أيُّ وطنٍ تريدون أن تعود كاودا إلى حضنه؟ كتبه خالد كودي

أيُّ وطنٍ تريدون أن تعود كاودا إلى حضنه؟ كتبه خالد كودي


05-08-2026, 10:54 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1778277294&rn=0


Post: #1
Title: أيُّ وطنٍ تريدون أن تعود كاودا إلى حضنه؟ كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 05-08-2026, 10:54 PM

10:54 PM May, 08 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر



أيُّ وطنٍ تريدون أن تعود كاودا إلى "حضنه"؟

8/5/2026 ، بوسطن

عن الحرية، وغزو العقول، وخوف المضطهَد من الخروج من بيت السيّد
يُكرّر بعض المخترَقين من أبناء الهامش — ومن جبال النوبة على وجه الخصوص — ممن جرى تجنيدهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر شبكات الحركة الإسلامية وأجهزة الأمن والمخابرات التابعة لسلطة البرهان، عبارات تبدو في ظاهرها عاطفية وساذجة، لكنها في حقيقتها محمّلة بتاريخ طويل من الهيمنة والعنف وإعادة تشكيل الوعي. يقول بعضهم:
"يجب أن تعود كاودا إلى حضن الوطن"، أو "يجب أن تعود جبال النوبة إلى حضن الوطن"
ومن الواضح أنهم يقصدون الأراضي المحررة الخارجة عن سيطرة الدولة المركزية، كما أن "الوطن" الذي يتحدثون عنه ليس مفهوماً مجرداً للمواطنة والكرامة، بل وطن السلطة القديمة نفسها؛ وطن عبد الفتاح البرهان وكامل إدريس، ووطن الجيش العقائدي والحركة الإسلامية التي حكمت السودان بالقهر والحروب لعقود.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تعود كاودا أو جبال النوبة إلى "حضن الوطن"؟
بل:
أيُّ وطن هذا الذي يُراد لها أن تعود إليه؟
هل هو وطن المواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية؟
أم وطن الطائرات التي قصفت المدارس والأسواق والمستشفيات؟
أم وطن المجاعات المصنوعة سياسياً والحصار والتجويع؟
أم وطن الدولة التي تعاملت مع جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق باعتبارها "مناطق تأديب" لا أجزاء متساوية من البلاد؟
غير أن الأخطر من السؤال السياسي هو السؤال النفسي–الفلسفي:
لماذا يدافع بعض أبناء المجتمعات المضطهَدة عن السلطة التي قمعتهم؟
ولماذا يتحول بعض أبناء النوبة أنفسهم إلى أدوات لبروبغاندا سلطة بورتسودان وأجهزة الحركة الإسلامية الأمنية، رغم التاريخ الطويل من القصف والقتل والتجويع والإقصاء؟
لفهم هذه الظاهرة، لا تكفي السياسة وحدها. بل ينبغي العودة إلى فلسفة السلطة، وعلم النفس الاستعماري، وتحليل الهيمنة على الوعي ذاته. فالمسألة ليست مجرد اختلاف في الرأي، بل نتيجة عملية طويلة من إعادة تشكيل الإدراك، بحيث يُعاد تقديم الدولة التي همّشت الناس وقتلتهم بوصفها “الوطن الطبيعي” الذي يجب العودة إليه مهما بلغت جرائمه.
وقد شرح نعوم تشومسكي هذه الظاهرة من خلال مفهوم "صناعة القبول"، حيث لا تكتفي السلطة بممارسة العنف، بل تعمل على إنتاج وعيٍ يجعل ضحاياها يدافعون عنها ويخشون التحرر منها. كما بيّن فرانز فانون أن بعض المضطهَدين، تحت ضغط طويل من الهيمنة، يبدأون في رؤية العالم بعين جلادهم، فيتحول البحث عن اعتراف المركز إلى دفاع عن منظومته نفسها، حتى لو قامت على نفي إنسانيتهم.
ولهذا، فإن ما يجري اليوم يعكس حالة واضحة من التصدع التاريخي داخل بنية السودان القديم. فمراكز القوة المرتبطة بالحركة الإسلامية والدولة المركزية تدرك أن مشروعها يترنح، وأن مشروع السودان الجديد — القائم على المواطنة والعدالة التاريخية والعلمانية والديمقراطية واللامركزية — يقترب من فرض نفسه كأفق سياسي جديد. ولذلك تسعى هذه القوى، بصورة محمومة، إلى تجنيد ضعفاء الأفق والوعي، واستخدامهم كأدوات لإعاقة سقوط الدولة التي همّشتهم نفسها منذ الاستقلال.

العبيد المحرَّرون الذين عادوا إلى المزرعة: الخوف من الحرية وصناعة الطاعة
بعد الحرب الأهلية الأمريكية (1861–1865)، أصدر الرئيس أبراهام لينكولن “إعلان تحرير العبيد” عام 1863، ثم جرى إلغاء العبودية رسمياً عبر التعديل الثالث عشر للدستور الأمريكي عام 1865. وبذلك انتهى، من الناحية القانونية، واحد من أكثر أنظمة الاستغلال وحشية في التاريخ الحديث. غير أن المجتمع الأمريكي واجه مفارقة عميقة وصادمة: إذ إن عدداً من العبيد المحرَّرين لم يغادروا المزارع التي استُعبدوا فيها، وبعضهم عاد فعلاً إلى العمل تحت سلطة المالك القديم، وإن بصيغ مختلفة.
وقد حيّرت هذه الظاهرة كثيراً من المؤرخين في البداية. كيف يمكن لإنسان خرج لتوّه من نظام سحقه وأهانه أن يعود إلى المكان ذاته؟ لكن السؤال نفسه كان قاصراً، لأنه افترض أن الحرية حدث قانوني فوري، بينما الحقيقة أن الحرية حالة وعي، وقدرة على تخيّل الذات خارج منظومة الهيمنة.
شرح المفكر إريك فروم، في كتابه الهروب من الحرية، أن الإنسان قد يخاف من الحرية نفسها، لأنها تضعه فجأة أمام مسؤولية القرار والمعنى والمصير. فالعبد الذي عاش عمره داخل نظام يحدد له مكانه وحدود حركته قد لا يعرف:
      - أين يذهب؛
       - كيف يبني استقلاله؛
       - وما الذي يعنيه أصلاً أن يعيش خارج سلطة السيد
- لم يكن الأمر حباً في العبودية، بل خوفاً من المجهول، وشكاً عميقاً في القدرة على الحياة خارج النظام الذي شكّل وعيه لعقود. وهذه إحدى أخطر انتصارات السلطة: أن تجعل ضحاياها يشكون في أهليتهم للحرية نفسها.
ومن هنا يمكن فهم ما شرحه نعوم تشومسكي حول "صناعة القبول". فالسلطة لا تحكم بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر إنتاج خطاب ووعي يجعل الناس يقبلون النظام الذي يضرهم، بل ويدافعون عنه أحياناً ضد مصالحهم التاريخية. إن أجهزة الأمن والدعاية لا تحتاج دائماً إلى إقناع الناس بأنهم يعيشون في عدالة، بل يكفي أن تُقنعهم بأن:
       - لا بديل ممكناً؛
      - وأن الحرية تعني الفوضى؛
      - وأن الخضوع أكثر أماناً من التحرر
- وهكذا تتحول الدولة القديمة إلى "قدر طبيعي"، حتى في وعي ضحاياها. وهنا يظهر دور "الترميز التضليلي" الذي تُعيد من خلاله السلطة تعريف الأشياء:
       - فيصبح القصف "حماية للوطن"؛
       - ويصبح الخضوع "وطنية"؛
       - ويصبح طلب الكرامة "تهديداً للأمن القومي"
وفي هذا السياق تحديداً، يجري استخدام بعض أبناء المناطق المهمشة أنفسهم كأدوات لإعادة إنتاج خطاب المركز، حيث يتحول بعضهم — بفعل الاختراق الأمني أو التماهي النفسي مع السلطة — إلى مروّجين للمشروع الذي قام أصلاً على تهميشهم.
وقد شرح فرانز فانون هذه المأساة النفسية حين تحدث عن "المستعمَر الذي يرى نفسه بعين المستعمِر". ففي كتابه بشرة سوداء، أقنعة بيضاء، يوضح كيف يبدأ بعض المضطهَدين في البحث عن الاعتراف من المركز حتى لو كان هذا المركز قائماً على نفي إنسانيتهم. ولهذا يتحول بعض أبناء الهامش إلى:
      - مدافعين عن الجيش الذي قصف قراهم؛
      - ومبررين للدولة التي جرّدتهم من حقوقهم؛
      - ومهاجمين لأي مشروع تحرري يهدد بنية الهيمنة القديمة
وقد كتب فانون عبارته الشهيرة:
أعظم نجاح للاستعمار ليس احتلال الأرض، بل احتلال "عقل المستعمَر"
وهذا ما يفسر كيف يمكن لبعض الناس أن يطالبوا اليوم بعودة كاودا أو جبال النوبة إلى "حضن" لم يمنحهم، عبر عقود، سوى الحرب والقصف والإقصاء.
كما وصف دبليو إي بي دي بويز هذه الحالة بمفهوم "الوعي المزدوج"، حيث يبدأ المضطهَد في رؤية نفسه من خلال نظرة السلطة إليه. فيصبح السؤال:
"كيف يراني المركز؟"
أهم من:
"من أنا؟ وما حقي؟"
أما بيل هوكس فقد أوضحت أن أنظمة الهيمنة لا تعتمد فقط على القمع، بل على "تربية الخضوع"، أي تحويل الطاعة إلى فضيلة أخلاقية، والاعتراض إلى انحراف أو تهديد. وهكذا يصبح:
       القصف "دفاعاً عن الدولة"؛
       والمطالبة بالعدالة "خيانة"؛
      " والتحرر "فوضى
وفي السياق نفسه، كتب جيمس بالدوين:
" ليست أن الضحية لا تعرف الحقيقة، بل أن النظام بأكمله قائم على منعها من تصديقها"
ولهذا يستمر بعض الناس، حتى بعد رؤية القصف والمجازر، في الدفاع عن السلطة، لأن الاعتراف بالحقيقة يفرض عليهم مواجهة سؤال نفسي وأخلاقي قاسٍ:
إذا كان النظام الذي دافعتُ عنه ظالماً… فمن أكون أنا؟
ومن هنا يمكن فهم لماذا تخشى سلطة بورتسودان مشروع السودان الجديد. فالمشكلة بالنسبة للنخب القديمة ليست "وحدة السودان"، بل انهيار الامتيازات التي قامت عليها الدولة القديمة. لأن مشروع السودان الجديد يعني:
       المواطنة المتساوية؛
       - العدالة التاريخية؛
      - إعادة بناء الجيش كمؤسسة قومية مهنية؛
       - وإنهاء استخدام الدين والعرق كأدوات للهيمنة
ولهذا تُشن حملات البروباغندا، وتُستخدم بعض الأصوات من أبناء الهامش أنفسهم لإعادة إنتاج خطاب المركز، ليس دفاعاً عن الوطن، بل دفاعاً عن البنية القديمة التي جعلت من التهميش نظام حكم.

أخيراً: الحرية ليست هدية بل وعي
كاودا ليست "مشكلة" كما تصفها الدولة القديمة، بل سؤال أخلاقي موجّه إلى السودان كله:
هل يمكن بناء وطن لا يقوم على الخوف والقصف والإخضاع؟
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
"متى تعود كاودا إلى حضن الوطن؟"
بل:
أيُّ وطن هذا الذي يريدون لها أن تعود إليه؟
هل هو وطن المواطنة والكرامة والعدالة؟
أم وطن المركزية العنيفة والطائرات التي تقصف المدارس والمستشفيات والكنائس والمساجد والأسواق؟
أما مشروع السودان الجديد، فليس شعاراً رومانسياً ولا نزوة سياسية عابرة، بل ضرورة تاريخية فرضها فشل الدولة القديمة في بناء وطن يتسع للجميع. فالشعوب قد تعاق حركتها فتتأخر في إدراك معنى الحرية، لكنها حين تعيها وتتذوقها لا تعود إلى بيت السيّد القديم ابدا...
ولهذا فإن كل حملات التشويش، و بروباقاندا، وتجنيد الأصوات المرتبكة والمشوشة لإعاقة مسار التحرر، لن تغيّر الاتجاه العميق للتاريخ. فالتاريخ علّمنا أن السلطة قد تعيق ثورة الحرية، لكنها لا تستطيع إلغاءها. وكل الأنظمة التي ظنت أن القمع سيهزم تطلع الشعوب إلى الكرامة انتهت، وبقيت فكرة الحرية تتقدم، لأنها في النهاية ليست شعاراً سياسياً فقط، بل حاجة إنسانية لا تموت.  

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)