جذور العنف وإعادة تشكيل بناء الوطن عبر الدم كتبه الصادق حمدين

جذور العنف وإعادة تشكيل بناء الوطن عبر الدم كتبه الصادق حمدين


05-19-2026, 01:58 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1779152283&rn=0


Post: #1
Title: جذور العنف وإعادة تشكيل بناء الوطن عبر الدم كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 05-19-2026, 01:58 AM

01:58 AM May, 18 2026

سودانيز اون لاين
الصادق حمدين-UK
مكتبتى
رابط مختصر







من الخطأ اختزال ثقافة العنف التي لازمت مسيرة بلادنا الحديثة في كونها نتاجاً للحروب أو الأزمات السياسية وحدها، لأن جذورها أعمق من ذلك بكثير، إذ تبدأ منذ اللحظات الأولى لتكوين الفرد داخل الأسرة والمجتمع. فالصبي، بمجرد أن يصبح قادراً على المشي والكلام وقليل من الاستيعاب، يدخل مبكراً في منظومة صارمة من التربية تقوم على الفصل الحاد بينه وبين البنات في مثل سنه، وكأن وجوده وسطهن جريمة تستوجب الزجر وربما العقوبة الجسدية. هذه التربية لا تزرع فقط القسوة، بل تؤسس أيضاً لنظرة جافة تجاه المرأة، خالية من الرومانسية والمجاملات والمشاعر التي تحتاجها العلاقة الإنسانية الطبيعية.

وتتجلى بذور العنف كذلك في طريقة تعامل الأسرة مع خلافات الأطفال. فإذا عاد الصبي إلى منزله باكياً بعد شجار مع أحد أقرانه، لا أحد يسأله عن أصل المشكلة أو يحاول احتواء الموقف، بل يُعنف وربما يُضرب لأنه عاد مهزوماً، ويُدفع دفعاً للرجوع و”أخذ حقه بيده”، أي ضرب من ضربه. هكذا تتحول الخصومة الصغيرة إلى ثقافة ثأر مبكرة قد تمتد آثارها حتى المراهقة، وربما إلى نهاية عمر المتخاصمين.

حتى خطابنا الوطني لا يخلو من تمجيد العنف والموت. فعندما نقارن نشيدنا الوطني بنشيد دولة مجاورة يقول: “بلادي بلادي لك حبي وفؤادي”، نجد أن نشيدنا يردد: “نتحدى الموت عند المحن”. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا أصبح الموت هو التحدي المركزي في وجداننا الجمعي، بينما فشلنا تاريخياً في تحدي الحياة نفسها؟ لماذا لا نغني للحياة، للسلام، للبناء، بدلاً من تمجيد الفناء والصمود في وجهه؟

أما التراث الغنائي الشعبي، فهو بدوره يعج بمفردات السموم والحيات والأفاعي والثعابين، مثل: “سم ابدرق البصقع جدري القيح البفقع”، والمفارقة أن هذه الكلمات تأتي أحياناً في أغنيات تحمل عناوين تبدو ودية مثل “أنا ليهم بقول سلام”. وكأن حتى السلام في وعينا الشعبي لا يمكن التعبير عنه إلا عبر لغة مشبعة بالقسوة والعنف والدم والسموم. وتحضرني أيضاً أغنية دخلوها وصقيرا حام، وكأن الوطن قد أصبح مشرحة مفتوحة تعج بالجثث!

وفي حياتنا الاجتماعية اليومية، تكون المسميات والالقاب بحسب الجغرافية والجهة، فيبدأ التنمر من البيت ولا ينتهي في الشارع. فمن كان به حَوَلْ يُعرف بـ”فلان الأحوص”، أو "كِنّجٍسْ" ومن ضعف بصره يسمى "نَمَكْ" بتعطيش حرف العين، ومن فقد البصر في إحدى عينيه يصبح “فلان الأعور”، ومن استكرش سمنة يقال له "فلان "أبكرش" ومن فقد شعره فلقب "أبصلعة" يلتصق به حتى يُحمل على آلة حدباء، ومن فقد شعره من الأمام فقد اسمه الأصلي وصار "أبجلحة".

وهناك "الدّعُول" و "الهنمبول" و "هبللو" "والعنبلوك". ومن قصرت قامته وهزل جسده اختفى اسمه الأصلي إلى أبد حياته وأصبح "البعيو" هو اسمه البديل، وما يدهشني هو التصالح مع هذه الأسماء حتى من أطلقت عليه يتقبلها راضياًحامداً شاكراً!

بل الأكثر اثارة للدهشة أن الشخص نفسه قد لا يستجيب لاسمه الحقيقي بقدر استجابته لهذا اللقب الجارح. وفي بعض مناطق غرب السودان يُطلق على من أصيبت رجله بالشلل لقب “أبكرنك” أو “الأعرج”، وكأن الإعاقة تتحول إلى هوية رسمية. وكذلك الحال مع “أبراسين” "وأبدومة" "وأبفقرة" و”أبنخرة” "وأبضنين" وغيرها من الألقاب التي تُختزل فيها إنسانية الفرد في مسألة خلقية تقع تحت تقدير الخالق أو حالة صحية طارئة يمكن علاجها.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فحتى أصحاب الأوزان الزائدة لا يسلمون من السخرية الجماعية عبر عبارات مثل: “السمين بقع والضعيف بقيف”، وهي كلمات تُقال في شكل لحن جماعي قد يشارك فيه الشخص المستهدف نفسه، بعدما نجح المجتمع في تطبيع الإهانة وتحويلها إلى مادة للضحك والتسلية.

إن العنف الذي رافق تاريخ بلادنا لم يأتِ من فراغ، بل هو حاضر في تربيتنا، وفي مفرداتنا، وفي أغنياتنا، وفي طريقة تعاملنا مع بعضنا البعض منذ الطفولة. وما لم تبدأ عملية الإصلاح من داخل البيت ثم المدرسة، فلن يتغير شيء. فالمجتمع الذي يربي أبناءه على القسوة، وعلى رد الإهانة بالإهانة، وعلى تصنيف الناس والتنمر عليهم، لا يمكنه أن ينتج سلاماً حقيقياً.

ولعل أكثر ما يكشف هشاشة ثقافة التسامح لدينا هو سهولة الانزلاق إلى الاقتتال لأتفه الأسباب. فقد تتحول بضعة أمتار تفصل بين مزرعتين إلى سبب لمقتلة بين أهل قرية واحدة، بدلاً من اللجوء إلى القانون وحل النزاع ودياً. والخلاف حول إمرأة قد يتطور ويموت فيه العشرات سنبلة دون أن يعرف بعضهم بأي ذنب قتل، وفي أيامنا هذه أصبح "الموبايل" آلة قتل ذهبت بسببها أرواح بريئة. وأحياناً تكون الأسباب أكثر تفاهة، لكن العنف يظل الخيار الأسرع والأكثر حضوراً.

في هذا السياق يصبح مفهوماً أن يعلن الطاغية عمر البشير أمام الملأ في حربه على دارفور وأهلها بأنه "لا يريد أسيراً ولا جريحاً" وجعلت من البرهان أن يردد عباراته المتكررة: “سوف نقاتلهم لآخر جنجويدي”، فهما بدورهما أبناء لهذه البيئة المشبعة بثقافة العنف والموت، حيث تغيب مفردات السلام والمحبة عن القاموس التربوي منذ البدايات الأولى.

كان بإمكاننا أن نبني هذا الوطن على قيم التسامح والإخاء والمحبة، وأن نجعل من اختلافاتنا جسوراً للتعايش لا أسباباً للقطيعة والاقتتال، إلا أن قدر هذا البلد ظل مرهوناً بإعادة تشكيله عبر سلسال الدم، وعبر تلك العبارة التي تتكرر في كل منعطف مأساوي: “ستكون هذه الحرب آخر الحروب”. والحقيقة أن من يرددها يدرك، في قرارة نفسه، أن الحروب الأهلية لا تولد من فراغ، وأن جذورها الحقيقية كامنة في طريقة تفكيرنا، وفي أساليب تربيتنا، وفي العنف المتغلغل داخل الفرد السوداني منذ سنواته الأولى.

إن تجاهل هذه الجذور لن يصنع سلاماً دائماً، بل سيؤجل الانفجار القادم فقط، لأن الحرب التي لا تُعالج أسبابها تتناسل من نفسها، وتعود بأشكال أكثر قسوة ووحشية، حرباً لا تُبقي ولا تذر. لذلك فإن معركة الوطن الحقيقية ليست في ساحات القتال وحدها، بل في إعادة بناء الإنسان نفسه، وفي مراجعة ثقافتنا الاجتماعية والتربوية التي صنعت كل هذا الخراب.

أصل فكرة المقال وردت على لسان أحد النابهين يدعى خالد في صفحة "ود السر في التيك توك"