Post: #1
Title: الأرض، العدالة التاريخية، ورؤية السودان الجديد نحو مقاربة قانونية–سياسية لإنهاء النزاعات وبناء الدو
Author: خالد كودي
Date: 05-12-2026, 11:43 AM
11:43 AM May, 12 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
الأرض، العدالة التاريخية، ورؤية السودان الجديد نحو مقاربة قانونية–سياسية لإنهاء النزاعات وبناء الدولة الحديثة في جبال النوبة والسودان
12/5/2026 خالد كودي، بوسطن
قضية الأرض في السودان ليست قضية عقارية أو إدارية فحسب، بل هي في جوهرها قضية سلطة، وهوية، وموارد، وعدالة تاريخية. فمنذ تأسيس الدولة السودانية الحديثة، ارتبط التهميش البنيوي للمناطق الطرفية – ومنها جبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، وشرق السودان – بنمط غير عادل في السيطرة على الموارد والأرض. وقد قامت الدولة المركزية، عبر تحالف النخب السياسية والعسكرية والبيروقراطية، بإعادة توزيع الأرض والثروة بصورة خدمت المركز وأعادت إنتاج الهيمنة، بينما جرى تحويل المجتمعات الأصيلة إلى أطراف هامشية داخل أراضيها التاريخية نفسها.
لقد شهد السودان الحديث، خاصة منذ سبعينيات القرن العشرين، نمطًا واضحًا من الاستيلاء على الأراضي الزراعية والرعوية الواسعة بواسطة نافذين من خارج المجتمعات المحلية: ضباط كبار، وتكنوقراط، وموظفون في أجهزة الدولة، ورجال أعمال وتجار مرتبطون بالسلطة. وغالبًا ما كانت هذه الأراضي تُمنح بقرارات إدارية أو قوانين استثمارية صيغت في الخرطوم دون أي اعتبار لحقوق المجتمعات الأصيلة التي عاشت على تلك الأراضي لالاف السنين وفق نظم عرفية متوارثة. والمفارقة المأساوية أن أصحاب الأرض أنفسهم كانوا يُحوَّلون لاحقًا إلى عمال موسميين في أراضيهم التاريخية، بينما تُستخرج الموارد وتُنقل الأرباح إلى المركز! هذا النموذج ليس استثناءً سودانيًا، بل هو ما يسميه الباحثون في دراسات الاستعمار الداخلي بـ "استعمار الأطراف بواسطة الدولة الوطنية". وقد كتب المفكر الكيني علي مزروعي (مع الاختلاف معه هنا وهناك)، وكذلك فرانز فانون، عن الكيفية التي تتحول بها الدولة ما بعد الاستعمار إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الداخلية بدل تفكيكها. كما أشار هنري لوفيفر إلى أن السيطرة على الفضاء والأرض ليست عملية اقتصادية فقط، بل عملية سياسية تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية والسلطة والهوية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المقاربة الثورية التي تبنتها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال فيما يتعلق بقضية الأرض، وهي مقاربة تنطلق من رؤية "السودان الجديد"، التي ترى أن الأرض ليست مجرد سلعة قابلة للاحتكار، بل هي حق تاريخي واجتماعي وثقافي للمجتمعات المحلية. ولهذا تبنت الحركة الشعبية فلسفة قانونية مفادها أن الأرض ملك للمجتمعات، وأن أي استثمار أو تطوير أو استغلال للموارد يجب أن يتم بالتوافق مع هذه المجتمعات، ووفق اتفاقات عادلة ومنصفة تضمن استفادة السكان المحليين، لا تهجيرهم أو تهميشهم. هذه الفلسفة ليست غريبة عن التطورات القانونية الحديثة في العالم، بل تقترب من تجارب دول اعترفت بحقوق الشعوب الأصيلة في الأرض والموارد بعد تاريخ طويل من التهميش والاستيلاء. ففي كندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، جرى – بدرجات متفاوتة – الاعتراف بأن الأرض ليست مجرد ملكية للدولة، بل ترتبط بتاريخ ووجود وهوية المجتمعات الأصلية. ولذلك أصبحت الحكومات ملزمة قانونيًا بالتشاور مع هذه المجتمعات والحصول على ما يُعرف بـ "الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة" قبل تنفيذ المشاريع الكبرى المتعلقة بالأرض أو الموارد الطبيعية. كما أكدت الأمم المتحدة في "إعلان حقوق الشعوب الأصيلة" على حماية الحقوق الجماعية المتعلقة بالأرض والثقافة والموارد الطبيعية، وعلى ضرورة احترام حق المجتمعات في المشاركة في القرارات التي تؤثر على حياتها ومستقبلها. ومن هذا المنطلق، فإن ما تطرحه الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بشأن الأرض والعدالة التاريخية لا يمثل موقفًا عابرًا أو دعائيًا، بل يعكس انحيازًا واضحًا لحقوق مجتمعات الهامش التي ظلت لعقود ضحية للاستغلال والإقصاء. ولهذا فإن الذين يترصدون بالحركة الشعبية ويحاولون النيل منها في هذه المرحلة، إنما يستهدفون – في جوهر الأمر – المبادئ والقيم التي تدافع عن حق هذه المجتمعات في الأرض والكرامة والموارد والمشاركة العادلة في بناء الوطن.
إن أهمية هذه المقاربة لا تكمن في بعدها الأخلاقي فقط، بل في بعدها العملي أيضًا. فالتجارب الإنسانية أثبتت أن المجتمعات التي تشعر بأنها شريكة في الأرض والثروة تكون أكثر استقرارًا وأقل عرضة للنزاعات المسلحة. أما حين تُنتزع الموارد من المجتمعات لصالح نخب بعيدة، فإن ذلك ينتج شعورًا عميقًا بالاغتراب والظلم، ويتحول إلى وقود دائم للصراع. ومن هنا جاءت ثورية مشروع السودان الجديد؛ لأنه لم يتعامل مع الأرض بوصفها ملفًا إداريًا ثانويًا، بل باعتبارها جزءًا من مشروع العدالة التاريخية وإعادة تأسيس الدولة. فالعدالة التاريخية لا تعني وقف الحرب فقط أو تقاسم السلطة، بل تعني إعادة النظر في البنية التي أنتجت التهميش أصلًا، بما في ذلك أنماط ملكية الأرض، وتوزيع الموارد والخدمات، والعلاقة بين المركز والأطراف. وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في جبال النوبة، حيث تتميز المجتمعات المحلية بتاريخ طويل من التعاون والتكافل والتداخل الاجتماعي. فمجتمعات جبال النوبة ليست كيانات مغلقة، بل تكوينات تاريخية معقدة قامت على التبادل الزراعي والرعوي والثقافي، وعلى شبكات من المصالح والعلاقات الإنسانية. وقد عُرفت هذه المجتمعات بالحكمة، والتعايش، والقدرة على إدارة التنوع عبر الأعراف المحلية وآليات الصلح التقليدية. غير أن التحولات السياسية والحروب، إلى جانب غياب الدولة العادلة، جعلت قضايا الأرض أكثر حساسية. ولهذا أصبح ترسيم الحدود بين المجتمعات والقبائل ضرورة قانونية وتنظيمية، لا بهدف صناعة الانقسام، بل بهدف منع النزاعات وحماية الحقوق التاريخية بصورة واضحة وعادلة.
إن فكرة ترسيم الحدود ليست نقيضًا للتعايش، بل كثيرًا ما تكون شرطًا له. ففي العلوم القانونية والأنثروبولوجية، تشير نظريات "إدارة الموارد المشتركة" عند العالمة الحائزة على نوبل إلينور أوستروم إلى أن وضوح الحقوق والحدود يقلل من احتمالات الصراع حول الموارد. كما أثبتت تجارب عديدة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أن غموض الحدود التاريخية للأرض يُستخدم كثيرًا لإشعال النزاعات الإثنية والقبلية. وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية، ساهمت برامج تنظيم الأراضي وتوثيق الملكيات في تقليل الاحتكاكات المحلية. وفي غانا وكينيا، لعبت عمليات ترسيم الحدود المجتمعية دورًا مهمًا واساسيا في الحد من النزاعات الرعوية والزراعية. وحتى في التجارب الفيدرالية الحديثة، مثل إثيوبيا وجنوب أفريقيا، أصبحت قضايا الإدارة المحلية والاعتراف بالمجتمعات وحقوقها جزءًا أساسيًا من بناء الاستقرار. ومن هذا المنطلق، يمكن القول بموضوعية إن كثيرًا من الاحتكاكات التي تجري اليوم، والتي يرتبط فتيلها بقضايا الأرض، كان يمكن احتواؤها لو كانت الحدود التاريخية للمجتمعات معروفة وموثقة ومعترفًا بها قانونيًا. فالوضوح القانوني لا يمنع التعاون، بل ينظمه. وبعد تثبيت الحقوق، تستمر المجتمعات في التبادل الاقتصادي والاجتماعي والتعايش، كما تفعل المجتمعات الحديثة في كل أنحاء العالم. وهنا تظهر أهمية الانتقال من "العقلية القبلية المغلقة" إلى أفق أوسع يقوم على المواطنة والدولة الحديثة. فالمجتمعات القبلية – أيًا كانت – لا يمكنها أن تبقى أسيرة احتياجات الماضي وحدوده النفسية القديمة. والتاريخ لا يعود إلى الوراء، بل يتحرك إلى الأمام. والمجتمعات التي تنجح هي التي تدرك هذه الحركة، وتتفاعل معها إيجابيًا، وتعيد تنظيم نفسها "ثوريا" داخل شروط الحداثة السياسية والقانونية. ولهذا يمثل مشروع السودان الجديد محاولة تاريخية لنقل السودان من دولة الامتيازات والهويات المغلقة إلى دولة المواطنة المتساوية، عبر نظام علماني ديمقراطي لا مركزي قائم على العدالة التاريخية. وهذه الرؤية لا تلغي المجتمعات المحلية، بل تحررها من الاستخدام السياسي الضيق، وتفتح أمامها أفق المشاركة في وطن حديث - بل بناء الوطن الحديث هذا!
لكن هذا المشروع التحولي يواجه أشكالًا متعددة من الاستهداف، ليس من القوى المرتبطة تاريخيًا ببنية السودان القديم ومصالحه فقط، بل أيضًا من بعض النخب والتيارات التي ما تزال تتحرك داخل أفق الماضي، وغير قادرة على استيعاب حجم التحول المطلوب لمعالجة الأزمة السودانية من جذورها. فالمشروع الذي يقوم على العدالة التاريخية، وإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والهامش، والاعتراف بحقوق مجتمعات التهميش في الأرض والموارد والسلطة، يهدد بالضرورة البنية التي قامت عليها الامتيازات القديمة لعقود طويلة. ولهذا تتحول قضايا الأرض والموارد والعلاقات بين المجتمعات المحلية إلى ساحات شديدة الحساسية، تحاول بعض الجهات النفاذ عبرها لإضعاف المشروع وتشويه صورته. وحين تعجز القوى المحافظة عن تقديم رؤية علمية قادرة على معالجة جذور الأزمة السودانية، تلجأ أحيانًا إلى تضخيم الاحتكاكات المحلية، وإثارة الشكوك والانقسامات، ودفع المجتمعات إلى التمترس داخل الهويات الضيقة، بدل الانخراط في مشروع وطني أوسع يهتم أيضًا بقضايا البناء والتنظيم والتطوير داخل مجتمعات جبال النوبة نفسها. ومن هنا، فإن استهداف الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال لا يتعلق فقط بمواجهة تنظيم سياسي أو عسكري، بل يرتبط بالصراع الأعمق حول طبيعة الدولة السودانية نفسها: هل تظل دولة قائمة على الاحتكار والهيمنة وعدم التوازن التاريخي، أم تتحول إلى دولة جديدة تقوم على المواطنة والعدالة والتعدد؟ ولذلك فإن الحملات ضد رؤية السودان الجديد تعكس، في جوهرها، خوفًا من التحولات البنيوية التي يطرحها هذا المشروع على مستوى الدولة والمجتمع في السودان.
غير أن السلطة المدنية للسودان الجديد أدركت مبكرًا حساسية قضية الأرض، وما يمكن أن تسببه من احتكاكات إذا تُركت دون تنظيم قانوني ومجتمعي واضح، ولذلك تعاملت مع الملف بوعي ومسؤولية باعتبارها الجهة المدنية التي تدير شؤون الأراضي المحررة عبر مؤسساتها وهياكلها القائمة. وفي هذا الإطار بادرت بتنظيم مؤتمر للإدارة الأهلية في هيبان استمر ثلاثة أيام، وشارك فيه 58 مكًّا من مختلف المجتمعات. وقد خلصت الأغلبية الساحقة، بواقع 57 مشاركًا، إلى أن الطريق الأكثر استدامة لمنع النزاعات حول الأرض يتمثل في ترسيم الحدود بين المجتمعات بصورة قانونية وعادلة. وتُثار أحيانًا حجج تدعو إلى ترك أمر ترسيم الحدود "للمدنيين" أو "للإدارات الأهلية" وحدها، غير أن هذا الطرح يتجاهل طبيعة الواقع الإداري والاجتماعي في جبال النوبة في هذا الوقت؛ فالسلطة المدنية للسودان الجديد هي، بحكم مؤسساتها القائمة، الجهة المدنية المسؤولة عن إدارة الأراضي المحررة، بينما تُعد الإدارة الأهلية "المكوك" جزءًا أصيلًا من البنية المجتمعية والإدارية وفق الأعراف المحلية. ولذلك فإن ما جرى لم يكن فرضًا من طرف واحد، بل تنسيقًا بين الشرعية المدنية والشرعية المجتمعية. كما أن احترام رأي الأغلبية بعد الحوار والتشاور يظل أحد المبادئ الأساسية لأي ممارسة ديمقراطية جادة، خاصة في القضايا المرتبطة بالأرض والاستقرار المجتمعي، لأن ترك هذه الملفات دون تنظيم واضح يفتح الباب للنزاعات والتأويلات والتدخلات السياسية. . و تبرز هنا أهمية التمييز العميق بين "حدود الملكية" و"حدود المنفعة"، لأن الخلط بين المفهومين كان أحد أسباب كثير من النزاعات في المجتمعات اثناء الحروب، او الخارجة من الحرب أو الواقعة تحت ضغط التحولات السياسية والاقتصادية. فحدود الملكية تتعلق بالاعتراف التاريخي والقانوني والسيادي بحق مجتمع معين في أرضه بوصفها امتدادًا لذاكرته الجماعية وتاريخه ووجوده الثقافي والاجتماعي. إنها ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل اعتراف أخلاقي وقانوني بأن هذه الأرض لم تكن "أرضًا بلا شعب"، ولم تكن فراغًا مفتوحًا للاستيلاء السياسي أو الإداري باسم الدولة المركزية أو الاستثمار أو القوة العسكرية. أما حدود المنفعة، فهي مفهوم أكثر مرونة وحداثة، يقوم على أن الاعتراف بحقوق الملكية لا يعني الانغلاق أو منع التفاعل الإنساني والاقتصادي بين المجتمعات. فالمراعي يمكن أن تكون مشتركة وفق اتفاقات، ومسارات الحركة الموسمية يمكن تنظيمها قانونيًا، والتبادل الزراعي والتجاري والاجتماعي يمكن أن يستمر بصورة أكثر استقرارًا حين تكون الحقوق الأساسية واضحة وغير مهددة. ولهذا فإن المجتمعات الحديثة لا تُبنى على إلغاء الحدود، بل على تحويلها من أدوات صراع إلى أدوات تنظيم وعدالة وتعاون. وهذه المقاربة تعكس تطورًا مهمًا في الفكر القانوني والسياسي المعاصر؛ لأنها تحاول الجمع بين مبدأين كان يُنظر إليهما أحيانًا كمتناقضين: حماية الحقوق التاريخية للمجتمعات المحلية من ناحية، ومنع الانغلاق القبلي أو العزلة الاقتصادية من ناحية أخرى. فهي لا تؤسس لجدران اجتماعية، بل تؤسس لعلاقات أكثر وضوحًا وعدالة، لأن أكثر العلاقات قابلية للانفجار هي تلك التي تُترك في المنطقة الرمادية بين "الحق غير المعترف به" و"الاستعمال غير المنظم". وفي هذا السياق، تبرز حجة يطرحها بعض المعارضين لمسألة ترسيم الحدود أو تنظيم قضايا الأرض، ومفادها أن "الوقت غير مناسب"، وأنه ينبغي تأجيل هذه الملفات إلى ما بعد توقف الحرب أو إلى حين "الانتصار". وهي حجة تبدو في ظاهرها دعوة لتجنب التوتر، لكنها في كثير من الأحيان تتجاهل درسًا أساسيًا من تجارب النزاعات في العالم: أن القضايا المؤجلة أثناء الحروب كثيرًا ما تتحول بعد الحرب إلى انفجارات أكبر وأكثر تعقيدًا. فالحروب لا تُنتج فقط دمارًا عسكريًا، بل تُعيد أيضًا تشكيل العلاقات حول الأرض والموارد والسكان. وإذا تُركت هذه القضايا دون تنظيم أو اعتراف قانوني عاجلا، فإن الفراغ الناتج عنها يصبح بيئة مثالية للإشاعات، والتعبئة الإثنية، والتدخلات السياسية، ومحاولات الاختراق من القوى المعادية لمشاريع التغيير. ولهذا فإن كثيرًا من تجارب بناء السلام الحديثة – من رواندا إلى جنوب أفريقيا إلى كولومبيا – أدركت أن معالجة قضايا الأرض أثناء الثورة اوالمرحلة الانتقالية ليست ترفًا مؤجلًا، بل جزء من منع الحروب المستقبلية نفسها- جزء من التفكير الاستراتيجي.
ومن ناحية أخرى، يبرز السؤال الجوهري: متى يكون الوقت "مناسبًا" للعدالة وتنظيم قضايا الأرض؟ هل تنتظر المجتمعات حتى تتراكم الشكوك والاحتقانات وتتحول إلى صدامات مفتوحة، أم أن الحكمة السياسية الحقيقية تكمن في معالجة جذور الأزمة قبل أن تنفجر؟ فتنظيم العلاقة بالأرض لا يصنع حربًا جديدة، بل يمنع الحروب المؤجلة. وقد أثبت تاريخ السودان أن تأجيل القضايا البنيوية بحجة "الظرف غير المناسب" كان أحد أسباب تعقيد الأزمات، حيث جرى دائمًا تأجيل العدالة والاعتراف والإصلاح حتى تحولت التناقضات إلى نزاعات دامية. ولهذا فإن المقاربة الأكثر مسؤولية ليست الهروب من القضية، بل إدارتها بوعي وعدالة عبر الحوار، والمؤسسات القانونية، والاتفاقات المجتمعية الواضحة. فالمجتمعات القوية ليست تلك التي تنكر تناقضاتها، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لتنظيمها بصورة قانونية عادلة قبل أن تتحول إلى صراع مدمر وممتد. كما أن جبال النوبة ليست أرض ندرة أو انغلاق، بل منطقة غنية ومتعددة الموارد والثقافات، وفي هذا التنوع تكمن فرص كبيرة للتكامل والتبادل الإيجابي بين المجتمعات. ولذلك فإن ترسيم الحدود ينبغي أن يُفهم بوصفه إجراءً قانونيًا وتنظيميًا لحماية الحقوق وبناء الاستقرار، لا أداة للفرقة. فالمستقبل لا يمكن أن يُبنى عبر إعادة إنتاج العصبيات القديمة، بل عبر عقد اجتماعي جديد يعترف بالحقوق، وينظم العلاقة بالأرض والموارد بعدالة، ويحوّل التنوع من مصدر توتر إلى مصدر قوة. وهذه هي الفكرة الأساسية في مشروع السودان الجديد: أن الوطن لا يُبنى بالهيمنة، بل بالإنصاف، ولا يستقر بالقوة، بل بالعدالة التاريخية والمواطنة المتساوية.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|