن أن اللجنة أو المجلس قد انعقد فى غيابه والجميع غائب إلا العراب.»
وهذه العبارة تكشف جوهر الانقلاب: السرية، واحتكار القرار، والكذب التنظيمى، وتأليه الفرد الذى يعمل فوق المؤسسات حتى داخل حزبه نفسه. السمات المشتركة للانقلابات إنَّ المتأمل فى تاريخ الانقلابات السودانية يلحظ قاسماً مشتركاً بينها مهما اختلفت الشعارات: السرية والعمل عبر دوائر مغلقة. تنظيمات مؤدلجة لا تؤمن بالتداول السلمى للسلطة. تقديس القائد الفرد واحتكار الحقيقة. تبرير الانقلاب بحججٍ عاطفية أو واهية؛ كحماية الثورة أو تطبيق الشريعة أو إنقاذ الوطن أو اجراءات غير دستورية. والعراب يدبر فى انقلابي قبل هذه المبررات بعشرة سنين!!!! استخدام العسكري واجهةً للمشروع ثم التخلص منه لاحقاً عند تضارب المصالح ان اماكن ولم تحدث. تصفية الحلفاء قبل الخصوم. انتهاء التجربة بحكم فردى طويل يعقبه انفجار شعبى.
«فهو حين يسرق السلطة والناس نيام يكون قد فارق حد الثقافة إلى بلطجة زوار الليل، وهو حين يفعل ذلك يكون متكتماً حتى على أعضاء حزبه الانقلابي.»
وهنا يربط الكاتب بين الانقلاب والانحطاط الأخلاقى والسياسى؛ لأنَّ الانقلابى لا يمارس فعلاً ثورياً، بل يمارس “سرقة سلطة” مكتملة الأركان. مايو… من الثورة إلى الفرد لقد جاء انقلاب مايو تحت شعارات التحرر والتقدم، لكنه سرعان ما تحوّل إلى سلطة الفرد، وأصبح القائد العسكرى هو مركز الدولة والحزب والقرار. ولم يكن ذلك استثناءً، بل هو المصير الطبيعى لكل انقلاب. ونستشهد بما ورد فى محاكمة الشجرة بين فاروق عثمان حمد الله وجعفر نميرى:
«قال فاروق لنميرى فى محاكمة الشجرة: إنك لم تقم بأى دور فى انقلاب مايو، فرد نميرى بعجالة: ولماذا جعلتمونى رئيساً للمجلس؟ فقال فاروق: اسأل خالد الذى لن يجيبك، لأنه من رشحك لرئاسة المجلس لأنك بلا طموح.»
وهذه الشهادة تكشف كيف تختار التنظيمات الانقلابية الواجهة العسكرية التى تظن أنها بلا طموح سياسى، قبل أن تنقلب المعادلة ويبتلع العسكريُّ العرابَ نفسه، كما حدث فى مايو ويونيو وغيرهما. المؤرخ الكسول وتمجيد الانقلابات أنَّ أخطر ما فعله بعض الكُتّاب هو تجميل الانقلابات وتحويل قادتها إلى أبطال تاريخيين، رغم أن نتائجهم كانت خراب الدولة وتعطيل التطور الطبيعى للمجتمع. ولذلك نقول:
«ويمضى المؤرخ الكسول يمجد فى عرابى الانقلابات الثورية زوراً، والتى هى طموح غير شرعى لأفراد يكررون أدوات فاشلة تقطع تطور المجتمعات الطبيعى لأجل السلطة.»
«فهم انقلابيون بالفطرة ورؤساء من المهد إلى اللحد.»
وهذه العبارة تختصر أزمة النخب الشمولية التى لا تؤمن بالديمقراطية إلا تكتيكاً، بينما يبقى هدفها الحقيقى هو احتكار السلطة. الانقلاب وتدمير المؤسسية إنَّ الانقلاب لا يكتفى بسرقة السلطة، بل يدمّر المؤسسية داخل الأحزاب والجيش والدولة معاً.
«إن الذى يغرز مليشته فى الجيش منذ أوائل الخمسينات لا يحتاج لإصدار بيان سوى البيان الصفرى الذى يهدم المؤسسية إلى مليشيا العرابين.»
فالنتيجة النهائية لكل انقلاب هى تحويل الجيش الوطنى إلى أداة حزبية أو شخصية، وتآكل مفهوم الدولة لصالح الولاء التنظيمى. خاتمة لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لسلسلة الانقلابات التى قطعت تطوره الطبيعى لعقود طويلة، حتى وصلت البلاد إلى:
«مرحلة الدمار الشامل الذى لم يسلم منه فرد بفعل تراكم غزوات المغامرين لمدة 62 عاماً.»
ولذلك فإن الخروج من الدائرة الجهنمية للانقلابات لا يكون بتمجيد العرابين أو إعادة تدوير الشعارات القديمة، بل ببناء ثقافة ديمقراطية حقيقية ترفض الانقلاب باعتباره جريمة ضد المجتمع والدولة معاً. ولهذا :
«اعتماد المهنيين للديمقراطية نظاماً للحكم وعدم الاعتراف أو التعاون مع سلطة انقلابية يبقى هو صمام أمان لاستشراف الاستقرار والتنمية والمستقبل.»
|
|