على حافةِ الرمادِ: حكايةُ اللجوءِ والكرامة كتبه أحمد الباقر محمد

على حافةِ الرمادِ: حكايةُ اللجوءِ والكرامة كتبه أحمد الباقر محمد


05-04-2026, 04:53 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1777866829&rn=0


Post: #1
Title: على حافةِ الرمادِ: حكايةُ اللجوءِ والكرامة كتبه أحمد الباقر محمد
Author: أحمد الباقر محمد
Date: 05-04-2026, 04:53 AM

04:53 AM May, 03 2026

سودانيز اون لاين
أحمد الباقر محمد-مصر
مكتبتى
رابط مختصر





ذُقتُ اللجوءَ لا طعمًا يُروى، بل قدرًا يُقاسي؛
حين يُنتزع المرءُ من جذوره كما تُنتزع الشجرةُ من تُربتها،
فلا ظلَّ يُؤوي، ولا أرضَ تُعرَف.

خرجنا من ديارٍ كانت تتنفّس صباحاتها،
إلى خيامٍ تُغلق في وجوهنا معنى الوطن،
ومن سَعَةٍ كانت تتّسع لأحلامنا،
إلى ضيقٍ يضيق حتى عن الدموع.

لكنَّ في القلبِ نورًا لا يخبو،
إذا ادلهمَّ الليلُ، بالإيمانِ أستضيء.

وفي المنافي ومخيمات الشتات،
حيث يُمتحن الإنسانُ بإنسانيّته،
تتساقط الألقاب كما يتساقط الغبار عن أكتاف الريح،
ويذوب الفارق بين جاهٍ وحرمان؛
فلا مالٌ يقي، ولا مقامٌ يشفع،
ويستوي الناسُ في العراء سواء.

ذاك الذي كان يُشار إليه بالبنان،
وآخر كان يُنسى في الزحام—
كلاهما يفترشان تراب الأرض،
ويلتحفان سماءً لا تعرف أسماءهم.

رأيتُ الطفولةَ ترضع الخوف بدل الحليب،
والنساء يخبّئن الأوطان في حنايا الدعاء،
والشيوخ يُقلبون الذاكرة رمادًا باهتًا،
يبحثون فيه عن جمرة حياةٍ لم تنطفئ بعد.

وسمعتُ عن أمجادٍ كانت تفيض حتى تفيض بها الطرقات،
فحسبتُها وهمًا من القول،
حتى رأيتُ بعيني كيف تهوي القممُ فجأة،
وكيف يُجرَّد العزُّ من هيبته في لحظة،
فيغدو التاريخُ شاهدًا صامتًا،
وتغدو الذاكرةُ ثقلًا لا يُحتمل.

ثم كانت القاهرة…
لا مدينةً بل مرآةُ المنفى،
تتجاور فيها وجوهُ الهاربين من كل اتجاه،
فأدركتُ أن الغنى عابر،
وأن الهيبة ظلٌّ يُنتزع مع أول عاصفة،
وأن الناس—كل الناس—
حين يشتدّ عليهم الزمان،
يعودون إلى أصلهم الأول:
بشرٌ يطلبون الأمان،
وقلوبٌ تبحث عن موضعٍ لا يُطارَد فيه الاسم،
ولا يُمحى فيه الأثر.

وفي هذا الامتداد من الشتات،
تتبدّى وجوهٌ لا تشبه ما عهدنا،
كأنها خرجت من ظلالٍ كانت مستترة،
ثم انكشفت على ضوء الغربة فجأة.

وفي بعضها خذلانٌ يثقل الروح،
وخديعةٌ لا تصيب الغريب وحده، بل الوافد الجديد؛
يُترك من كان يرجو السند،
ويُخذل من ظنّ الطريق آمنًا.

وتبلغ الغربة أن تُسائل النفسُ ذاتها:
أهذا نحن في مرايا المنافي؟

لكنّ فيهم من حمل الوطن كأمانةٍ لا تُرى،
ومشى في الدروب خفيفًا إلا من الصدق،
يستر وجه الغربة بكرامةٍ لا تنكسر،
ويزرع في الخراب أثرًا يشبه النور.

وهكذا تبقى الحكاية امتحانًا للإنسان،
في أرضٍ تُختبر فيها القيم قبل الأقدام؛
إمّا أن نعلو على العاصفة،
أو نُترك غبارًا في مهبّها.

فالشعوبُ التي سبقتنا إلى دروب اللجوء،
لم تُهزم رغم الألم، بل جعلت من محنها سيرةً للعزّة،
ومن غربتها درسًا في الصمود.

ولسنا دونهم شأنًا ولا قيمة،
بل نحن إن وُجّهنا الوجعُ إلى وعي،
صرنا أقدر على حمل المعنى من الألم،
وأشدّ رسوخًا في وجه العواصف.

فبالصبر يُبنى الجسر إلى النجاة،
وبالتعاضد تُدرأ الخطوب،
وتنهض الأرواح من تحت الرماد.

ولنجعل من الألم إذا انقضى ذكرى لا تُوجِع،
بل زادًا للغد،
وعُدّةً لزمنٍ لا يرحم،
في عالمٍ تتنازع فيه الرياحُ المصائر،
وتتقلب فيه الموازين بين قوةٍ وانكسار.

———-

أحمد الباقر محمد -القاهرة