Post: #1
Title: شخبطة الحزن القديم ،، توثيق لمقاطع قصيدة الدوش! كتبه حسن الجزولي
Author: حسن الجزولي
Date: 05-02-2026, 06:49 PM
06:49 PM May, 02 2026 سودانيز اون لاين حسن الجزولي -السودان مكتبتى رابط مختصر
في عودة لي إلى بعض ما أحتفظ به من مقدمات لبعض المقالات التي تجدني أجتهد في جمع موادها على أن أعود إليها لاحقاً، إنتبهت لمشروع مقال لم أعد لإكماله، على الرغم من جمعي لافادات متنوعة عنه، وهو يتعلق بأغنية (الحزن القديم ) التي كتبها الصديق الشاعر عمر الطيب الدوش عليه الرحمة، حيث حيث كنت معجباً جداً بمقاطعها الشعرية، والتي وصفها الفنان القامة وردي ضمن حوار صحفي أجريته معه، بأنها تعد من القصائد الفلسفية، بل عدً الدوش نفسه بأنه كان يملك مشروعاً شعريًا فلسفياً!، وفي إحدى القرآءات التي تمت للحزن القديم جرت الإشارة إلى أن ( الواو الاستهلالية، ليست واو العطف ولا القسم، التي تسبق النفي، الذي يؤكد الاثبات، وهذا لم يتطرق إليه شاعر غنائي، في السودان، قبل عمر الدوش، ولا أتى بعده، وإلى الآن، شاعر آخر. فالنفي، هنا ، كله، إثبات مؤكد. فالحزن القديم، هي، ولون الفرح، هي، والشوق الذي مشى به ثم غلبه الوقوف هو شوقه لها، والتذكار، هي)!. وهنا تكمن قيمة هذه الأغنية.
وأما في أمر كيفية كتابة القصيدة نفسها، فهو ما اعتنيت به خلال إحتفاظي بعدد من الإفادات والتي عندما عدت إليها وجدتها كافية لوحدها حتى تكون في شكل مقال مكتمل الأركان، ويفيد في الكيفية التي تم بها حفظ هذه القصيدة من الاندثار والضياع، حتى استطاع شاعرها إكمال قوافيها واحدة تلو الأخرى!. وفي أمر كتابتها، فقد مرت بعدة مراحل، حيث لم يكتبها دفعة واحدة، كما سنرى!.وبالطبع تختلف أساليب تأليف القصيدة من شاعر لآخر. ويجدر بي في هذا الخصوص، ذكر تجربة الشاعر الحبيب محجوب شريف في كيفية نظم أشعاره خلال معاصرتي له وقربي منه، حيث لم يتعود محجوب على كتابة القصيدة على الورق مطلقاً، بل اعتاد أن يهوًم بإلهامه الشعري وهو ينظم مقاطع قصيدته شطراً شطراً، ويحيل ما اكتمل من (شخبطة) لتحفظها ذاكرته المتقدة!، هكذا دون حوجة لورق أو أقلام، لا مداداً أو طاولة ولا مقعد مريح، لا رشفات من قهوة أو شاياً منعنعاً!, فقط سهو لبرهة أو في غالب الأحايين سيراً على الأقدام، كان ذلك، وسط جماعة أو لوحدة بين الأزقة والشوارع والحارات، وفي غالب الأحايين وسط الزحمة بين الناس داخل الأسواق الشعبية!. هكذا تتخلق القصيدة عند محجوب شريف!.وهو خلافاً لما سنرويه عن صديقه عمر الدوش!.
يفيدني صديقنا الراحل مدني علي مدني، بأن الدوش زاره مرة بمنزله في حلة حمد والذي كان يقع غرب بلدية بحري وعلى الشارع المؤدي لكنيسة مار جرجس، حيث كان يسكن لوحده هناك، فمكث معه عمر لبضعة أيام، وفي مرة لاحظ مدني ـ وكانا يناما في حوش المنزل حيث الوقت صيفاً ـ أن الدوش كان يصحو فجاة من نومه و(يشخبط) بعود ثقاب على الأرض، معتمداً على ضوء القمر الكاشف!، ثم يعود لمواصلة نومه، ثم لا يلبث وأن يصحو مرة ثانية ليلتقط عود الثقاب ويعاود (الشخبطة) على الأرض، ولأن مدني قد لازم الدوش طويلاً كصديق، فإنه أصبح ملماً بعاداته حينما يغشاه قلق الشعر، خاصة عندما يداهمه في هذا الوقت المتأخر من الليل!، ولذا - كما أوضح لي - فقد نهض باكراً في صبيحة اليوم التالي ليسجل من الأرض على ورقة ما كان الدوش قد (شخبطه) في الليلة السابقة، ليسلمها الدوش فيما بعد، وقد تكرر الأمر أيضاً في الليلة التالية، موضحاً لي ـ بعد أن إستفسرته ـ بأن تلك (الشخبطة) لم تكن سوى أبيات شعر كان الدوش يخطها على الأرض وقد اتضح لمدني فيما بعد، أنها مقدمة لمقاطع قصيدته (الحزن القديم) ولكنها ليست مكتملة!. وقال أن الأمر قد تكرر عندما اصطحبه الدوش في مساء أحد الأيام التالية لزيارة صديقه الدرامي الطيب مهدي والذي كان يسكن وقتذاك في حي المغاربة خلف مستشفى أم درمان، ثم انتقلوا جميعاً بعربة الطيب التي كان يسميها (العزيزة) لكثرة أعطالها لقضاء بقية السهرة في ملهى (الكريزي هورس) الشهير، منتصف سبعينات القرن الماضي!، وهناك بدأ الدوش وعلى الطاولة التي جلسوا حولها، يكتب شيئاً على ورقة علبة سيجائر، يوضح لي مدني، بأنه (عندما قررنا المغادرة لاحظت أن الدوش ترك القصاصة التي كان يكتب عليها على الطاولة، فحرصت على أخذها معي وحفظها على جيب بنطالي، في الصباح وعندما قرأتها وجدتها مقاطع شعرية أخرى وكأنها امتداد لمقاطعه في الليالي السابقة على أرضية الحوش!. بعدها لم يحدثني عن تلك القصيدة، وكدت أن أنسى مقاطعها حتى، إلى أن فوجئت بوردي يؤديها ملحنة لأول مرة فتذكرت أنها تلك الأبيات الشعرية التي بدأ الدوش تأليفها بأرضية حوش منزلنا بحلة حمد وعلى طاولة نادي الكريزي هورس)!.
وهكذا يبدو أن إلهام (الحزن القديم) لم يداهم الشاعر في تلك الأوقات التي حكى عنها مدني علي مدني فحسب، بل أن هناك واقعة إضافية لهذه القصيدة أيضاً، حيث حكى لي شقيقي كمال الجزولي عليه الرحمة وقرأتها فيما بعد بإحدى رزناماته حول واقعة تتعلق بكتابة نص قصيدة (الحزن القديم) للدوش، بأنه وفي بداية سبعينات القرن الماضي ساهر هو و الدوش وبعض الأصدقاء، مع صديقاً لهم كان يسكن عزابي، وعندما تم إحضار العشاء وكان عبارة عن كمية من السمك المقلي موضوعاً على ورق أبيض كبير فوق الطاولة، وأثناء تناول العشاء لاحظ كمال أن عمر الدوش كان منشغلاً عن الأكل (بشخبطة) على الورق الأبيض أمامه، وعندما تم تنبيهه لأكثر من مرة إلى الأكل، لم يحفل بذلك وظل منشغلاً (بالشخبطة) والكتابة، بعدها أخلد الجميع للنوم، في صبيحة اليوم التالي يحكي كمال بأنه نهض باكراً والقوم نيام، وبعد أن صنع كوبا من القهوة، بدأ في إعادة ترتيب الصالة التي شهدت سهرة أمسهم، نظف طاولة الطعام ورتب المقاعد حولها، وجمع لفافة الورقة بما عليها من بقايا السمك وفتاته، ثم اتجه ليلقي باللفافة على الزبالة، وفجاة لفتت نظره (شخبطة) الدوش بقلمه على طرف من اللفافة، فجلس على المقعد وافرد اللفافة مرة أخرى، وبدأ في مطالعة (الشخبطة) ليقرا، (ولا الحزن القديم انتي، ولا لون الفرح إنتي)، ومع إني لم أعد أذكر ما إن كان كمال في تلك الرزنامة، قرأ القصيدة مكتملة، أم أكملها الدوش لاحقاً بعد أن سلمه كما ل تلك (الشخبطة) التي إقتطعها من اللفافة!، ولكن الشاهد في الموضوع أن الشاعر الدوش وعندما كان إلهام الشعر يداهمه، كان يلجأ للتسجيل (الشخبطة) على أي شيء أمامه، سوى كإن يحمل قلماً، أو لم يحمل ـ وكثيراً ما حدث مثل هذا ـ وبعد أن يفرغ، لا يحفل بما كتب فيتركه على الأرض ويذهب لحال سبيله!. ويبدو أنه وبهذه الشخبطة، فإنه يكون قد إختزن القصيدة في ذاكرته!. وهذا بمثابة اجتهاد وتفسير مني لأمر الشخبطة عند الدوش، قد تصيب أو قد تخطيء!.
هذا ما أشار إليه أيضاً صديقنا الشاعر يحيي فضل الله في إحدى حكاياته الممتعة عن الدوش، وكأحد أصفياءه المقربين منه، قال أنهما كانا عائدين في الهزيع الأخير من الليل بعد قضاء سهرة مع صديق للدوش يدعى فيصل، ويسكن نواحي بانت شرق، وعندما بلغا ناصية سوق الموردة، عنً للدوش ان يعرجا إلى نهر النيل عند (اللسان)، ذاك المكان المحبب له عند طرف قيفة ببحر أم درمان، ، ثم يمضي يحيي قائلاً أن الدوش جلس فجاة على الأرض وبدأ (الشخبطة) عليها، بينما وقف هو خلفه يتابع تلك الكتابة، وما أن بدأ الدوش في كتابة تلك القصيدة - والتي عُرفت لاحقاً باسم (سحابات الهموم) - حتى أخرج يحيي قلماً كان معه وبدأ يسجل مقاطع تلك القصيدة على طرف مجلة أو صحيفة كان بالصدفة يحملها معه، ويحكي أنه لو لا سرعته في تسجيل المقاطع، لفات عليه ما يكتبة الدوش لكثير من مقاطعها! ، لأن الدوش كان يكتب بسرعة عجيبة ويمحي مباشرة ما خطه إصبعه ليكتب المقطع الذي يليه!.
وبشأن هذه القصيدة فإن هناك حكاية طريفة نوعاً لها دلالات، رواها الدرامي الرشيد أحمد عيسى، كانت قد روتها له الممثلة سعاد محمد الحسن زوجة الدوش وأم كريمتيه، مفادها أن الدوش عاد يوماً لمنزلهم ليجد صبية أقرب للطفولة، وكان عمرها لا يتجاوز العشره أعوام تجلس في انتظار سعاد زوجة الدوش ريثما تعود من عملها، فيمضي الرشيد قائلاً:- ( عيونها تشع بالبراءة ، شعرها مجعد، أنفها دقيق، فمها صغير وابتسامة تفتح كل نوافذ عالم الطفولة، جسم نحيل لم يعرف من الغذاء غير العصيدة!، ملابسها رثة، كانت تضج بالطفولة الغائبة، أحضرتها أمها لكى تعمل فى المنازل بأجر يومي، أمها تتساوى عندها المنازل، مايهم هو الأجر حتى تسد رمق أطفالها الجوعى (،،،) تركتها أمها بعد الاتفاق مع صاحبة البيت لكى تقوم بالنظافة (،،،) نظر إليها الدوش وابتسم ثم سألها عن اسمها قالت له : منى، اتسعت الابتسامة وقال لها : يامنى لعبتى حجلة ؟ قالت له نعم .. لكن أمى ما بتخلينى العب مع البنات لأنو لازم أشتغل عشان أخوانى ياكلو .. نزلت دمعة حرى على خد أستاذى وقال وهو يحبس دموعه حتى لاتراها منى : (إن الوطن فقد براءته)، قال لها : بتعرفي علب الصلصة الصغيرة .. أجرى جيبى من الشارع اتنين وانا عندى الخيط .. أجرى، ضحكت منى ضحكه تنم عن البراءة، وجرت نحو الشارع احضرت بسرعه متناهية علب الصلصة الفارغة، وكان أستاذى قد جهز الخيط والمسمار وبدأ فى صناعة تلفون العلب، وعندما ما اكتمل قال لها : نلعب تلفون تلفون، أنا قاعد هنا ، وانتى أمشى باللفة دى .. حملت تلفونها وجرت بفرح غريب سألها : خلاص يامنى وصلتى ؟ قالت له : نعم قال لها : خلاص ختى السماعة فى أضانك ،، آلو منى إزيك أنا الدوش انتى منو ..؟ وادركت منى لأول مرة طفولتها، فضحكت ضحكة خجولة وسرعان مانفجرت فى الضحك، كان ضحك الفرح الغائب المغتصب .. وهكذا كان الدوش يعبر عن الوطن : (بتطلعى انتى من صوت طفلة وسط اللمة منسية بتطلعي إنتي من صوت طفله وسط اللمه منسية)!. ولما لم اجد في رواية الرشيد تتمة للحدث، سألت يحيي فضل الله الذي لخص لي نهاياته، بأن واصل الدوش لعبه مع الطفلة منى التي وجد فيها سلوي خلال ظهيرة مملة بالنسبة له، وظلا يلعبان حتى عادت سعاد من عملها، فأقسم لها الدوش بألا عمل لهذه الطفلة في المنزل!، بل قرر أن تبقى معهم وهو سيدفع لها الأجرة المتفق عليها مع الأم حتى يجد لها صرفة تتعلق بمستقبلها بالانتظام في الدراسة!. هذا هو الشاعر عمر الطيب الدوش، الضعيف حداً لا يتصور أمام الطفولة والأطفال وبرائتهم، كغالبية الشعراء رهيفي الإحساس تجاه الطفولة وعالمها البرئ!، وهو ما حدى بالدرامي الرشيد أحمد عيسى لأن يروي حكايته أعلاه تحت عنوان ( بتطلعي إنتي من صوت طفله وسط اللمة منسية)!. ،،،،، في قاعة الصداقة وفي أحد مساءات الخرطوم منتصف العام 1978، ووسط جمهور كبير إكتظ به مسرحها، غنى الفنان محمد وردي ولأول مرة أغنيته الجديدة (ولا الحزن القديم إنتي) بمقدمة حيا فيها شاعرها (المغترب) عمر الطيب الدوش والذي كان وقتها بمدينة براتسلافا التشيكوسلوفاكية سابقا في منحته الأكاديمية لدراسة المسرح!.
وفي شأن لحن الأغنية، أكد الموسيقار د. كمال يوسف ضمن تحليل موسيقي قدمه حولها، أنها تصلح أنموذجاً للتجديد في الموسيقى السودنية الحديثة، مشيراً إلى دور آلة البيز جيتار في أول جملة افتتاحية للحنها، مؤكداً أن توظيف وردي لهذه الآلة لتؤدي جملة لحنية، فهو ما لم يحدث قبل ذلك في الموسيقى السودانية!، وخلص إلى أن وردي قد عكس بلحن الأغنية (فكراً موسيقياً مستقلاً وقدرة على الابتكار وتوليد الأفكار وتنمية الجمل اللحنية بمهارة فائقة، تعبر عن خبرة وتراكم للتجربة اللحنية لديه).
للصديقين الراحلين الدوش ووردي والذي ترك رحيلهما عندي جرحاً لن يمحوه الزمان، الرحمة والخلود.
|
|