Post: #1
Title: حزب الأمة بين التحديث والتوريث كتبه دكتور الوليد آدم مادبو
Author: الوليد ادم مادبو
Date: 04-28-2026, 08:50 PM
08:50 PM April, 28 2026 سودانيز اون لاين الوليد ادم مادبو-السودان مكتبتى رابط مختصر
في تاريخ الأمم لحظاتٌ تتكثّف فيها الأسئلة الكبرى في كيانٍ واحد، فيغدو الحزب—لا بوصفه تنظيماً سياسياً فحسب—مرآةً لأزمةٍ أعمق تتعلق بطبيعة الدولة نفسها: كيف تُدار؟ ومن يملك حق تمثيلها؟ *وأيّ معنى يبقى للوطن حين تختلط فيه السلالة بالمؤسسة، والولاء الشخصي بالفكرة العامة؟* في هذا المعنى، يقف حزب الأمة اليوم على تخوم مفارقةٍ حادّة: بين إرثٍ وطنيٍّ أسهم في تشكيل الوعي السوداني منذ بواكيره، وبين واقعٍ مثقلٍ بصراعاتٍ داخلية أفرغت ذلك الإرث من محتواه المؤسسي.
لقد كان لمؤسسي الحزب، بقيادة السيد عبد الرحمن، فضلٌ لا يُنكر في رفد المسيرة الوطنية بمعاني الاستقلال والكيان، غير أنّ ما كان رافعةً في لحظة التأسيس تحوّل—بفعل الجمود وتغوّل العائلة—إلى قيدٍ في لحظة التحوّل. *فالحزب الذي وُلد كحركةٍ اجتماعية-سياسية جامعة، أضحى في حقبٍ متأخرة أقرب إلى “شركةٍ عائلية”* تتوارثها الأسماء قبل البرامج، وتتنازعها القرابات قبل الكفاءات.
ولعلّ المفارقة الأشد مرارة أنّ خطاب “التحديث” الذي رُفعه الصادق المهدي في وجه الجيل السابق، انقلب—حين استقرت له القيادة—إلى أداةٍ لإعادة إنتاج الوصاية ذاتها بصورةٍ أكثر إحكاماً. فالحملة التي استهدفت إقصاء العمومة وأبناء العمومة باسم التطوير، انتهت إلى إقصاء الكفاءات باسم الاستقرار، ليُفتح الطريق أمام توريثٍ مُقنّع لا يستند إلى شروط التوريث التاريخي ولا إلى مقتضيات التحديث المؤسسي.
إنّ *التوريث*، في سياقاته التقليدية، لم يكن يوماً مجرّد نقلٍ للسلطة بالدم، بل كان—في أفضل صوره—مشروطاً بحدٍ أدنى من الكفاءة الأخلاقية والفكرية، وبسياقٍ اجتماعي يمنحه شرعيةً ضمنية. أمّا *حين يتحوّل إلى استحقاقٍ بيولوجيٍّ محض، فإنه لا يُنتج سوى بنوةٍ فاشلة تُصاغ في ظلّ “أبوةٍ طاغية” تُربّي أبناءها على تمجيد الزعيم أكثر مما تُحفّزهم على بناء ذواتهم* الخاملة. وفي غياب الصلة بين الجهد والرزق، تتآكل خصائص المروءة، ويحلّ محلّها منطق الاستحقاق المجاني الذي يجرّد السياسة من معناها الأخلاقي.
على الضفة الأخرى، فإنّ *التحديث ليس شعاراً يُرفع، بل بنيةٌ تُبنى: كفاءةٌ مهنية، مؤسساتٌ فاعلة، وإيمانٌ راسخ بالديمقراطية الداخلية*. وهذه الشروط، في مجملها، ظلّت بعيدةً عن جسد الحزب، لا سيما منذ ما بعد 2009، حين بدا أنّ القيادة قد فقدت ثقتها في قواعدها، وآثرت الارتهان لتحالفاتٍ مركزية—خاصة مع النخب الإنقاذية—على أمل كبح تمدّد الريف السوداني ومنع تحوّله إلى قوةٍ سياسيةٍ صاعدة. لكنّ تلك المقاربة لم تُنتج سوى نتيجةٍ عكسية: فقدان القدرة على “الوكالة الناعمة” في مخاطبة الهامش، ثم العجز الكامل حين انتقل الصراع إلى أدواته الخشنة.
ومع اندلاع الحرب، انكشفت الأزمة الأخلاقية بأوضح صورها: إذ *لم تجد بعض القيادات بُدّاً من الاصطفاف مع المركز، أو الصمت حيال انتهاكاته*، بما في ذلك استهداف المدنيين في الأسواق والفُرْقان والمرافق الحيوية. وهنا لم يعد الخلاف داخل الحزب خلافاً تنظيمياً أو حتى سياسياً، بل غدا خلافاً في جوهر القيم: بين من يرى السياسة التزاماً أخلاقياً، ومن يراها فرصةً للاستثمار في زمنٍ مضطرب.
في هذه اللحظة المفصلية، برزت خطوة *الجنرال فضل الله برمة* بوصفها محاولةً لكسر هذا الجمود، حين *أعلن أنّ “الأمانة يجب أن تُردّ إلى أهلها”—وأهلها هنا ليسوا أفراداً ولا أسرة، بل جموع المواطنين في غرب السودان والنيل الأبيض والنيل الأزرق* وفي كافة أنحاء الوطن. بإعلانه تأييد تجمع السودان التأسيسي، فتح نافذةً لإعادة تعريف موقع الحزب داخل المعادلة الوطنية. غير أنّ المشهد داخل الحزب لا يزال متشظياً: قياداتٌ تتنازع بين حنينٍ إلى الماضي وعجزٍ عن تخيّل المستقبل، وفئةٌ انتهازية وصولية—لا صلة لها بتاريخ الحزب ولا بخارطته الاجتماعية—تسعى إلى توظيفه ضمن الرؤى المركزية للصراع (جيش/مليشيا)، مستثمرةً الفراغ الدستوري لصالح ما يُسمّى بـ“الخط التوافقي” الذي ترعاه بعض قوى الإقليم.
ومن هنا، فإنّ *التحدي لا يكمن في الموقف من المبادرات الإقليمية بحد ذاتها، بل في كيفية التعاطي معها*: هل يُدار الحزب كجسمٍ مؤسسي يخاطب هذه المبادرات عبر قنواته الشرعية، أم كمنصةٍ تُستغلّ عبر صفقاتٍ جزئية تُضعف المجموع وتُظهره بمظهرٍ غير مبدئي؟ إنّ مسؤولية القيادة—وفي مقدمتها الجنرال—أن تُحصّن هذا المسار من التفكك، وأن تُخضعه لقاعدة الشفافية والتفويض المؤسسي، لا لمنطق الاستفراد والاصطفاف الانتقائي.
لقد تجاوز الخلاف داخل حزب الأمة حدوده التنظيمية ليصبح خلافاً أخلاقياً صرفاً: بين *مجموعةٍ منهزمة ترى في اللحظة الراهنة فرصةً للارتزاق السياسي، ما يعني مقايضة المواقف بالفلوس*، وأخرى لا تزال تتمسّك بجوهر القيم الدينية والأخلاق السودانية والمعنى الحقيقي للمسؤولية الوطنية. ولهذه الأخيرة فقط يمكن القول إنّ التفريط في هذه اللحظة ليس خسارةً آنية، بل إضاعةٌ لفرصةٍ تاريخية يمكن أن تكون كفيلةً بإعادة وصل ما انقطع في المسيرة الوطنية.
إنّ المخرج من هذه الأزمة لا يكون بترقيع البنية القديمة، بل بإعادة تأسيسها على قواعد جديدة: *بناءٌ قاعديٌّ فدرالي، تُنتخب فيه قيادات الأقاليم من قواعدها، وتُوزن فيه السلطة وفق الكثافة السكانية*، وتُدار فيه المنافسة على القيادة بمعايير شفافة لا مكان فيها للوصاية أو الامتياز الوراثي. ذلك وحده كفيلٌ بأن يحوّل الحزب من إرثٍ متنازع عليه إلى مؤسسةٍ وطنية فاعلة.
وفي الخاتمة، لا بد من قول ما قد يبدو بديهياً لكنه مؤجل: إنّ الصادق المهدي، على ما له من أثرٍ في الحياة السياسية السودانية، لم ينجح في حسم معضلة الحزب بين التحديث والتوريث؛ *فلا هو أسّس لمؤسسةٍ حديثة مكتملة الأركان، ولا هو أقام نموذجاً متماسكاً للتوريث يملك شروط الاستمرار*. وبين هذين الإخفاقين، ظلّ الحزب معلقاً في منطقةٍ رمادية، يدفع ثمنها اليوم من رصيده الوطني ومن قدرته على البقاء.
April 29, 2026
|
|