عضوية السودان في منظمة التجارة العالمية: آثارها التوزيعية الحميدة لتقليص الفوارق بين المركز والهامش

عضوية السودان في منظمة التجارة العالمية: آثارها التوزيعية الحميدة لتقليص الفوارق بين المركز والهامش


05-18-2026, 02:59 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1779069563&rn=0


Post: #1
Title: عضوية السودان في منظمة التجارة العالمية: آثارها التوزيعية الحميدة لتقليص الفوارق بين المركز والهامش
Author: فضل محي الدين طاهر
Date: 05-18-2026, 02:59 AM

02:59 AM May, 17 2026

سودانيز اون لاين
فضل محي الدين طاهر-جنيف
مكتبتى
رابط مختصر



عضوية السودان في منظمة التجارة العالمية: آثارها التوزيعية الحميدة لتقليص الفوارق بين المركز والهامش.


د. فضل محي الدين طاهر

إن جوهر الأزمة السودانية ليس صراعًا على الهوية ولا صراعاً ايدولوجيا بقدر ما هو تشابك معقد بين السلطة والثروة أنتجه اقتصاد سياسي مشوه اعتمد على المحاصصات والاعتبارات القبلية والجهوية. وبناءً على ذلك استند الاقتصاد على "العقلية الريعية" التي قسمت السودان عمليًا إلى مركز يمنح الامتيازات ويوزع المناصب ويمتص فائض القيمة، وهامش يتم نهب موارده واستنزافه لصالح نخب المركز والهامش معاً. وكانت النتيجة فوارق جهوية وإثنية وقبلية صارخة، تحولت إلى وقود لحروب السودان المختلفة. ولضمان احتكارها على موارد الدولة وتمتعها بالامتيازات، تحالفت هذه النخب اقتصاديا وسياسياً مع المحاور الإقليمية والدولية الأمر الذي جعل السياسات الاقتصادية تخدم في المقام الأول مصالح تلك المحاور بدلاً عن تسخير هذه الموارد لمعالجة الشواغل الإنمائية للدولة.

لذلك، ينبغي أن يستند أي برنامج للتعافي الاقتصادي المبكر لفترة ما بعد الحرب على مقاربة جديدة وآلية قوية لتقليل مساحة المناورة للنخب الفاسدة لاستخدام السياسات الاقتصادية والتجارية كأداة سيطرة وابتزاز. وفي نفس الوقت تفتح هذه المقاربة الباب أمام ميلاد طبقة وسطى جديدة لا ترتبط مصالحها بالدولة الريعية بل بدولة المؤسسات وبالإنتاج والتصدير ومن كافة الجغرافية السودانية.

وعليه فإن مواصلة جهود إدماج السودان في الاقتصاد العالمي واستغلال عملية الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ينبغي أن لا تكون فقط لاعتبارات تجارية أو دبلوماسية ، بل أيضاً إلى هندسة "آثار توزيعية حميدة" تعالج جذور حروب السودان المختلفة. فالقواعد التي تبدو "تجارية" في ظاهرها، هي في جوهرها أدوات لتفكيك الإطار القديم للاقتصاد السياسي، وبناء إطار جديد يوقف استنزاف الموارد من قبل النخب وكما يقلل الفوارق ويصنع السلام.

كيف تنتج مبادئ وقواعد المنظمة آثارًا توزيعية جديدة في السودان وتقلل الفوارق؟

مبدأ الحماية بالتعريفات: إنهاء ريع المركز على حساب الهامش وذلك باستبدال الحماية التي تتم عبر "حظر الاستيراد" أو "الحصص" والتي تفيد بطبيعة الحال دوائر قريبة من السلطة، بالحماية عن طريق التعريفات الجمركية. الأمر الذي سيقلل الفجوة بين المركز والهامش تلقائيًا.

مبدأ الدولة الأولى بالرعاية: تفكيك شبكات المحاباة الإثنية والقبلية. وهذا بدوره سيعني بان
أي ميزة تجارية تُمنح لأي جهة يجب أن تعمم على الجميع وتطبيقه على عقود الإعمار يعني أيضاً : عطاء مفتوح، شفاف، لا يراعي القبيلة ولا الانتماء السياسي. حيث تكون المنافسة على أساس الجودة والسعر، لا على أساس "من تعرف". وهذا بدوره سيعزز فرص السلام الدائم بتقوية مكانة الطبقة الوسطى ودورها في التماسك الاقتصادي والاجتماعي والسياسي .

مبدأ المعاملة الوطنية: بناء سوق وطني واحد يكسر عزلة الهامش
يمنع مبدأ المعاملة الوطنية التمييز داخل السوق وفرض الجبايات في المناطق المختلفة. ونحسب أن هذا يساعد كثيراً على مشاركة الجميع في سلاسل القيمة الوطنية والدولية. وعندما يتوحد الشعور بالمصلحة المشتركة، تتقلص الفوارق الجهوية فضلاً عن تسريع عملية رتق النسيج الاجتماعي.

الشفافية: سلاح الهامش والمهمشين ضد اقتصاد الغرف المغلقة،
تلزم قواعد الشفافية الدولة بنشر كل شيء. الشفافية هي أداة إعادة توزيع للسلطة من المركز إلى الهامش وبالتالي معالجة الاختلالات الهيكلية والتفاوت التنموي .

ومجمل القول بأن الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية سيؤدي ضمن جملة أمور إلى آثار توزيعية حميدة على ثلاثة مستويات:

جهويًا: من خلال كسر احتكار المركز لأدوات الحماية والعطاءات، وتمكين منتجي الهامش من رعاة ومزارعين الوصول العادل للسوق الوطني والعالمي.
إثنيًا وقبليًا: من خلال استبدال معيار "الولاء" بمعيار "الكفاءة" في توزيع العقود والفرص، فلا تعود القبيلة هي جواز المرور للثروة.
اجتماعيًا: من خلال تمكين المزارعين والرعاة والمنتجين الصغار، ورفع مستوى معيشتهم، فيتقلص الدافع الاقتصادي لحمل السلاح كوسيلة وحيدة للمطالبة بالحقوق.

إن العقلية الريعية كانت وما زالت توزع "الغنائم او الريع" على أساس القرب من السلطة، وكانت النتيجة حرب الكل ضد الكل كما هو الحال اليوم. أما الإطار الجديد الذي ستفرضه قواعد المنظمة، فيوزع "الفرص" على أساس قواعد معلنة تسري على الجميع.

لذلك، وعلي خلفية فشل الجميع في بناء دولة المؤسسات،فإن ملف الانضمام ينبغي ان لا يكون ملفًا تجاريًا معزولًا، بل مشروعا لهندسة اجتماعية وسياسية واقتصادية شاملة . هو الآلية التي ستجعل السلام خيارًا اقتصاديًا عقلانيًا للمهمشين قبل النخب، وللهامش قبل المركز. وهو الضمانة كي يكون شعار "الحرية والسلام والعدالة" الذي رفعه الثوار وما زال، واقعًا مؤسسيًا محميًا بقواعد دولية، لا وعدًا سياسيًا مرهونًا بمزاج الحاكم. ‎

Envoyé de mon iPhone