Post: #1
Title: الكون المصغر والجرح الواحد: تأملات في رتق سودان ما بعد الكرامة كتبه ادم أبكر عيسي
Author: ادم ابكر عيسي
Date: 05-11-2026, 11:42 PM
11:42 PM May, 11 2026 سودانيز اون لاين ادم ابكر عيسي-السودان مكتبتى رابط مختصر
اصداء الوعي ...
""
ليس السودان وطنًا واحدًا، بل كونٌ مصغَّرٌ التقت فيه الأعراق واللغات والأديان على وقع إيقاع واحد، كأنه سيمفونية بديعة توزعت فيها النغمات دون أن تفقد لحنها الجمعي.. لكن الرياح حين تعصف بالجسد الواحد، يتحول هذا الكون المتناغم إلى قطعٍ متناثرة، وكل قطعة تظن أنها الكل، وكل نبضة تظن أنها القلب الوحيد النابض.
في زمن تتعالى فيه أصوات الانتماءات الضيقة، ويتباهى البعض بالأنساب وكأنها جوائز استحقاق لا أقداراً إلهية، تمر علينا آية قرآنيّة كالسهم: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (الحجرات: 13). تأمل: لم يقل الله "لتفاخروا"، ولا "لتتنابذوا"، بل "لتعارفوا". التعارف ذلك الجسر الهش الذي يبدأ بابتسامة وينتهي بقلوب تفتح أبوابها، لا بسياج تعلو فوقه راية الجدود.
وحين تأتي حملات "التسوية" التي تثير النعرات باسم تصحيح المساراو تحت شعارات براقة، كأنها تحارب تنوعاً هو سنة الله في خلقه، نذكر قوله تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" (هود: 118). فالاختلاف قدر، والتسامح اختيار. ومن اختار التسامح فقد تشبه بالأنبياء، كما قال عليه الصلاة والسلام: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وأعظم مكارم الأخلاق أن تسع الآخر بكل ما فيه، لا أن تُلغيه.
لكن التسامح لا ينبت في تربة الظلم، كما لا ينبت الريحان في السبخة. العدل هو المطر الذي يحيي الأرض الميتة. قال الله: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (النحل: 90)، وجعل العدل قرين الإحسان، أي أن تبدأ بالحق ثم تزينه بالفضل. والقانون العادل هو صمام الأمان الذي يجرد الإنسان أمامه من قبيلته ونسبه، فلا يسأل: ممن أنت؟ بل: ماذا فعلت؟ وهو الذي يحقق الحديث النبوي الشريف: "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى". التقوى وحدها، لا الجدود، ولا لون البشرة، ولا رمز القبيلة.
بعد معركة الكرامة ، مهما كانت مبرراتها ودموعها بقيت جروح عميقة تحتاج إلى مراهم لا تُحرق. العدالة الانتقامية تنتصر للحظة لكنها تهزم التسامح إلى الأبد؛ أما العدالة الترميمية، فهي التي تعلّمنا القرآن أن نرد بها: "وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله" (الشورى: 40). هنا التسامح ليس ضعفاً، بل قوة من نوع خاص: شجاعة أن تعفو وأنت قادر، فتنقل المجتمع من دائرة الدم إلى دائرة الأمل.
للشباب السوداني الذي دفع أثمن الفواتير، يقول الحديث: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". هم لم يحفروا الآبار التي يتقاتل عليها الكبار، ولم يزرعوا الأشجار التي توزعت ظلالها على القبائل. مهمتهم أن يكتبوا سردية جديدة: "نحن" بدل "هم"، وأن يذكروا أن النبي ﷺ حين نادى: "يا أيها الناس، ربكم واحد، وأبوكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي..." كان يهدم كل صنم قبلية يرتفع على حساب آخر.
الدولة بعد الحرب يجب أن تكون حارساً أميناً لا طاغياً متسلطاً. أول واجبها أن تحفظ كرامة الإنسان التي نص عليها القرآن: "ولقد كرمنا بني آدم" (الإسراء: 70). ثم تسن قوانين تجرّم الخطاب القبلي، وتضمن توزيعاً عادلاً للموارد ، لأن جذور أكثر النزاعات ليست الدم بل الخبز والماء والذهب. وتزرع في مناهج التعليم حب الاختلاف، كما علمنا النبي في تعامله مع اليهودي الذي يمرض فيزوره، ومع النصراني الذي يهديه فيقبل هديته.
. أما الأحزاب السياسية التي كانت أحياناً منابر تحريض، فعليها أن تتذكر أن النبي ﷺ قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة". الوطن سفينة، والكل فيه متكافل، فمن ينخر في جسد الوطن باسم القبيلة فهو يخرق السفينة للجميع. دور الأحزاب الآن تثقيف الجماهير، لا تسييس الهويات، وأن تضع برامج تخدم الوطن لا تاجاً على رؤوس قادتها.
دور العبادة ..المساجد والكنائس والمعابد ،هي رسالة السماء التي تجمع ولا تفرق. قال الله: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا" (آل عمران: 103). فالحبل واحد، والأيدي تمتد إليه من كل الجهات. رجال الدين مطالبون اليوم أن يكونوا جسراً، وأن يعلموا الناس أن الأنبياء لم يأتوا لتعظيم الأنساب بل لتهذيبها، وأن السابق بالتقوى لا بالانتساب.
الإعلام، الذي حمل في عقود مضت مسؤولية تأجيج النعرات، يخرج اليوم من تحت الركام ليضع مدونة شرف: ألا ينسب الجريمة إلى قبيلة كاملة، وألا يصنع أبطالاً قبليين على حساب أبطال وطنيين، لأن النبي ﷺ قال: "من دعا إلى عصبية فليس منا". والأخطر من ذلك، أن يتحول الإعلام إلى بوق للحرب بدلاً من أن يكون مهندساً للسلام.
العدالة الانتقالية هي سؤال المصير: كيف نحاسب المعتدين دون أن نخلق جيلاً جديداً من الثأر؟ تجربة جنوب أفريقيا مع لجنة الحقيقة والمصالحة، بقيادة مانديلا وتوتو، كانت تجسيداً للآية: "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" (فصلت: 34). لقد أرغموا الجلادين على مواجهة الضحايا، والضحايا على احتمال سماع الحقيقة الأليمة، فلم تنزلق البلاد إلى حرب أهلية. أما رواندا، فتعلمنا أن غياب العدالة الانتقالية يحول المجتمع إلى برميل بارود، حتى ابتكروا محاكم "الجاكاكا" التقليدية التي جمعت بين العدالة والمصالحة المجتمعية، وكأنها تطبيق لقول الله: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله".
من التاريخ: الأندلس في أوجها كانت نموذجاً ، مسلمون ويهود ومسيحيون يترجمون كتب بعضهم ويزورون بعضهم، فلما حل التعصب مكان التسامح، انهارت كما تنهار جدران لا أساس لها من رحمة. والدولة العثمانية بعصرها الذهبي، بنظام "الملل"، أعطت الطوائف حكماً ذاتياً، فيه عِبَرٌ وإن كان يعيبه بعض التراتبية. وسويسرا اليوم بثلاث لغات وديانتين، نجحت لأنها جعلت اللامركزية مبدأ، والهوية الجامعة فوق كل انتساب ضيق. أما لبنان، فالمحاصصة الطائفية الصلبة حولته إلى ساحة صراع دائم، درسٌ قاسٍ للسودان: لا تكتبوا القبلية في الدستور، ولا تجعلوها مفتاحاً للسلطة والثروة.
في الختام، التسامح ليس ضعفاً كما يظن الجاهلون، بل أقوى أنواع القوة، لأنه يتطلب شجاعة نادرة: شجاعة احتمال الألم دون تحويله إلى ثأر. والقانون العادل هو الذي يحمي هذه الشجاعة من أن تُستغل. ربما كانت حكمة أم درمانية بليغة تقول: "الدنيا دولاب". واليوم، بعد أن دارت بهم الأيام، على السودانيين أن يقرروا: هل سيكون دولاب الحرب الذي يسحق كل شيء، أم دولاب الحياة الذي يدور ليصنع من حبات الرمل زجاجاً يرى من خلاله بعضهم بعضاً؟
لنفتح شبابيك التسامح ولو بمقدار ذرة ضوء، فربما كانت تلك الذرة كفيلة بإضاءة طريق لا نهاية له من التعايش والسلام، كما قال النبي ﷺ: "تبسمك في وجه أخيك صدقة". فإذا كانت البسمة صدقة، فكم بالله عليك يكون العفو عن الجارح، وقبول الآخر باختلافه، رتقاً للنسيج الاجتماعي بعد كل هذا الممزق؟.
|
|