أورشليم العشوائيات.. حين تُزرع السرديات قبل الخرائط كتبه احمد الباقر محمد

أورشليم العشوائيات.. حين تُزرع السرديات قبل الخرائط كتبه احمد الباقر محمد


05-13-2026, 12:10 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1778670607&rn=0


Post: #1
Title: أورشليم العشوائيات.. حين تُزرع السرديات قبل الخرائط كتبه احمد الباقر محمد
Author: أحمد الباقر محمد
Date: 05-13-2026, 12:10 PM

12:10 PM May, 13 2026

سودانيز اون لاين
أحمد الباقر محمد-مصر
مكتبتى
رابط مختصر





المنصة الإلكترونية لولاية الخرطوم نشرت خبر إزالة 723 منزلًا عشوائيًا بمنطقة تُسمّى «أورشليم»، مع ضبط أسلحةٍ ومنهوبات، غير أن هذا الحدث لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد عملية إزالةٍ لمساكن مخالفة، بل كنافذةٍ تكشف طبقاتٍ أعمق من الخلل الذي يتسلل بصمتٍ إلى الجسد الاجتماعي والعمراني.

فعجيبٌ أمرُ بعض العشوائيات؛ تُقام في هوامش المدن وفي مناطق تفتقر إلى التخطيط والرقابة والهوية العمرانية الواضحة، ثم تُمنح أسماءً ذات حمولةٍ دينية وتاريخيةٍ ثقيلة، لا تُطلق عبثًا بقدر ما تُزرع في الوعي تدريجيًا، حتى تصبح مع الزمن مألوفة، ثم قابلةً للتأويل، ثم تُعامل كأنها حقيقةٌ قائمة في الذاكرة الجمعية. وهنا لا يكمن الخطر في الاسم وحده، بل في قدرته على فتح أبوابٍ لسردياتٍ تُبنى ببطء، وتتشكل مع التكرار، حتى تتحول إلى رواياتٍ تبدو وكأنها جزءٌ من التاريخ.

وما يجري داخل بعض تلك الكانتونات المغلقة أخطرُ من مجرد تفلتاتٍ أمنية عابرة؛ لأن حركات التمرد يمكن التعامل معها أمنيًا عبر الحسم العسكري عند الضرورة، أو سياسيًا عبر التوصل إلى اتفاقات سلام تُنهي جذور الصراع وتعيد الاستقرار. أما الخطر الحقيقي، فهو ما ينمو بصمتٍ داخل تلك البيئات المغلقة من اختراقٍ فكري وثقافي وديمغرافي يتغلغل مع الزمن بعيدًا عن الأنظار، حيث تتراكم أنماطُ سلوكٍ وثقافاتٌ دخيلة وقيمٌ خارجة عن النطاق المتعارف عليه، لتشكّل مع الوقت بنياتٍ موازية تنمو خارج سلطة الدولة والمجتمع معًا.

فغدًا قد يظهرُ من ينسجُ الأساطير، ويدّعي أن هنا أثرًا توراتيًا، أو أن «هيكل سليمان» كان مدفونًا على ضفاف النيل، ثم تبدأ الرواياتُ بالانتشار حتى تختلط الأوهامُ بالوقائع، وتتحول مع مرور الوقت إلى سردياتٍ دخيلة يُراد لها أن تترسخ في الوعي الجمعي، وتُستغل لاحقًا لخلق دعاوى تاريخية أو رمزية لا أصل لها، حتى يصبح ما زُرع في الظل يومًا ما واقعًا يصعب تفكيكه او احتواؤه.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الظواهر الظاهرة، بل في ما يُبنى في العمق من كياناتٍ هامشيةٍ معزولة، قد تتحول مع الزمن إلى منصاتٍ لإعادة إنتاج أفكارٍ مشوهة وسردياتٍ دخيلة يُراد لها أن تترسخ بهدوء في الوعي العام، حتى تصبح جزءًا من الخطاب المتداول والذاكرة غير المدققة.

ولذلك فإن مسؤولية المجتمع لا تقل عن مسؤولية الدولة، بل تبدأ من اليقظة المبكرة، ورصد أي تجمعاتٍ مشبوهة أو أنماطِ سكنٍ عشوائي غير منضبط، أو محاولاتٍ لخلق جيوبٍ مغلقة خارج القانون والعرف والثقافة المحلية، والتعامل معها في مهدها قبل أن تتسع وتتشعب وتتحول إلى واقعٍ معقد يصعب احتواؤه.

إن حماية المجتمعات لا تكون فقط بإدارة الصراعات الظاهرة، بل أيضًا بحماية الوعي من الاختراق البطيء، وصيانة الهوية من التشوه التدريجي، والحفاظ على النسيج الاجتماعي من التفكك الصامت، لأن أخطر التحولات ليست تلك التي تأتي بالصوت العالي، بل تلك التي تتسلل بهدوء حتى تصبح جزءًا من الواقع دون أن ينتبه إليها أحد.

احمد الباقر محمد القاهرة ١٣/٠٥/٢٠٢٦