عرفات… مشهد الدنيا وصورة الآخرة كتبه عبدالرحمن محمـــد فضــل

عرفات… مشهد الدنيا وصورة الآخرة كتبه عبدالرحمن محمـــد فضــل


05-17-2026, 01:44 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1779021884&rn=0


Post: #1
Title: عرفات… مشهد الدنيا وصورة الآخرة كتبه عبدالرحمن محمـــد فضــل
Author: عبدالرحمن محمد فضل
Date: 05-17-2026, 01:44 PM

01:44 PM May, 17 2026

سودانيز اون لاين
عبدالرحمن محمد فضل-السعودية
مكتبتى
رابط مختصر




عمود ظِلَال القمــــــر

amff95@yahoo.com.


في كل عام ومع إشراقة اليوم التاسع من ذي الحجة تتجه أنظار المسلمين إلى صعيد عرفات حيث يقف ملايين الحجاج في مشهد مهيب تتلاشى فيه الفوارق وتتجرد فيه النفوس من زخارف الدنيا ليبقى الإنسان في أصدق حالاته بين يدي خالقه هناك في ذلك الموقف العظيم حيث تتجسد معاني العبودية الخالصة ويقترب القلب من إدراك حقيقة الوجود ومآله، إن الوقوف بعرفة ليس مجرد ركن من أركان الحج بل هو لوحة إيمانية تعكس صورة مصغرة ليوم الحشر حيث يجتمع الناس حفاةً بقلوب واجفة وألسنة ضارعة يرجون رحمة الله ويخشون عذابه مشهد تتوحد فيه الوجوه نحو السماء في استحضار عميق ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وفي هذا المقام تتجلى قيمة الدعاء والتضرع إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الحج عرفة” في إشارة إلى عظمة هذا الركن وخصوصية هذا اليوم الذي تُرجى فيه المغفرة وتُرفع فيه الدرجات حتى كأنه موعد سنوي لميلاد روحي جديد، ومع إشراقة يوم النحر تتواصل الدلالات الإيمانية في شعيرة الأضحية التي تحكي قصة التسليم المطلق لأمر الله كما تجلت في موقف أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه فاستجاب للأمر الإلهي دون تردد مستسلمًا لحكمة الله ومشيئته، ولعل الأبلغ في هذه القصة ليس فقط طاعة الأب بل استجابة الابن إسماعيل عليه السلام الذي جسّد أسمى معاني الإيمان بقوله: “يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين” إنها لحظة تختزل قمة اليقين حيث يلتقي الإيمان بالفعل ويترجم التسليم إلى واقع حي وقد خلد الله هذا الموقف بالفداء العظيم لتبقى الأضحية رمزًا دائمًا للطاعة والتجرد ودعوة متجددة لأن يراجع الإنسان علاقته بربه ويختبر مدى استعداده للتضحية في سبيل ما يؤمن به وهكذا بين عرفات ومنى تتكامل مشاهد الحج في رسم صورة متكاملة لمعاني الإيمان من وقفة التأمل والخشوع إلى فعل الطاعة والبذل إنه موسم يعيد ترتيب الأولويات ويذكر الإنسان بأن رحلته في الدنيا قصيرة وأن الغاية الأسمى هي النجاة يوم العرض الأكبر، في عرفات يرى الحاج صورة الآخرة بعين البصيرة، وفي الأضحية يعيش معنى التسليم بكل جوارحه وبين هذا وذاك يظل الحج مدرسة إيمانية كبرى تعيد للروح صفاءها وتمنح القلب يقينًا لا يتزعزع.