Post: #1
Title: الإسلام السياسي والمنطلقات الخاطئة كتبه الطيب الزين
Author: الطيب الزين
Date: 05-15-2026, 05:34 PM
05:34 PM May, 15 2026 سودانيز اون لاين الطيب الزين-السويد مكتبتى رابط مختصر
**
تتمثل الكارثة التي حلت بالسودان في المنطلقات الخاطئة التي تبنتها الجبهة القومية الإسلامية بقيادة الترابي، وهي منطلقات اعتمدت فقه التقية وسلوك الحرباء الذي يتلون مع الظرف والمكان. هذا التنظيم هو الامتداد الطبيعي لتنظيم الإخوان المسلمين بقيادة حسن البنا، الذي نشأ في أعقاب سقوط الإمبراطورية العثمانية التي حكمت المنطقة لأربعة قرون، وخلفت وراءها الجهل والتخلف. ثم جاءت بعدها حملات استعمارية متوحشة هدفها الهيمنة والسيطرة ونهب ثروات الشعوب، مستفيدة من حصيلة ثورة التنوير في الغرب، بينما كان العالم العربي والإسلامي غارقاً في عهود التخلف والجهل والفقر. في هذا السياق ظهر تنظيم الإخوان المسلمين بقيادة حسن البنا، وطرح شعار الإسلام هو الحل، وألغى فكرة الوطن لصالح التنظيم، مضيفاً عبئاً جديداً فوق أعباء التخلف والاستبداد. الجبهة القومية الإسلامية، أو الكيزان حالياً، تبنت هذه الشعارات في إطار المتاجرة السياسية بالدين في السودان، وكان همها الأول هو الوصول إلى السلطة بلا مشروع ثقافي أو فكري أو علمي للتنوير أو تحديث المجتمع. بل استغلت الجهل والفقر لتجنيد الأنصار ودفعهم لخدمة مشروعها الظلامي القائم على الطاعة وتنفيذ أوامر أمير الجماعة واعتبار ذلك من المقدسات. تحالف تنظيم الجبهة القومية الإسلامية مع نظام جعفر نميري بعد ما سمي بالمصالحة الوطنية، رغم علاته البائنة وقتها، من أجل التمكين لتنظيمهم. ثم شاركوا في عهد الديمقراطية، لكنهم كانوا يخططون للانقضاض على النظام الديمقراطي الذي ارتضاه الشعب السوداني كخيار لتداول السلطة وتطور المجتمع واستقرار البلد. وتآمر تنظيم الكيزان على الديمقراطية، ونفذ انقلابه المشؤوم في 30 يونيو 1989، وفرض مشروعه الظلامي باعتباره هو الحل، مما عمق الأزمة الوطنية لأنه عطل مسار النظام الديمقراطي، وحشر الشعب السوداني في زوايا مظلمة، وضيق عليه فرص الحياة، فاضطر ضعاف النفوس للتكيف مع هذا المشروع القائم على الاستبداد والفساد والظلم. بدأ كل واحد منهم يفكر في مصالحه الخاصة دون التفات للمصلحة الوطنية العامة التي كانت تقتضي رفض الانقلاب وتبعاته. ولم يفعل ذلك سوى قلة قليلة رفعت شعار رفض الانقلاب ثم ناهضته، كما حدث في تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، لكنها كانت بلا استراتيجية طويلة النفس، لذلك دخل التجمع في تسويات، وعاد البعض إلى الخرطوم الخاضعة لحكم الاستبداد والفساد والظلم. وحتى الحركة الشعبية بقيادة الراحل قرنق دخلت في مفاوضات نيفاشا مع النظام، وانتهت إلى التسوية المعروفة التي قادت إلى انفصال الجنوب، بينما بقيت الأزمة قائمة لأن العصابة المجرمة كانت تستخدم سياسة الترهيب والترغيب، فبعضهم عاد منكسراً، وبعضهم الآخر ظل يلهث ويحاور للحصول على نصيب أكبر من الكيكة. لكن القوى الوطنية ذات المشروع الوطني، وأنا لا أعني تنظيماً بعينه، بل أعني كل الفاعلين في المجالات المختلفة، سواء أفراداً أو أساتذة جامعات أو طلاباً أو مثقفين أو منظمات متخصصة في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان أو تنظيمات سياسية، رفضت الخضوع والانكسار لعصابة الكيزان التي سطت على الدولة وصادرت حرية الشعب، ونشرت خطابها التضليلي التجهيلي، وعممت سلوكها الفاسد على المجتمع. إن المنطلقات الخاطئة لتنظيم الكيزان هي التي دمرت السودان، وأوصلته إلى هذا الدرك السحيق. لذلك على قادة هذه العصابة المجرمة أن يفهموا أنهم سبب الدمار والخراب والموت والمصير المجهول، لأن منطلقاتهم الخاطئة هي التي جعلتهم يسيرون في الاتجاه المعاكس للتطور والتقدم. وعلى الشعب السوداني أن يقاوم هذه العصابة المجرمة حتى تفيق إلى رشدها، وتفهم أن الشعوب الحرة لا تقبل العبودية مهما كان الشعار الذي ترفعه.
كلمة أخيرة، تحية لكل المناضلين والمناضلات الذين رفضوا أن يلوثوا تاريخهم في مشروع الخراب والفساد والدم منذ عام 1989 وحتى الآن.
الطيب الزين كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي
|
|