إشكالية الدولة بين المرجعية القيمية والبيئة الوظيفية الحديثة- مقاربة تفكيكية

إشكالية الدولة بين المرجعية القيمية والبيئة الوظيفية الحديثة- مقاربة تفكيكية


05-01-2026, 00:53 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1777593239&rn=0


Post: #1
Title: إشكالية الدولة بين المرجعية القيمية والبيئة الوظيفية الحديثة- مقاربة تفكيكية
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 05-01-2026, 00:53 AM

00:53 AM April, 30 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






يسعى هذا التحليل إلى زحزحة سؤال "الدولة الإسلامية" من حيزه السجالي الأيديولوجي إلى حيزه المعرفي، عبر فحص إمكانية تقاطع المرجعية الإسلامية مع بنية الدولة الحديثة
إن الهدف الجوهري هنا هو تجاوز القراءات الرومانسية التي ترى الدولة كياناً ناجزاً في النص، لصالح رؤية موضوعية ترى الدولة بوصفها ظاهرة تاريخية معقدة تخضع لإكراهات البناء المؤسسي والتدبير المادي للعالم المعاصر

تبدأ الأزمة الحقيقية من "المأزق الأنطولوجي" في تصور الدولة داخل الأدبيات الإسلاموية المعاصرة، وهي أدبيات تعاني غالباً من قطيعة معرفية مع تطور مفهوم السيادة. فبينما يتم طرح الدولة كـ "يوتوبيا معيارية"، يتم تجاهل تحولاتها البنيوية
منذ صلح ويستفاليا، مما يوقع الخطاب في فخ تغييب الطابع البيروقراطي واختزال وظائف الدولة المعقدة في مجرد "تطبيق الشريعة"
هذا الاختزال يسقط من الحساب تعقيدات "الدولة-الأمة" ووظائفها الاحتكارية للعنف والضرائب والخدمات، ويحاول استنبات نموذج تاريخي في بيئة قانونية دولية محكومة بقواعد سيادة وطنية صارمة

وعند مقارنة هذا الطرح بالمتخيل الليبرالي، نجد أن الليبرالية تقدم الدولة بوصفها "حكماً محايداً" ترتكز شرعيتها على الفردانية المنهجية والعقد الاجتماعي. وفي هذا النموذج، تبتعد الدولة عن فرض رؤية "خلاصية" أو دينية، مكتفية بإدارة التعددية
عبر سيادة القانون. وهنا يظهر التوتر الوجودي؛ إذ تبدو "الدولة الهوياتية" عاجزة عن استيعاب "الحياد الإجرائي"، مما يطرح تساؤلاً حول مدى قدرة المرجعية الإسلامية على التحول إلى "قيم مدنية" متوافق عليها دون المساس بحقوق التعددية الفكرية والسياسية

أما عند إخضاع هذا التصور للتحليل الماركسي البنيوي، فإن الغطاء الديني يزول لتبزر الصراعات الطبقية الكامنة خلف الشعارات. فالدولة وفق هذا المنظور ليست سوى انعكاس لعلاقات الإنتاج وأداة لضمان هيمنة قوى اقتصادية معينة. ومن هذا المنطلق
يبرز تحدٍ منهجي حاسم: هل يمكن لنموذج الدولة ذات المرجعية الإسلامية أن يتحرر من كونه أداة لشرعنة مصالح "برجوازية دينية" أو نخب سلطوية؟ إن هذا يتطلب بالضرورة فحص الاقتصاد السياسي للدولة قبل فحص شعاراتها الهوياتية

وللانتقال من الأيديولوجيا إلى المنهج، يغدو من الضروري إعادة تعريف "الإسلامية" داخل الدولة وتحويلها إلى مبادئ وظيفية وقيمية؛ بحيث تتجسد العدالة التوزيعية في آليات مؤسسية تحارب التراكم الرأسمالي المتوحش، وتتحول أخلاقيات المسؤولية
من مفهوم "الحاكمية" المجرد إلى آليات "المساءلة" والشورى التداولية
بهذا المعنى، لا تعود الإسلامية نظام حكم صلب، بل تصبح منظومة قيم تحمي الضعفاء وتمنع احتكار السلطة والثروة

إن المحصلة النهائية لهذا التركيب تقودنا إلى اعتبار الدولة الحديثة مساحة توتر مستمر بين متطلبات القانون وإكراهات الاقتصاد
لذا، فإن أي دمج واقعي للمرجعية الإسلامية يتطلب مأسستها داخل الدستور لا فوقه، وترجمتها إلى سياسات عامة
قابلة للقياس والنقد، مع الاعتراف التاريخي بأن الدولة وسيلة لتدبير المصلحة العامة وليست غاية في حد ذاتها لتحقيق "مقدس" ما

و يظل مأزق الدولة "الإسلامية" مأزقاً منهجياً بالدرجة الأولى، حيث تحاول اللغة الوعظية معالجة إشكاليات تقنية وبنيوية. إن الحل لا يكمن في "أسلمة" القشور والشكل، بل في قدرة الفكر على تقديم إجابات ناجعة لتحديات الحرية والكرامة الإنسانية
لتبقى المرجعية طاقة دفع أخلاقية داخل الدولة، بدل أن تتحول إلى عائق أمام حداثتها أو أداة لإقصاء الآخرين.