كيف تمكنت الإرادةُ من رسمَ الخريطة بجنوب دارفور كتبه حافظ حمودة

كيف تمكنت الإرادةُ من رسمَ الخريطة بجنوب دارفور كتبه حافظ حمودة


05-03-2026, 11:58 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1777805886&rn=0


Post: #1
Title: كيف تمكنت الإرادةُ من رسمَ الخريطة بجنوب دارفور كتبه حافظ حمودة
Author: حافظ يوسف حمودة
Date: 05-03-2026, 11:58 AM

11:58 AM May, 03 2026

سودانيز اون لاين
حافظ يوسف حمودة-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر





حافظ حمودة :

تحول يحتاج الي توقف . كيف حدث التحول من رماد الفوضى إلى بنيان الدولة في جنوب دارفور ؟ . الأزمة كانت انهيارًا في العقد الاجتماعي بأكمله ؛ ثقة مكسورة بين الناس ومؤسسات الدولة ، وشوارع تسودها الهشاشة بسبب غياب الأمن ، ومستقبل يبدو بعيد المنال . في جنوب دارفور ، عاشت المجتمعات سنواتٍ تتعلّم كيف تصمد أمام المخاطر حيث يكون المجتمع قد بلغ حافة الانهيار الحقيقي .

ما شهدته الولاية في مرحلة الإدارة المدنية كان تحولًا بنيويًا في طريقة عمل الدولة داخل مجتمع جرّب الغياب طويلًا . الفارق بين التحسين والتحوّل هو الفارق ذاته بين ترميم جدار وإعادة بناء البيت من أساساته . وما جرى في جنوب دارفور كان من النوع الثاني .

في قلب هذا التحوّل وقف يوسف إدريس يوسف حامد ، رجل لا تُعرّفه شهاداته الأكاديمية وحدها ، ولا خبرته الميدانية وحدها ، ولكن يُعرّفه الجمع النادر بينهما . قائد يفهم المنظومة من أعلاها ويعرف الواقع من أدناه ، يتحدث بلغة المؤسسات ويفهم لغة الأحياء والقرى . هذا النوع من القيادة لا يكثر ، وحين يوجد في اللحظة المناسبة ، يصنع الفرق الذي لا تصنعه الميزانيات .

في المناطق التي طال فيها غياب الدولة، يصبح مجرد شعور المواطن بأن أحدًا ما يسمعه ، يعد إنجازًا في حد ذاته . لكن ما حدث في جنوب دارفور تجاوز الشعور إلى الواقع الملموس . في الشوارع التي كانت تخلو مساءً من المارة خشيةً من النهابة ، عاد الناس يتنفسون بشكل طبيعي . في المناطق التي كانت المرأة تقطع فيها مسافات شاقة لأجل جرة ماء نظيف ، أصبح الماء قريبًا منها . في الفصول التي كانت تخنقها الكثافة وتشحّ فيها الموارد ، بدأت بصيص فرصة تعليمية حقيقية تتسلّل . والمزارع الذي كان يحسب خطواته خارج قريته خوفًا ، استعاد أرضه وأمانه ورزقه . هذه التفاصيل الإنسانية هي الوجه الحقيقي للإنجاز . الأرقام تُنسى ، أما الحياة التي تعود إلى مسارها تبقى .

السؤال الذي يطرحه المراقبون دائمًا أمام تجارب كهذه هو : ما السرّ ؟ وفي الغالب يبحثون عن الإجابة في حجم التمويل أو في الدعم الدولي أو في الظروف الاستثنائية . غير أن تجربة جنوب دارفور تُعقّد هذه المعادلة وتُغني عن الإجابة . النجاح هنا لم يُبنَ على وفرة الموارد وغياب التحديات ، ولكن على حسن توظيفها والقدرة على إدارتها . الإدارة الواعية ، حين تعمل بتنسيق حقيقي بين المؤسسات ، وحين تنطلق من فهم عميق للنسيج الاجتماعي المحلي ، تُنتج نتائج تفوق ما تُنتجه الموارد الضخمة في غياب الرؤية .

هنا تحديدًا يكمن الدرس الذي يستحق التوقف عنده . في خارطة التجارب الدولية لإعادة بناء الدولة بعد مراحل الاضطراب ، ثمة نماذج دُرست وأُطّرت وأصبحت مراجع أكاديمية . تجارب تمّت في ظروف أكثر استقرارًا ، وبموارد أوفر ، وبشبكات دعم دولي أكثر كثافة . ما يجري في جنوب دارفور يدخل هذه الخارطة من باب مختلف : نموذج نشأ في ظروف أقسى ، وبإمكانات أشح، وبإرادة محلية خالصة لم تنتظر إذنًا من الخارج لكي تبدأ . وهذا بالضبط ما يجعله أكثر قيمةً ودلالةً .

ما تقوله تجربة جنوب دارفور ليس فقط لأهلها . إنها رسالة مفتوحة لكل منطقة تعاني في أفريقيا وخارجها ، مفادها أن الانهيار ليس نهاية الحكاية ، وأن الاستقرار ليس حكرًا على من يملكون أكثر . حين تتوفّر قيادة محلية تعرف أرضها وتؤمن بناسها ، وحين تلتئم مؤسسات الدولة حول رؤية مشتركة تضع الإنسان في مركزها ، يُصبح ما بدا مستحيلًا مجرد مسألة وقت ومثابرة .
للاطلاع على التحديات والانجازات بالارقام يمكنك الاطلاع على الدراسة التوثيقية على الرابط : https://2u.pw/CCpRiWhttps://2u.pw/CCpRiW

تحت عنوان :
"من الانهيار إلى الاستقرار: تجربة الإدارة المدنية بولاية جنوب دارفور"

صادر عن المركز الافريقي للتنمية المحلية.

حافظ حمودة
4 مايو 2026