طيور المساء قصة قصيرة كتبه مالك معاذ أبو أديب

طيور المساء قصة قصيرة كتبه مالك معاذ أبو أديب


05-02-2026, 06:46 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1777744012&rn=0


Post: #1
Title: طيور المساء قصة قصيرة كتبه مالك معاذ أبو أديب
Author: مالك معاذ أبو أديب
Date: 05-02-2026, 06:46 PM

06:46 PM May, 02 2026

سودانيز اون لاين
مالك معاذ أبو أديب-USA
مكتبتى
رابط مختصر





شعرتُ بشيءٍ ما في داخلي ينكسر، بينما كنتُ أحمل فتات الخبز، منتظرًا هبوط طيوري الحبيبة من سماء أريزونا.

لم تكن تتأخر عن موعدها منذ أن توطدت علاقتي بها، واعتادت أن تتجاذب معي أطراف الحديث في طريق عودتها إلى صغارها قبيل مغرب كل يوم؛ فتبثني هموم يومها، وأبثها وجع غربتي وشجوني.

كنتُ أحكي لها عن وطني المكلوم، وعن نيران الحروب التي قضت على الأخضر واليابس، وعن الأرامل واليتامى في معسكرات النزوح.

كانت شمس المغيب تلفظ انفاسها الأخيرة، وقد حزمت أمتعتها استعدادًا للرحيل، وأنا ما زلت أحمل بين كفيّ فتات الخبز، وأشواقًا دفاقة، وحكاوى مؤجلة من القلب في انتظار طيوري الغائبة.

بدأ الليل يزحف ببطء، مرخياً سدوله على أريزونا وعلى قلبي المحتار، ومرت الدقائق ثقيلة، لم يقطع رتابتها خفق جناح في الأفق، ولا شدو طائر على غصن.

لم تكن ليلتي تلك كمثيلاتها من الليالي؛ إذ بدت موحشة كئيبة مع غياب طيوري الصديقة.

علّقت عيني بالسماء أبحث عن نُجُوم تؤنسني، فحالت الغيوم دون ظهورها، وعدتُ بخطى مثقلة بالخيبة نحو غرفتي، واندسستُ على مضض في فراشي أُصارع الأرق والسهر.

وفي منامي رأيتها؛ ليس هنا، بل هناك في سماء وطني الحبيب. نعم، رأيتها هناك تحلّق فوق دارنا التي أضحت خرابًا، وفوق أزقةٍ لم تزل تحمل آثار خطاي وذكرياتي الجميلة.

ومن بين البشر، تعرفتُ على أناسٍ غابوا طويلًا خارج الوطن؛ كانت وجوههم مضيئة، وفي أعينهم ما يشبه النجاة ونقطة البداية.

كانت دموع الفرح تبلل صدورهم، وتنساب شلالًا روياً في دروب الوطن المتعطشة للقياهم.

رأيتُ أمهاتٍ في غمرة الفرح يفتحن أذرعهن قبل الأبواب، وأطفالًا يركضون بنشوة نحو ظلالٍ أضحت فجأة أحضانًا دافئة.

دنا طفل من أمه، شد طرف ثوبها، وهمس بصوتٍ مرتجف:
"أمي.. هل سنبقى هنا هذه المرة؟"

لم تنبس ببنت شفة، لكن دمعتها الحرّى كانت أبلغ من كل الإجابات.

استيقظتُ ببطء شديد، مخافة أن يتلاشى ذلك الحلم الجميل.

أدركتُ حينها أنني لم أكن أنتظر الطيور هذا المساء، بل كنت أنتظر وطنًا يتعلم من جديد كيف ينهض ويعود.