معاول الهدم السودانية: كيف ساهمت الأنظمة العسكرية والمدنية في تفكيك الدولة السودانية؟ كتبه وليام كو

معاول الهدم السودانية: كيف ساهمت الأنظمة العسكرية والمدنية في تفكيك الدولة السودانية؟ كتبه وليام كو


05-17-2026, 11:00 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1779012014&rn=0


Post: #1
Title: معاول الهدم السودانية: كيف ساهمت الأنظمة العسكرية والمدنية في تفكيك الدولة السودانية؟ كتبه وليام كو
Author: وليام كودى
Date: 05-17-2026, 11:00 AM

11:00 AM May, 17 2026

سودانيز اون لاين
وليام كودى-
مكتبتى
رابط مختصر



معاول الهدم السودانية: كيف ساهمت الأنظمة العسكرية والمدنية في تفكيك الدولة السودانية؟

لم يكن السودان يوماً دولة فقيرة في موارده أو محدودة في قدراته البشرية. فمنذ بدايات القرن العشرين، امتلك السودان جهازاً إدارياً محترماً، ومؤسسة عسكرية ذات سمعة إقليمية، ونظاماً تعليمياً يُعد من الأقوى في إفريقيا والعالم العربي، وحركة رياضية وثقافية نشطة. لكن ما جرى خلال العقود المتعاقبة يشبه عملية هدم طويلة ومنهجية، شاركت فيها أنظمة عسكرية ومدنية على حد سواء، حتى انتهى السودان إلى دولة تتآكل مؤسساتها من الداخل.

إن أخطر ما أصاب السودان لم يكن الاستعمار وحده، بل “معاول الهدم السودانية” التي حملها السودانيون بأيديهم ضد دولتهم ومجتمعهم ومؤسساتهم.

عبود: بيع حلفا القديمة وتهجير الذاكرة

حين وقع نظام الفريق إبراهيم عبود اتفاقية السد العالي مع مصر، لم يكن الثمن مجرد إغراق مدينة، بل إغراق ذاكرة كاملة وتاريخ ضارب في القدم. غرقت حلفا القديمة تحت مياه بحيرة النوبة، وتم تهجير أهلها قسراً إلى خشم القربة في واحدة من أكبر عمليات الاقتلاع النفسي والاجتماعي في تاريخ السودان الحديث.

لم يكن النوبيون مجرد سكان فقدوا منازلهم، بل شعب اقتُلعت جذوره من الأرض التي عاش عليها آلاف السنين. وحتى اليوم، ما تزال آثار الصدمة النفسية والاجتماعية والثقافية حاضرة في وجدان أبناء حلفا، وكأن الجرح لم يندمل.

لقد شعر كثير من السودانيين وقتها أن النظام العسكري قدّم أرضاً سودانية وتاريخاً سودانياً إرضاءً لحسابات خارجية، دون اعتبار للإنسان السوداني أو لتراثه الحضاري.

نميري: حين انهار التعليم والرياضة معاً

ثم جاء انقلاب جعفر نميري، ليبدأ فصل جديد من إعادة تشكيل السودان بصورة ارتجالية دفعت البلاد ثمنها لعقود.

كان السودان يمتلك سلماً تعليمياً مستقراً وراسخاً:

أربع سنوات للمرحلة الأولية،
أربع سنوات للمرحلة المتوسطة،
أربع سنوات للمرحلة الثانوية.
ذلك النظام أنتج أجيالاً من المعلمين والأطباء والمهندسين والإداريين الذين عملوا داخل السودان وخارجه بكفاءة عالية. لكن التغيير إلى نظام “6 ـ 3 ـ 3” لم يكن مجرد تعديل إداري، بل زلزالاً أصاب بنية التعليم نفسها. اختلطت المناهج، وضعفت المخرجات، وفقد التعليم السوداني تدريجياً مكانته التاريخية، حتى أصبح السودان الذي كان يصدّر المعلمين، يعاني من انهيار مدارس وجامعات وهجرة عقول مستمرة.

ولم يتوقف الأمر عند التعليم. فقد امتدت يد السلطة إلى الرياضة عبر مشروع “الرياضة الجماهيرية”، الذي رفع شعارات شعبوية لكنه عملياً دمّر البنية التقليدية للرياضة السودانية. تراجعت الأندية، وضعفت المنافسات، وانهارت البيئة التي كانت تنتج المواهب الرياضية. ومنذ ذلك الوقت، لم تستعد الرياضة السودانية عافيتها الحقيقية.

البشير: تفكيك المؤسسة العسكرية من الداخل

أما حقبة عمر حسن أحمد البشير، فهي ربما الأكثر تعقيداً وخطورة. فالرجل القادم من المؤسسة العسكرية، والذي يُفترض أنه يدرك قيمة الجيوش الوطنية، قاد ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ عملية تفكيك تدريجي للمؤسسة العسكرية السودانية.

والجيش السوداني لم يكن مؤسسة هامشية في تاريخ البلاد. فقد شارك جنوده في حروب متعددة خارج السودان:

ضمن الحملات العثمانية،
وتحت الإدارة البريطانية في الحرب العالمية الثانية،
وفي فلسطين،
والحبشة،
وشمال إفريقيا،
ثم في حرب أكتوبر إلى جانب مصر.
كان الجيش السوداني يُنظر إليه باعتباره واحداً من أكثر الجيوش انضباطاً وكفاءة في المنطقة. لكن مع مرور السنوات، جرى إضعاف المؤسسة العسكرية عبر تعدد الجيوش الموازية، وتسييس القوات النظامية، وإدخال الولاءات السياسية والقبلية في بنية الأمن والدفاع.

ثم جاءت الكارثة الكبرى: تحوّل الجيش من مؤسسة مهمتها حماية الحدود والوطن إلى مؤسسة تُستنزف في الصراع الداخلي ومواجهة أبناء شعبها. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، بدا واضحاً حجم التآكل الذي أصاب الدولة العسكرية نفسها، إذ ظهرت هشاشة المؤسسات بصورة صادمة، وكأن السودان كان يقف على أرض رخوة طوال السنوات الماضية.

التدمير الممنهج: شراكة بين العسكر والمدنيين

قد يحاول البعض تحميل الأنظمة العسكرية وحدها مسؤولية الانهيار، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. فالحكومات المدنية التي جاءت بعد الانقلابات كثيراً ما أبقت البنية المختلة كما هي، ولم تجرؤ على إعادة بناء الدولة بصورة حقيقية.

ولهذا يبدو وكأن هناك اتفاقاً غير معلن بين النخب العسكرية والمدنية على إدارة السودان بمنطق التسويات المؤقتة لا بمنطق بناء الدولة. كل طرف يحمّل الآخر المسؤولية، لكن النتيجة واحدة: استمرار التدهور نفسه.

فالعسكر يعودون دائماً بحجة الفشل المدني، والمدنيون يرثون مؤسسات مشوهة دون أن يغيروا جذور الأزمة، فتستمر الحلقة المغلقة بينما تتآكل الدولة جيلاً بعد جيل.

السودان الذي يتبخر بأيدي أبنائه

المأساة السودانية ليست فقط في الحروب أو الفقر أو التدخلات الخارجية، بل في أن كثيراً من عمليات الهدم تمت بأيدٍ سودانية وبقرارات سودانية، وأحياناً مع سبق الإصرار والترصد.

تبخرت مؤسسات التعليم، وضعفت الخدمة المدنية، وانهارت الرياضة، وتفككت المؤسسة العسكرية، وهاجر ملايين السودانيين بحثاً عن حياة أكثر استقراراً خارج وطنهم. حتى فكرة الدولة نفسها أصبحت مهددة.

السؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس فقط: كيف نوقف الحرب؟
بل: كيف نعيد بناء الإنسان والمؤسسة والثقة الوطنية بعد عقود طويلة من الهدم المتواصل؟

فالدول لا تسقط فجأة، بل تُهدم تدريجياً، مع كل قرار خاطئ، وكل مؤسسة تُضعف، وكل نخبة تفضّل البقاء في السلطة على بقاء الوطن نفسه.