نِظَامُ الطيبات بَيْنَ الدِّينِ والعلم كتبه الأمين مصطفى

نِظَامُ الطيبات بَيْنَ الدِّينِ والعلم كتبه الأمين مصطفى


05-14-2026, 02:41 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1778766060&rn=0


Post: #1
Title: نِظَامُ الطيبات بَيْنَ الدِّينِ والعلم كتبه الأمين مصطفى
Author: الأمين مصطفى
Date: 05-14-2026, 02:41 PM

02:41 PM May, 14 2026

سودانيز اون لاين
الأمين مصطفى-السودان
مكتبتى
رابط مختصر




نِظَامُ "الطيبات "
بَيْنَ الدِّينِ والعلم:
دِرَاسَةٌ تَفْسِيرِيَّةٌ وَلُغَوِيَّةٌ فِي ضَوْءِ القُرْآنِ الكَرِيمِ وَمَقَاصِدِ التَّغْذِيَةِ
مُقَدِّمَة:
يُعَدُّ الطَّعَامُ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى الإِنْسَانِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي سِيَاقِ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، وَبَيَانِ سُنَنِ الحَيَاةِ، وَتَقْوِيمِ نَظَرَةِ الإِنْسَانِ إِلَى الغِذَاءِ وَالاِسْتِهْلَاكِ. وَلَمْ يَأْتِ الخِطَابُ القُرْآنِيُّ لِيُحَرِّمَ أَصْنَافَ الأَطْعِمَةِ عَلَى الإِطْلَاقِ، بَلْ جَاءَ مُوَجِّهًا نَحْوَ الاِعْتِدَالِ وَالتَّوَازُنِ وَتَجَنُّبِ الإِسْرَافِ أَوِ التَّحْرِيمِ عَلَى النَّفْسِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وَمِنَ الآيَاتِ الَّتِي تَحْمِلُ دَلَالَاتٍ عَمِيقَةً فِي بَابِ التَّغْذِيَةِ وَالعِلَاقَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالطَّبِيعَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى:

﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ۝ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ۝ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ۝ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ۝ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ۝ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾
[عَبَسَ: 27–32].


وَتُثِيرُ هَذِهِ الآيَاتُ سُؤَالًا حَوْلَ مَفْهُومِ “الأَبِّ”، وَحَوْلَ طَبِيعَةِ التَّصْنِيفِ الغِذَائِيِّ فِي القُرْآنِ: هَلْ هُوَ تَصْنِيفٌ حَاسِمٌ بَيْنَ غِذَاءِ الإِنْسَانِ وَغِذَاءِ الحَيَوَانِ، أَمْ أَنَّهُ بَيَانٌ لِتَنَوُّعِ أَوْجُهِ الاِنْتِفَاعِ؟
أَوَّلًا: مَعْنَى «الأَبِّ» فِي اللُّغَةِ وَالتَّفْسِير
ذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ «الأَبَّ» هُوَ الكَلَأُ وَالعُشْبُ وَالنَّبَاتُ الَّذِي تَرْعَاهُ الأَنْعَامُ. قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي لِسَانِ العَرَب: “الأَبُّ: المَرْعَى وَالكَلَأُ”. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا المَعْنَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَلَكِنَّ التَّأَمُّلَ فِي خِتَامِ الآيَةِ:

﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾


يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دَائِرَةِ الاِنْتِفَاعِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالحَيَوَانِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ دَرَجَاتُ الاِنْتِفَاعِ وَأَغْرَاضُهُ.
فَلَيْسَ المُرَادُ أَنَّ “الفَاكِهَةَ” مُحَرَّمَةٌ عَلَى الحَيَوَانِ، وَلَا أَنَّ “الأَبَّ” مَمْنُوعٌ عَلَى الإِنْسَانِ، بَلِ المُرَادُ بَيَانُ الغَالِبِ فِي الاِسْتِعْمَالِ. وَهَذَا مِنْ دِقَّةِ التَّعْبِيرِ القُرْآنِيِّ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالتَّعْمِيمِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
ثَانِيًا: ذِكْرُ الخُضَرِ وَالنَّبَاتَاتِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ
لَمْ تَرِدْ كَلِمَةُ “الخُضَار” بِاللَّفْظِ المُتَدَاوَلِ اليَوْمَ، لَكِنَّ القُرْآنَ ذَكَرَ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ النَّبَاتَاتِ وَالخَضْرَوَاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾
[البَقَرَة: 61].


وَقَدْ ذُكِرَ فِي القُرْآنِ أَيْضًا:
الزَّيْتُون،
العِنَب،
النَّخْل،
الرُّمَّان،
الزَّنْجَبِيل،
اليَقْطِين.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ القُرْآنَ لَمْ يُهْمِلْ أَهَمِّيَّةَ التَّنَوُّعِ الغِذَائِيِّ، بَلْ قَدَّمَ صُورَةً شَامِلَةً لِمَوَارِدِ الغِذَاءِ فِي الحَيَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ.
ثَالِثًا: مَعْنَى «أَدْنَى» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾
ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ «أَدْنَى» هُنَا بِمَعْنَى الأَقَلِّ فَضْلًا وَشَرَفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى نِعْمَةِ المَنِّ وَالسَّلْوَى. وَلَكِنَّ الدَّلَالَةَ اللُّغَوِيَّةَ لِلْفِعْلِ “دَنَا” تَدُورُ أَيْضًا حَوْلَ القُرْبِ وَالسُّهُولَةِ وَالتَّنَاوُلِ.
وَعَلَى هَذَا، فَإِنَّ المَعْنَى يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ عَلَى أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ طَلَبُوا طَعَامًا مَأْلُوفًا مُتَوَفِّرًا فِي البِيئَةِ الزِّرَاعِيَّةِ المُسْتَقِرَّةِ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا فِي نِعْمَةٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ وَاسْتِثْنَائِيَّةٍ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ البَقْلَ وَالعَدَسَ وَالبَصَلَ أَطْعِمَةٌ “رَدِيئَةٌ”، بَلْ هِيَ مِنْ أَهَمِّ مَصَادِرِ الغِذَاءِ الإِنْسَانِيِّ حَتَّى فِي العَصْرِ الحَدِيثِ.
رَابِعًا: مَعْنَى «مِصْرًا» فِي الآيَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى:

﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾
[البَقَرَة: 61].


قَرَأَهَا الجُمْهُورُ بِالتَّنْوِينِ: «مِصْرًا»، أَيْ: أَيَّ بَلْدَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ مِنَ الأَمْصَارِ الَّتِي يَسْتَقِرُّ فِيهَا النَّاسُ وَتَقُومُ فِيهَا الزِّرَاعَةُ وَالتِّجَارَةُ وَالعُمْرَانُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ دَوْلَةَ مِصْرَ المَعْرُوفَةَ، بَلْ نَمَطُ الحَيَاةِ المُسْتَقِرَّةِ القَائِمِ عَلَى الزِّرَاعَةِ وَتَوَفُّرِ الأَغْذِيَةِ المُتَنَوِّعَةِ.
خَامِسًا: النِّظَامُ الغِذَائِيُّ المُتَوَازِنُ فِي ضَوْءِ القُرْآنِ وَالعِلْمِ الحَدِيثِ
إِنَّ النَّظَرَةَ القُرْآنِيَّةَ لِلغِذَاءِ تَقُومُ عَلَى التَّوَازُنِ وَالتَّنَوُّعِ، لَا عَلَى التَّشَدُّدِ وَالمَنْعِ المُطْلَقِ. وَالعِلْمُ الحَدِيثُ يُؤَكِّدُ أَنَّ الجِسْمَ الإِنْسَانِيَّ يَحْتَاجُ إِلَى عَنَاصِرَ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْهَا:
1. النَّشَوِيَّات
وَهِيَ المَصْدَرُ الرَّئِيسِيُّ لِلطَّاقَةِ، وَتُوجَدُ فِي:
الحُبُوب،
القَمْح،
الأَرُزّ،
التَّمْر،
البُقُولِيَّات.
2. البُرُوتِينَات
وَهِيَ ضَرُورِيَّةٌ لِبِنَاءِ العَضَلَاتِ وَالخَلَايَا، وَتُوجَدُ فِي:
اللُّحُوم،
الأَسْمَاك،
البُقُول،
الأَلْبَان.
3. الأَلْيَاف
وَهِيَ مُهِمَّةٌ لِصِحَّةِ الجِهَازِ الهَضْمِيِّ، وَتُوجَدُ فِي:
الخَضْرَوَات،
الفَوَاكِه،
الحُبُوبِ الكَامِلَة.
4. الفِيتَامِينَاتُ وَالمُكَمِّلَاتُ الغِذَائِيَّة
وَهِيَ تُسَاعِدُ فِي تَقْوِيَةِ المَنَاعَةِ وَتَنْظِيمِ وَظَائِفِ الجِسْمِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ الإِنْسَانُ إِلَيْهَا عِنْدَ نُقْصِ بَعْضِ العَنَاصِرِ أَوْ فِي حَالَاتٍ صِحِّيَّةٍ خَاصَّةٍ.
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِسْلَامَ لَا يَدْعُو إِلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الغِذَاءِ، بَلْ إِلَى التَّوَازُنِ وَعَدَمِ الإِفْرَاطِ أَوِ التَّفْرِيطِ، قَالَ تَعَالَى:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
[الأَعْرَاف: 31].


سَادِسًا: بَيْنَ التَّحْرِيمِ الشَّرْعِيِّ وَالتَّحْرِيمِ عَلَى النَّفْسِ
مِنَ المَهَمِّ التَّفْرِيقُ بَيْنَ:
التَّحْرِيمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يَكُونُ بِنَصٍّ،
وَبَيْنَ امْتِنَاعِ الإِنْسَانِ عَنْ بَعْضِ الأَطْعِمَةِ لِسَبَبٍ صِحِّيٍّ أَوْ شَخْصِيٍّ.
فَالإِسْلَامُ لَمْ يُحَرِّمِ الطَّعَامَ النَّافِعَ تَحْرِيمًا عَامًّا، وَلَكِنَّهُ مَنَعَ الضَّرَرَ وَالإِسْرَافَ وَالخَبَائِثَ. كَمَا نَهَى عَنِ التَّشَدُّدِ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى النَّفْسِ، قَالَ تَعَالَى:

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾
[الأَعْرَاف: 32].


فَالأَصْلُ فِي الأَطْعِمَةِ الإِبَاحَةُ مَا لَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ بِالمَنْعِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الصِّحَّةِ وَالِاعْتِدَالِ
خَاتِمَة
يَكْشِفُ التَّأَمُّلُ فِي الآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالغِذَاءِ عَنْ نَظَرَةٍ شَامِلَةٍ وَمُتَوَازِنَةٍ لِعَلَاقَةِ الإِنْسَانِ بِالطَّعَامِ وَالطَّبِيعَةِ. فَالقُرْآنُ لَا يُقَسِّمُ الأَغْذِيَةَ إِلَى طَاهِرٍ وَمُحَرَّمٍ بِصُورَةٍ عَبَثِيَّةٍ، بَلْ يُرَاعِي مَقَاصِدَ النَّفْعِ وَالتَّوَازُنِ وَحِفْظِ الصِّحَّةِ.
كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:

﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾


يُشِيرُ إِلَى وَحْدَةِ المَنْظُومَةِ الحَيَوِيَّةِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا الإِنْسَانُ وَالحَيَوَانُ، وَإِلَى أَنَّ نِعَمَ اللَّهِ مُشْتَرَكَةٌ فِي أَصْلِ الاِنْتِفَاعِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ وُجُوهُ الاِسْتِعْمَالِ.
وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ النِّظَامَ الغِذَائِيَّ السَّلِيمَ فِي المَنْظُورِ الإِسْلَامِيِّ يَقُومُ عَلَى:
التَّنَوُّعِ،
وَالتَّوَازُنِ،
وَالِاعْتِدَالِ،
وَرَفْضِ التَّشَدُّدِ،
وَعَدَمِ تَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
المَرَاجِعُ
القُرْآنُ الكَرِيم.
الطَّبَرِي، جَامِعُ البَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ القُرْآن.
ابْنُ كَثِير، تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيم.
القُرْطُبِي، الجَامِعُ لأَحْكَامِ القُرْآن.
ابْنُ مَنْظُور، لِسَانُ العَرَب.
الرَّاغِبُ الأَصْفَهَانِي، المُفْرَدَاتُ فِي غَرِيبِ القُرْآن.
وِزَارَةُ الصِّحَّةِ العَالَمِيَّة، دَلَائِلُ التَّغْذِيَةِ المُتَوَازِنَة.
مُحَمَّدُ الطَّاهِرِ ابْنُ عَاشُور، التَّحْرِيرُ وَالتَّنْوِير.