Post: #1
Title: أبوالكوانين!!! كتبه الأمين مصطفى
Author: الأمين مصطفى
Date: 05-21-2026, 12:36 PM
12:36 PM May, 21 2026 سودانيز اون لاين الأمين مصطفى-السودان مكتبتى رابط مختصر
كان يقف كل صباح أمام بوابة المحكمة الكبرى، مرتدياً بدلة رمادية فقدت لونها الأصلى من كثرة الشمس والغبار، وتحت إبطه ملف منتفخ بالأوراق الصفراء، بينما تتدلى من جيبه ثلاثة أقلام حبر وكأنها أوسمة عسكرية. اسمه الحقيقى “محفوظ”، لكن الناس لا تعرفه إلا بلقبه الشهير: أبوالكوانين. وفى الأفلام العربية هناك شخصية “كاتب المحامى”، وفى السودان “العرضحالجى”، ذلك الرجل الذى يكتب العرائض ويهمس للناس بأسرار المحاكم كأنه رئيس القضاء نفسه. لكن أبوالكوانين كان يعتبر نفسه النسخة المطورة من الجميع. كان يقول دائماً: — “المحامى يقرأ القانون… لكن أنا القانون ذاتو بيستشيرنى!” ثم ينفخ صدره ويعدل ربطة عنقه التى تشبه حبل غسيل قديم. أمام طاولته الخشبية الصغيرة تتجمع طوابير البشر: رجل يريد شكوى ضد جاره لأنه “ينظر إلى عنزته بعين سيئة”، وامرأة تريد عريضة لأن زوجها تزوج عليها “بدون استشارة مجلس الأمن”، وشاب يريد استرداد هاتفه الذى سرقه ابن جارهم فى مناسبة عزاء. وكان أبوالكوانين يتعامل مع كل القضايا بنفس الجدية التاريخية. يبدأ أولاً بتنظيف حنجرته، ثم يكتب فى أعلى الصفحة بخط عريض: “إلى المقام العدلى السامى شديد السمو والاحترام والتقدير والهيبة…” ثم يلتفت للزبون قائلاً: — “الكلمات الكبيرة دى مهمة… القاضى لمن يشوفها يعرف إنو القضية خطيرة.” وذات صباح جاءه رجل بسيط اسمه “عم إدريس”، تبدو عليه الحيرة والخوف. قال له: — “يا أستاذ… عندى مشكلة مع جارى.” سأله أبوالكوانين وهو يفتح الملف: — “مدنية ولا جنائية ولا دستورية ولا فيها بعد دولى؟” ارتبك الرجل وقال: — “والله يا ولدى… حماره عضّنى.” ساد الصمت للحظة. ثم اعتدل أبوالكوانين فى جلسته كأن القضية وصلت لمحكمة لاهاى. — “واضح جداً… دى شروع فى أذى جسيم باستخدام حيوان مدرّب!” — “لكن الحمار مربوط يا أستاذ.” — “إذن مؤامرة مع سبق الإصرار.” وبدأ يكتب بحماس جنونى: “قام المتهم بتحريض الحيوان المذكور أعلاه للقيام بعمل عدائى يستهدف الأمن الجسدى للمواطن…” انبهر عم إدريس وقال: — “والله يا أستاذ كلامك بخوف.” ابتسم أبوالكوانين بثقة: — “القانون يا عم إدريس ما بخوّف… القانون بيرعب.” لكن شهرة أبوالكوانين لم تتوقف عند أبواب المحكمة. فمع انتشار الهواتف الذكية، اكتشف الرجل أن المستقبل ليس فى الملفات الورقية، بل فى “الواتس” و”القروبات”. فتح حساباً باسم: “المستشار الدولى أبوالكوانين — خبير فض النزاعات السيادية والعائلية” ووضع صورته الشخصية وهو يضع نظارة شمسية ويحمل كتاب قانون مقلوباً دون أن ينتبه. ومنذ ذلك اليوم صار يرسل “فتاويه القانونية” فى كل القروبات، من قروب الأسرة إلى قروب الحلة وحتى قروبات بيع الضأن. فإذا كتب أحدهم: “يا جماعة العسكر حيقفلوا الشارع بكرة.” يرد أبوالكوانين فوراً: — “حسب المادة الافتراضية من قانون الأمن الاستباقى، يحق للمواطن التنفس بشرط عدم الإزعاج السيادى.” وإذا كتب شخص ينتقد النظام، يظهر أبوالكوانين كأنه قوة تدخل سريع: — “أنصحك قانونياً بحذف الكلام… الحيطان عندها شاشة لقطات.” كان يعتبر نفسه “حاجز التصدى الأول”، لا لحماية الناس، بل لحماية النظام من تعليقات المواطنين وهم جالسون فى بيوتهم يشربون الشاى. حتى إنه صار يكتب منشورات طويلة تبدأ بـ: “تنويه قانونى عاجل للشعب الكريم…” ثم يختمها دائماً بعبارته الشهيرة: “المصدر: خبرتى الممتدة منذ ما قبل الاستقلال.” مع أنه بالكاد يعرف الفرق بين الدستور وفاتورة الكهرباء. وكان لديه أيضاً فريق شهود جاهز. شبان يجلسون تحت شجرة النيم القريبة، يحملون بطاقات صغيرة مكتوب عليها: “شاهد عيان — درجة أولى” “شاهد محايد — حسب الطلب” “خبير تعليقات إلكترونية” “لايكات وطنية مدفوعة” وإذا احتاج الزبون شاهداً، أو حتى مداخلة فى فيسبوك، يصفق أبوالكوانين مرتين، فيظهر أحدهم فوراً. وذات يوم قرر أن يتوسع أكثر، فعلق لافتة جديدة كتب عليها: “استشارات قانونية — فك خطوبات — كتابة اعتذارات رسمية — تنظيف منشورات قديمة قبل الاعتقال” لكن الكارثة حدثت عندما أرسل تسجيلًا صوتيًا فى أحد القروبات السياسية يقول فيه بثقة: — “أنا عندى معلومات مؤكدة جداً…” ثم اكتشف الجميع أن التسجيل أُرسل بالخطأ إلى قروب “لمة أولياء الأمور”. فساد الصمت لثوانٍ… ثم ردت أم أحمد: — “يا أستاذ… الواجب المدرسى حق الرياضيات وين؟” ومنذ ذلك اليوم صار اسم أبوالكوانين أشهر من المحكمة نفسها، حتى إن الناس لم يعودوا يسألون: “وين المحكمة؟” بل يقولون: — “وين الزول البفتى فى القانون والسياسة والواتساب؟”
,,,
|
|