دراسة التمكين السياسي في السودان: إشكالات نظرية ومنهجية (3-3) كتبه محمود محمد ياسين

دراسة التمكين السياسي في السودان: إشكالات نظرية ومنهجية (3-3) كتبه محمود محمد ياسين


05-16-2026, 10:01 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1778965269&rn=0


Post: #1
Title: دراسة التمكين السياسي في السودان: إشكالات نظرية ومنهجية (3-3) كتبه محمود محمد ياسين
Author: محمود محمد ياسين
Date: 05-16-2026, 10:01 PM

10:01 PM May, 16 2026

سودانيز اون لاين
محمود محمد ياسين-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






الاستمرارية البنيوية للدولة السودانية
تُظهر التجربة السياسية السودانية منذ نهاية الحكم الثنائي البريطاني-المصري (1899–1956) درجة عالية من الاستمرارية البنيوية على مستوى جوهر الدولة، رغم ما شهدته من تحولات متكررة في أشكال النظم الحاكمة وآلياتها المؤسسية. فقد انحصرت معظم هذه التحولات في نطاق التغيرات الكمية المرتبطة بإعادة تنظيم أجهزة الدولة، ولا سيما المؤسسات الأمنية والعسكرية، دون أن يطال ذلك الأساس الاجتماعي-الاقتصادي الذي ظل ثابتًا إلى حدٍ كبير. وعليه، فإن الطابع الطبقي للدولة لم ينتفِ، بل أعاد إنتاج نفسه عبر صيغ مختلفة من التحالفات داخل النخب الحاكمة، رغم التبدلات الظاهرية في تكوينها.

ولا يستند القول بوجود سيرورة متصلة (continuum) في بنية الحكومات السودانية إلى افتراض نظري مجرد، بل تؤكده المعطيات التجريبية لمسار التطور التاريخي للدولة السودانية. إذ أسهمت فترة الاحتلال المباشر في ترسيخ بنية اقتصادية تابعة ومجتمع يعاني من اختلالات تنموية عميقة، وهي البنية التي حافظت عليها وأعادت إنتاجها قوى اجتماعية محلية ارتبطت موضوعيًا بمصالح رأس المال العالمي. وفي هذا السياق، برزت طبقة تجارية وسيطة بوصفها الفاعل الرئيس في تشكيل الحكومات المتعاقبة، من خلال سيطرتها على قطاعات الاستيراد والتصدير، وارتباطها العضوي بشبكات الاقتصاد الدولي.

وعلى الرغم من التعدد الظاهري للأنظمة السياسية، فإنها جميعًا حكمت دولة تتسم بوحدة جوهرها الاجتماعي-الاقتصادي، حيث ظل جهاز الدولة يعكس مصالح فئات محددة على حساب الأغلبية. وقد اتخذت هذه الهيمنة أشكالًا مختلفة، إلا أنها اشتركت في نزعة استبدادية متنامية، تجلت في التوسع المستمر في أدوات القمع وإقصاء القوى الاجتماعية المطالبة بالحقوق السياسية والاقتصادية. ويعكس المسار العام للحكومات السودانية خلال العقود الستة الماضية—باستثناءات محدودة—اتجاهًا تصاعديًا نحو ترسيخ السلطوية وتعميق التناقض مع مصالح قطاعات واسعة من المجتمع.

في هذا الإطار، يكتسب الدور المحوري للمؤسسة العسكرية أهمية خاصة، إذ حكم الجيش السودان لفترات طويلة قاربت معظم سنوات ما بعد الاستقلال. ولم يكن هذا الحضور العسكري المكثف معزولًا عن بنية القوى الاجتماعية التقليدية، بل جاء نتيجة تواطؤ ضمني أو صريح مع الأحزاب التي تمثل تلك القوى، والتي رأت في السلطة العسكرية أداة مناسبة لإقامة مركزية سياسية قوية تعوض ضعفها البنيوي. فقد عانت هذه الأحزاب من انقسامات داخلية حادة، ومن محدودية قدرتها على إدارة التعدد الاجتماعي والإثني المعقد في السودان، فضلًا عن عجزها عن مواجهة الحركات الشعبية والنقابية التي اكتسبت زخمًا ملحوظًا منذ أواخر الحقبة الاستعمارية.

ومن جهة أخرى، لا يمكن فهم استمرارية هذه البنية دون إدماج العوامل الدينية والثقافية والإثنية في التحليل، ليس بوصفها محددات مستقلة بذاتها، بل كعناصر جرى توظيفها سياسيًا ضمن استراتيجيات السلطة. فقد أُعيد إنتاج الانقسامات الإثنية والثقافية، كما استُخدمت المرجعيات الدينية، في كثير من الأحيان، كأدوات لإضفاء الشرعية على السلطة أو لتفتيت الحركات الاجتماعية المعارضة. وفي هذا المعنى، فإن هذه العوامل، رغم دورها في التأثير على الوعي الاجتماعي، ظلت في التحليل النهائي خاضعة لمنطق إعادة إنتاج السلطة وتعزيز أهدافها الاقتصادية، سواء عبر ضبط المجال السياسي أو إعادة توزيع الموارد بما يخدم الفئات المهيمنة.
كما أن اللجوء المبكر إلى العنف في إدارة الصراع الاجتماعي، كما يتضح في أحداث مثل مذبحة جودة عام 1958، يعكس طبيعة العلاقة العدائية (antagonistic) بين الدولة والحركات الشعبية منذ اللحظات الأولى للاستقلال. ويشير ذلك إلى أن الدولة الوطنية لم تنقطع جذريًا عن ميراثها الاستعماري، بل أعادت إنتاج الكثير من آلياته في السيطرة والإدارة.

غير أن التباين الشكلي بين الأنظمة السياسية السودانية المتعاقبة أسهم في حجب إدراك هذه الاستمرارية البنيوية، حيث جرى التعامل مع كل نظام بوصفه كيانًا منفصلًا قائمًا بذاته. وجدير بالذكر ان هذا يتناقض مع الوضوح النسبي في قراءة مرحلة الحكم الاستعماري، التي يُنظر إليها عادة كوحدة متماسكة رغم تعدد إداراتها وتبدل صيغها الإدارية.

وحتى حين ينزع المحللون للاعتراف بوجود قدر من الاستمرارية بين الأنظمة، فإن هذه الاستمرارية تُحال غالبًا إلى مستوى الأفكار أو الخطابات الأيديولوجية المثالية (الفلسفية)، بما يعيد إنتاج التجزئة بصورة مضمرة، عبر فصل البنية السياسية والاقتصادية العميقة عن تجلياتها التاريخية المختلفة. ومن ثم، فإن إعادة قراءة تاريخ الدولة السودانية تقتضي تجاوز هذا الإدراك التجزيئي، الصريح والمضمر معًا، والنظر إلى تطوراتها بوصفها تعبيرًا عن بنية مستمرة أعادت إنتاج ذاتها عبر تحولات شكلية متعددة، مع توظيف متجدد للعوامل الدينية والثقافية والإثنية في خدمة مشروع السلطة وتعزيز مرتكزاته الاقتصادية والسياسية.
-----------------------------------

خلاصتا، فان الفهم العلمي السديد لموضوع التمكين السياسي يكون هو بمثابة الخطوة الأولى لأي تغيير حقيقي تستدعى فهم كيفية انقسام المجتمع إلى طبقات، مثل العمال والفئات الاجتماعية الأخرى المستغلة ومن يمتلكون رؤوس الأموال، وعلى العلاقة بين هذه الطبقات والسلطة. وبحسب هذا التصور، فإن ما يحدد شكل المجتمع ليس فقط أفكار الناس أو ما يرونه صحيحًا، بل وعيهم بالدرجة الأولى الظروف المادية، مثل من يملك المال ومن يعمل، وكيف يتم تنظيم العمل والإنتاج.

وتحديد الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع يتم على أساس موقعها في علاقات الإنتاج. فالفئات الاجتماعية لا تُفهم بشكل واضح من خلال الدخل أو نمط الحياة، بل من خلال علاقتها بوسائل الإنتاج؛ أي ما إذا كانت تملك أدوات الإنتاج ورأس المال، أو تعتمد على بيع قوة عملها مقابل أجر. ويمكن دراسة هذه العلاقات بشكل ملموس عبر مؤشرات مثل أنماط العمل، وملكية الثروة، وتوزيع الدخل، مما يجعل التحليل قائمًا على واقع اقتصادي قابل للرصد وليس مجرد تصورات نظرية.

في المقابل، هناك من يعتقد ان التمكين السياسي يحدث من خلال تغيير أفكار الناس حول ما هو عادل وخير لهم؛ لكن، على النقيض من هذا الاعتقاد، فان الأفكار نفسها تتأثر بالوضع الاجتماعي والاقتصادي للناس. ولهذا، فإن التركيز على القيم والأخلاق وحدها قد لا يكون كافيًا لتحقيق تغيير فعلي.

في النهاية، يؤكد هذا الطرح أن معرفة من يملك القوة في المجتمع، ومن يمكنه التأثير، هي مسألة أساسية لأي محاولة إصلاح. فبدون هذا الفهم، قد تقوم الجهود على تصورات غير دقيقة، مما يجعلها أقل فاعلية. لذلك، يدعو التحليل العلمي الى النظر أولًا إلى الواقع المادي للمجتمع لفهمه وتغييره.
دراسات اللجنة القيادية (الحزب الشيوعي السوداني -القيادة الثورية)