تنبيه من خطر داهم: استخدام كلمة "تواضع" في السياقات السلبية كتبه الريح عبد القادر

تنبيه من خطر داهم: استخدام كلمة "تواضع" في السياقات السلبية كتبه الريح عبد القادر


05-14-2026, 05:11 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1778731890&rn=0


Post: #1
Title: تنبيه من خطر داهم: استخدام كلمة "تواضع" في السياقات السلبية كتبه الريح عبد القادر
Author: الريح عبد القادر محمد عثمان
Date: 05-14-2026, 05:11 AM

05:11 AM May, 14 2026

سودانيز اون لاين
الريح عبد القادر محمد عثمان-لاهاي
مكتبتى
رابط مختصر




بقلم
ثمة انزلاق لغوي وفكري يتكرر كثيرًا في الخطاب المعاصر، حين تُستعمل كلمة "تواضع" بوصفها مرادفًا للضعف أو الفقر، أو قلة الحيلة، أو انطفاء الطموح، أو تدني المكانة الاجتماعية.
استمعت للتو لأحد المؤثرين (شاهدوا الفيديو) وهو يخاطب الآلاف من متابعيه، قائلاً: "عندما تسكن في حي متواضع، ستجد حولك أناساً متواضعين؛ وهولاء الأشخاص المتواضعون سيربطونك بشبكة متواضعة".
ليس هذا مجرد خطأ تعبيري عابر، بل تشويه لمفهوم أخلاقي وروحي عظيم له مكانته المركزية في الدين والحكمة والتاريخ الإنساني.
ليس التواضع ضعفاً ولا قبحاً ولا هواناً، بل ارتفاعٌ عن التكبر؛ وليس ذلاً، بل تحرر من عبودية الأنا، وليس فقرًا، بل قوة داخلية تجعل الإنسان مستغنيًا عن تضخم الذات واستعراضها.
باختصار، التواضع هو أعظم قوة في الوجود أتاحها لعباده ليرتفعوا بها في الدارين. فلماذا نزري بها ونستخدمها في غير المكان الذي أراده الله لها؟

إنّ أخطر ما في هذا الانحراف اللغوي أنه يربط — على مستوى اللاوعي الجمعي — بين التواضع والفشل، من جهة، وبين الاعتزاز بالنفس والتكبر من جهة أخرى، حتى يصبح الناس أمام خيارين زائفين: إما التواضع بمعنى الضعف، وإما القوة بمعنى الغرور.
بينما الحقيقة أن التواضع هو القوة، وهو الغِنى، وهو الرفعة، وهو العزة.
يجب أن نتذكر دائماً أن المولى عز وجل لم يرفع الأنبياء والعلماء الأخيار والأولياء الصالحين والمصلحين الحقيقيين بالاستعلاء، بل بالتواضع. وفي الحديث الشريف: «من تواضع لله رفعه». فالتواضع ليس ضعف معيق، بل قوة رافعة، وهو قيمة نفسية واجتماعية تحفظ للإنسان توازنه وللمجتمع سلامته.
أما الفقر، والضعف، وقلة الحيلة، وانطفاء الطموح...الخ، فهذه معانٍ لها ألفاظها الدقيقة والكثيرة التي تدل على البساطة، والهشاشة، والتهميش، وقلة الموارد، والتدني...الخ، فماذا يُستعار لفظ "التواضع" تحديدًا ليؤدي وظيفة سلبية؟ الجواب الذي أشك فيه مطلقاً هو أن تلك مؤامرة شيطانية تهدف إلى تشويه التواضع في أعيينا، وإبعادنا عنه، وتزييد الغرور والاستكبار والاستعلاء، حتى يحقق الشيطان الرجيم خطته: "إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير".
لقد أصبحت الثقافة الاستهلاكية الحديثة تميل إلى تمجيد المظاهر، حتى صار كل ما لا يتوهج ولا يتبرّج يُوصَف ضمنيًا بأنه "متواضع". ثم تبدأ كلمة "تواضع" تُحمَّل شيئًا فشيئًا إيحاءات النقص والدونية.
ما أخشاه فعلًا ويخشاه العالمون بسطوة اللغة على الإنسان هو أن يتحول التواضع في النهاية إلى كلمة سلبية ينفر منها الناس. ويجب أن نتذكر دائماً أن اللغة ليست مجرد وسيلة محايدة للوصف، بل هي أيضاً أداة لتشكيل الوعي وتكوين الانطباعات وإعلاء القيم أو الحط منها. وعندما تُكرَّر كلمة معينة في سياقات سلبية، فإن العقل — خصوصًا على مستوى اللاوعي — يبدأ تدريجيًا في ربطها بتلك الدلالات، حتى لو كان معناها الأصلي مختلفًا تمامًا. على سبيل المثال، إذا ظل الناس يسمعون:
بيت متواضع = بيت محدود القيمة،
وظيفة متواضعة = وظيفة قليلة الشأن،
شبكة متواضعة = علاقات ضعيفة،
طموح متواضع = طموح منخفض،
ظهر الفريق بمستوى متواضع = كان أداؤه باهتاً،
فإن كلمة "التواضع" نفسها تبدأ في فقدان ألقها الأخلاقي، وتتشكل في الذهن بوصفها قرينة للنقص والانخفاض، لا للسمو والرفعة.
وهنا تكمن خطورة البرمجة اللغوية والثقافية؛ إذ قد ينشأ جيل يشعر — من دون وعي — أن التواضع يعوق النجاح، وأن الاستعلاء والاستعراض دليل على القوة والتأثير. وهذه نقلة خطيرة جدًا؛ لأنها تعيد هندسة القيم من الداخل، فيبدأ الإنسان نفسيًا في مقاومة التواضع في داخله خوفًا من الصورة الذهنية المرتبطة به، حتى لو كان مؤمنًا نظريًا بأن التواضع من الفضائل بل أعظمها. وهكذا يصبح التواضع عنده قيمة محترمة في الكتب والخطب، لكنه غير مرغوب فيه عمليًا في الحياة العامة، لأنه يحول دون صناعة المكانة في المجتمع.

ولهذا فإن حماية المصطلحات الأخلاقية ليست ترفًا لغويًا، بل معركة وعي.
فالكلمات الكبيرة إذا أُفرغت من معانيها أو أُلصقت بها دلالات مهينة، ضعفت القيم التي تحملها. وقد رأينا عبر التاريخ كيف تُستعمل اللغة لتغيير التصورات: فالرشوة تسمى "هدية"" أو "تسهيلات"؛ والتكبر يُسمى "ثقة بالنفس"؛ والانفلات يُسمى "تحررا"؛ ثم يأتي زمان يُسمى فيه التواضع "ضعفًا".
وهكذا تُعاد صياغة الأخلاق بالمفردات قبل أن تُعاد صياغتها بالسلوك.
ومن أخشى ما أخشاه أن يؤدي الاستعمال السلبي المتكرر لكلمة "تواضع" إلى حدوث برمجة عقلية تجعل الناس ينفرون — من دون شعور — من واحدة من أعظم الفضائل الإنسانية. فحين يُربط التواضع دائمًا بالفقر والضعف والهامشية، قد تنشأ أجيال ترى أن طريق الرفعة يمر عبر الاستعلاء لا عبر التواضع، ضاربين بعرض الحائط ركائز مثل "أوحى إلي ربي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد"، ومثل: «من تواضع لله رفعه».
ولا نملك إلا أن ننبه إلى ضرورة مواجهة هذا التشويه الخطير لمفهوم عظيم رفعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، داعين إلى إنقاذ المصطلحات قبل أن تعيد المصطلحات تشكيل وعينا وأخلاقنا.
وفي هذا الصدد، يمثل الانضباط المصطلحي نقطة محورية في مشروع التواضع: الدفاع عن المفهوم قبل الدفاع عن السلوك، لأن فساد المصطلحات يسبق بمسافة طويلة فساد التصورات.