Post: #1
Title: دَوْرُى الْمِلِيشِيَاتِ وَالِانْقِلَابِيِّينَ فِي ظِلِّ “الِانْتِقَالَاتِ الصَّيْفِيَّةِ” لِلْقُوَى
Author: الأمين مصطفى
Date: 05-18-2026, 10:36 AM
10:36 AM May, 18 2026 سودانيز اون لاين الأمين مصطفى-السودان مكتبتى رابط مختصر
لَمْ تَعُدِ الْمَوَاجِهَاتُ الْمُسَلَّحَةُ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ فِي الْمَنَاطِقِ الْمُلْتَهِبَةِ حَوَادِثَ عَابِرَةً يُمْكِنُ تَجَاوُزُهَا بِبَيَانٍ عَسْكَرِيٍّ أَوْ تَوْضِيحٍ أَمْنِيٍّ مُقْتَضَبٍ؛ بَلْ أَصْبَحَتْ تَعْكِسُ وَاقِعًا أَكْثَرَ خُطُورَةً، يَتَمَثَّلُ فِي تَعَدُّدِ الْقُوَى الْمُسَلَّحَةِ، وَتَضَارُبِ وَلَاءَاتِهَا، وَتَحَوُّلِ بَعْضِهَا إِلَى أَدَوَاتِ نُفُوذٍ سِيَاسِيٍّ وَعَسْكَرِيٍّ خَارِجَ إِطَارِ الدَّوْلَةِ. وَقَدْ جَاءَ الِاشْتِبَاكُ الَّذِي وَقَعَ السَّبْتَ عَلَى طَرِيقِ شِرْيَانِ الشَّمَالِ قُرْبَ نُقْطَةِ “الْكِيلُو 7”، وَأَدَّى إِلَى إِصَابَةِ عَدَدٍ مِنْ جُنُودِ الْجَيْشِ وَعَنَاصِرِ مليشيا الْمُشْتَرَكَةِ، لِيُعِيدَ إِلَى الْوَاجِهَةِ سُؤَالَ السُّلْطَةِ وَالْقُوَّةِ وَحَقِّ حَمْلِ السِّلَاحِ. فَحَسَبَ مَصَادِرَ مَيْدَانِيَّةٍ، بَدَأَتِ الْمُوَاجَهَةُ عِنْدَمَا تَجَاوَزَتْ عَرَبَةٌ تَابِعَةٌ لمليشيا الْمُشْتَرَكَةِ حَاجِزًا أَمْنِيًّا دُونَ الِامْتِثَالِ لِإِجْرَاءَاتِ التَّفْتِيشِ، قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّرَ الْمَوْقِفُ إِلَى تَبَادُلٍ لِإِطْلَاقِ النَّارِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ. مِنَ الدَّوْلَةِ إِلَى “سُوقِ السِّلَاحِ” إِنَّ أَخْطَرَ مَا فِي الْمَشْهَدِ لَيْسَ الِاشْتِبَاكَ نَفْسَهُ، بَلِ الْبِنْيَةُ الَّتِي أَنْتَجَتْهُ. فَعِنْدَمَا تَتَعَدَّدُ الْقُوَى الْمُسَلَّحَةُ، وَتَتَوَزَّعُ بَيْنَ جَيْشٍ انقلابي، ومليشيا مُشْتَرَكَةٍ، ومليشيا مَحَلِّيَّةٍ، ومليشيات ذَاتِ طَابَعٍ عَقَائِدِيٍّ أَوْ جِهَوِيٍّ، فَإِنَّ الدَّوْلَةَ تَفْقِدُ احْتِكَارَهَا الطَّبِيعِيَّ لِلْعُنْفِ الْمُنَظَّمِ، وَتَتَحَوَّلُ الْمَنَاطِقُ الْعَسْكَرِيَّةُ إِلَى مَسَاحَاتِ تَنَافُسٍ وَتَصْفِيَةِ حِسَابَاتٍ. وَلَعَلَّ مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ الْمُرَاقِبِينَ “الِانْتِقَالَاتُ الصَّيْفِيَّةُ” لِلْمُقَاتِلِينَ، يُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ سُوقَ انْتِقَالَاتِ لَاعِبِي كُرَةِ الْقَدَمِ؛ حَيْثُ تَتَنَقَّلُ الْوَلَاءَاتُ وَالْقِيَادَاتُ وَحَتَّى الْعَتَادُ مِنْ جِهَةٍ إِلَى أُخْرَى وَفْقًا لِلْمَصَالِحِ وَالدَّعْمِ وَالنُّفُوذِ، لَا وَفْقًا لِلْعَقِيدَةِ الْوَطَنِيَّةِ أَوِ الِانْضِبَاطِ الْعَسْكَرِيِّ. تَارِيخٌ مِنَ الِاصْطِدَامَاتِ لَيْسَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ الْأُولَى مِنْ نَوْعِهَا؛ فَالْأَرْشِيفُ الْعَسْكَرِيُّ وَالْإِعْلَامِيُّ حَافِلٌ بِحَوَادِثَ مُمَاثِلَةٍ، مِنْهَا: اشْتِبَاكَاتُ نِقَاطِ التَّفْتِيشِ فِي دَارْفُورَ وَكُرْدُفَانَ خِلَالَ السَّنَوَاتِ الْمَاضِيَةِ بَيْنَ قُوَّاتٍ نِظَامِيَّةٍ وَأُخْرَى شِبْهَ عَسْكَرِيَّةٍ. الْمُوَاجَهَاتُ الَّتِي وَقَعَتْ بَعْدَ تَفَكُّكِ بَعْضِ الِاتِّفَاقَاتِ الْأَمْنِيَّةِ، حَيْثُ ظَهَرَتْ مُشْكِلَةُ تَعَدُّدِ سَلَاسِلِ الْقِيَادَةِ. أَزْمَةُ الدَّمْجِ الْعَسْكَرِيِّ الَّتِي ظَلَّتْ عَالِقَةً مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَالَّتِي تَسَبَّبَتْ فِي بَقَاءِ الْكَثِيرِ مِنَ الْفَصَائِلِ بِهُوِيَّاتِهَا الْمُسْتَقِلَّةِ. وَقَدْ كَتَبَ الْبَاحِثُ السِّيَاسِيُّ صَامُوئِيل هَنْتِنْغْتُونْ فِي كِتَابِهِ “الْجُنْدِيُّ وَالدَّوْلَةُ” قَائِلًا:
“إِنَّ الْجَيْشَ الَّذِي لَا يَخْضَعُ لِسُلْطَةٍ وَطَنِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ، يَتَحَوَّلُ إِلَى مَصْدَرِ تَهْدِيدٍ لِلدَّوْلَةِ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدَاةً لِحِمَايَتِهَا.”
كَذَلِكَ يُشِيرُ تَقْرِيرٌ لِـ الأمم المتحدة إِلَى أَنَّ “تَعَدُّدَ الْفَصَائِلِ الْمُسَلَّحَةِ وَغِيَابَ الْقِيَادَةِ الْمُوَحَّدَةِ يُعَدَّانِ مِنْ أَبْرَزِ مُعَوِّقَاتِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الدُّوَلِ الَّتِي تَمُرُّ بِمَرَاحِلِ انْتِقَالِيَّةٍ.” الِانْقِلَابِيُّونَ وَتَغْذِيَةُ الْفَوْضَى لَا يَعِيشُ الِانْقِلَابِيُّونَ فِي بِيئَةِ الِاسْتِقْرَارِ، بَلْ يَزْدَهِرُونَ فِي الْفَوْضَى وَتَشَظِّي السُّلْطَةِ. فَكُلَّمَا ضَعُفَتِ الْمُؤَسَّسَاتُ، وَتَعَدَّدَتِ الْجُيُوشُ، وَتَفَكَّكَتِ الْقِيَادَاتُ، أَصْبَحَتِ الْأَرْضُ مُمَهَّدَةً لِظُهُورِ مَشَارِيعِ الِانْقِلَابِ وَفَرْضِ الْأَمْرِ الْوَاقِعِ بِقُوَّةِ السِّلَاحِ. إِنَّ أَيَّ قُوَّةٍ مُسَلَّحَةٍ تَضَعُ نَفْسَهَا فَوْقَ سُلْطَةِ الدَّوْلَةِ، أَوْ تَرْفُضُ الِامْتِثَالَ لِلْإِجْرَاءَاتِ النِّظَامِيَّةِ، إِنَّمَا تُسَاهِمُ — بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشِرٍ — فِي إِضْعَافِ هَيْبَةِ الدَّوْلَةِ وَتَكْرِيسِ مَنْطِقِ الْمِلِيشِيَا. بَيْنَ الْوَطَنِ وَالْبُنْدُقِيَّةِ السُّؤَالُ الْحَقِيقِيُّ الْيَوْمَ لَيْسَ: مَنْ أَطْلَقَ الرَّصَاصَةَ الْأُولَى؟ بَلْ: كَيْفَ وَصَلْنَا إِلَى مَرْحَلَةٍ تُصْبِحُ فِيهَا الْبُنْدُقِيَّةُ أَعْلَى مِنَ الْقَانُونِ؟ إِنَّ الدُّوَلَ لَا تُبْنَى بِالْكَتَائِبِ الْمُتَنَافِسَةِ، وَلَا بِتَبَادُلِ النُّفُوذِ وَالْوَلَاءَاتِ، بَلْ بِمُؤَسَّسَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، تَخْضَعُ لِدُسْتُورٍ وَطَنِيٍّ، وَتَعْمَلُ بِعَقِيدَةٍ تُؤْمِنُ بِالْوَطَنِ قَبْلَ الْفَصِيلِ وَالْجِهَةِ. وَإِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ، سَتَبْقَى “الِانْتِقَالَاتُ الصَّيْفِيَّةُ” بَيْنَ الْمِلِيشِيَاتِ وَالْفَصَائِلِ عُنْوَانًا لِمَرْحَلَةٍ مُرْبِكَةٍ، تَخْتَلِطُ فِيهَا السِّيَاسَةُ بِالسِّلَاحِ، وَالْوَطَنِيَّةُ بِالْمَصَالِحِ، وَالْجَيْشُ بِالْمِلِيشِيَا. كسرة،،، خصخصة الجيش الى مليشيات، سياسة الانقلاب: الخصخصة تطرح سؤالًا سياسيًا وفلسفيًا قديمًا بصيغة جديدة: إذا تخلّت الدولة عن القطاعات الأساسية، فما الذي يبقى من معنى “الدولة” أصلًا؟ تقليديًا، الدولة ليست مجرد جهاز جباية أو سلطة أمنية، بل عقد اجتماعي: المواطن يدفع الضرائب ويلتزم بالقانون، مقابل أن تضمن الدولة الحد الأدنى من: الأمن والدفاع، العدالة، التعليم، الصحة، البنية التحتية، الماء والكهرباء والطاقة، وحماية المجال العام من الاحتكار والنهب. عندما تُخصخص هذه المجالات بالكامل، يتحول دور الدولة من “راعية للمصلحة العامة” إلى: منظم للسوق فقط، أو وسيط بين الشركات والمجتمع، أو أحيانًا مجرد جهاز جباية وحماية للنظام القائم. وهنا يظهر التناقض الذي تشير إليه: إذا كان المواطن سيدفع ثمن التعليم والصحة والكهرباء والماء والوقود من السوق، بينما تبقى السلطة السياسية تحتكر القانون والقوة والضرائب، فالسؤال يصبح: ما الفرق بين الدولة وبين شركة ضخمة تملك أدوات القسر؟ المشكلة ليست دائمًا في الخصخصة بحد ذاتها، بل في: غياب الرقابة، ضعف القضاء، احتكار السوق، الفساد القانوني، وتحويل الخدمات الأساسية إلى سلع خاضعة للربح فقط. ففي بعض الدول، توجد خصخصة جزئية لكن مع: ضمان صحي شامل، تعليم عام قوي، دعم للفقراء، رقابة صارمة على الشركات، ومحاسبة حقيقية. أما حين تُرفع يد الدولة دون وجود مؤسسات قوية، فالنتيجة غالبًا: اتساع الفجوة الطبقية، تراجع فكرة المواطنة، وتحول الحقوق الأساسية إلى امتيازات لمن يستطيع الدفع. أما “الفساد عبر الحماية القانونية” ، فهو وصف قريب مما يسميه بعض المفكرين: “الفساد المقنن”، أو “شرعنة النهب”. أي أن المشكلة لا تكون في خرق القانون، بل في صياغة قوانين تسمح بتحويل المال العام أو الموارد العامة إلى مصالح خاصة بشكل يبدو قانونيًا شكليًا، لكنه يفقد العدالة الاجتماعية والمعنى الأخلاقي للدولة. لذلك يدور الجدل السياسي الحديث حول سؤال أساسي: هل الدولة وُجدت لخدمة السوق، أم أن السوق أداة داخل مجتمع تقوده الدولة لتحقيق الصالح العام؟ وهذا الجدل ليس اقتصاديًا فقط، بل يتعلق بفكرة: الكرامة، المواطنة، السيادة، ومعنى العدالة داخل الوطن. ،،،،،
|
|