حبل الخداع قصير كتبه د. ياسر محجوب الحسين

حبل الخداع قصير كتبه د. ياسر محجوب الحسين


04-29-2026, 08:16 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1777490189&rn=0


Post: #1
Title: حبل الخداع قصير كتبه د. ياسر محجوب الحسين
Author: د. ياسر محجوب الحسين
Date: 04-29-2026, 08:16 PM

08:16 PM April, 29 2026

سودانيز اون لاين
د. ياسر محجوب الحسين-UK
مكتبتى
رابط مختصر



أمواج ناعمة



عدم خداع الشعوب ليس مجرد مبدأ أخلاقي يرفع في الشعارات، بل هو قاعدة صلبة أثبتتها تجارب التاريخ القريب والبعيد. فالشعوب قد تخدع يوما، وقد تنطلي عليها بعض الحيل، لكن الحقيقة لا تمكث طويلا في الظل. ما إن ينقشع الغبار حتى تتكشف الوقائع، وعندها لا تكون ردة الفعل عادية أو قابلة للاحتواء، بل غضبة مدوية تعيد ترتيب المشهد كله، وتقلب الموازين بطريقة لا يتوقعها من ظنوا أن بإمكانهم الاستمرار في "الغتغتة والدسديس".

إن التحركات الشعبية بين المواطنين هي في جوهرها دليل على وجود قبول شعبي، واستمرار عهد وميثاق القضاء على المليشيا وكل مظاهر الفوضى العسكرية والسيولة السياسية. وهذا القبول يعد رصيدا مهما لأي قائد أو جهة سياسية، إذ يمكن استثماره في اتجاهين: إما لخدمة أجندة وطنية صادقة تنحاز لمصالح الناس، أو لتغذية أجندة شخصية مرتبطة بمحاولات البقاء في السلطة. لكن ما هو غير مقبول إطلاقا، هو أن تستخدم هذه التحركات كغطاء لتمرير أجندات دولية لطالما قاومها الجيش والوطنيون.

هذه الأجندات لم تأت في شكل واحد، بل ظلت تتلون وتتمظهر عبر مراحل مختلفة، بدءا من عهد الحكم الثنائي (حمدوك - وفولكر)، مرورا بما سمي بالاتفاق الإطاري "مقطوع الطاري"، وصولا إلى لت وعجن "الرباعية الدولية" ولقاءات جنيف والمنامة، وغيرها من المحطات التي حملت في ظاهرها عناوين الحل، لكنها في باطنها كانت بعيدة عن نبض الشارع الوطني.

الشاهد في كل ذلك أن هذه المسارات كانت في معظمها ضد الأجندة الوطنية، ومتماهية مع مخططات خارجية سعت ليس لإعادة تشكيل الواقع السياسي فحسب وإنما في الأساس لهندسة سرقة موارد البلاد. وفي خضم هذه الترتيبات، وجدت مليشيا الدعم السريع نفسها في موقع رأس الرمح، تتحرك ضمن هذه المخططات، مستفيدة من التساهل معها والتغاضي عن نموها وتوسعها المشبوه الذي احتشدت به تقارير الأمن والمخابرات والاستخبارات العسكرية، ورغم ما كانت - ولا زالت - تمثله من تهديد مباشر لاستقرار الدولة ووحدتها.

غير أن الشعب، وهو صاحب المصلحة الحقيقية، يدرك أن طريقه واضح لا لبس فيه. هو طريق لا يلتقي أبدا مع المشاريع الخارجية التي تحاول إعادة إنتاج المليشيا ومنحها غطاء سياسيا عبر واجهات مختلفة، من بينها جناح سياسي يطرح بقيادة حمدوك. هذا الوعي الشعبي هو الحصن الحقيقي، وهو الذي يفشل كل محاولات الالتفاف.

لذلك، فإن أي ترتيبات سياسية أو عسكرية يتم "طبخها" في الغرف المغلقة، بعيدا عن الإرادة الشعبية، لن تنجح في فرض نفسها، ولن تتحول إلى واقع مقبول. فالشعوب التي خبرت "الغتغتة والدسديس" لم تعد تنطلي عليها ذات الأساليب. والضمير الوطني، حين يصحو، لا يمكن خداعه مرتين.