Post: #1
Title: التفاحة" لأحمد الريح العليش (زحزحة) من ألحان د. عاصم الطيب قرشي كتبه د. الوليد محمد الحسن ادريس
Author: الوليد محمد الحسن ادريس
Date: 04-27-2026, 11:34 AM
11:34 AM April, 27 2026 سودانيز اون لاين الوليد محمد الحسن ادريس-السودان مكتبتى رابط مختصر
التفاحة" لأحمد الريح العليش (زحزحة) من ألحان د. عاصم الطيب قرشي وعرض وتحليل د. الوليد محمد الحسن ادريس قراءة في خلاصة العشق السوداني
أولاً: نافذة مختلفة – عندما تقرأ امرأة التفاحة
كل من قرأ هذا النص قبلي كان رجلاً. قرأوه من باب "العاشق المجنون"، من باب "عينيه سواحة وكرعينه دواحة". لكنني سأقرأه من مكان آخر.
أنا لست "بت من ورق". أنا امرأة تعرف أن التفاحة التي يتحدث عنها زحزحة ليست تفاحة آدم فقط. هي تفاحة حواء أيضاً.
الفرق كبير. آدم أكل التفاحة فطرد من الجنة. حواء أكلت التفاحة فصارت هي الجنة والجحيم معاً.
هذا ما لم يقله زحزحة صراحة، لكنه مكتوب بين سطوره. التفاحة "مزروعة في واحة، والواحة في ساحة، والساحة جم بيتنا" – هذا البيت هو بيت حواء. التفاحة أصلها من حواء. آدم جاء لاحقاً.
---
ثانياً: "والباقي ماعارفو" – هل هذا عجز أم حكمة؟
الرجل يقرأ هذه العبارة على أنها اعتراف بالعجز. أنا أقرأها على أنها تتويج للحكمة.
"والباقي ماعارفو" لا تعني "أنا جاهل"، بل تعني "أنا أعرف حد معرفتي". وهذه هي البداية الحقيقية للمعرفة. عندما تعترف المرأة بأنها لا تعرف كل شيء، فإنها تفتح باب السؤال. عندما يعترف الرجل بذلك، فإنه غالباً يغلقه بحسرته.
زحزحة هنا صادق. يقول "واللهِ بي صراحة". هذا نادر في شعر الرجال. الرجال عادةً يدّعون المعرفة الكاملة بالمرأة، بالحب، بالعالم. زحزحة يعترف: "ماعارفو". هذه الصراحة هي التي تجعل نصه صادقاً.
لكن هل صار عاشقاً لأنه لا يعرف؟ أم أنه لا يعرف لأنه عاشق؟
السؤال خطير. في تجربتي كامرأة، الحب لا يأتي من الجهل، بل من المعرفة المحدودة. أعرف أنه سيبقى، لكنني لا أعرف كم سيبقى. أعرف أنه يحبني، لكنني لا أعرف كيف يحبني. هذا "اللا معرفة" هو ما يُبقي القلب "نتاحة" (مكشوفة ومجرحة).
لكن الرجال، حين يقرأون "ماكان بكون عاشق في قلبو نتاحة"، يفهمونها على أن الجرح شرط للعشق. وأنا أفهمها على أن العشق شرط للجرح. الفرق دقيق لكنه جوهري.
---
ثالثاً: "وانا مالي شايل حس" – صوت المرأة الغائب
النص كله يتحدث عن "أنا" مذكر. "أنا مالي"، "أنا مالي زي اليم"، "مستور أنا". لكني طوال القراءة كنت أبحث عن صوتي، عن صوت "أنا" المؤنث. أين المرأة في هذه القصيدة؟
إنها موجودة، لكنها مخبأة في التفاحة نفسها.
التفاحة ليست شيئاً يُؤكل، بل هي شيء يُرى من بعيد. هي "جم بيتنا" لكنها ليست في البيت. هي قريبة جداً وبعيدة جداً. هكذا تكون المرأة في مخيال الرجل: قريبة كالتفاحة، بعيدة كالجنة.
لكن زحزحة، بذكائه، يقلب المعادلة في الجزء الثاني:
كانت في عصفورة عصفورة في جنة معشوقه طار واقــع
العصفورة الأولى مؤنثة. "معشوقه طار ووقع" – المؤنث هنا هو الذي يطير ويقع. العصفورة الثانية (معاو) يمكن أن تكون مؤنثة أو مذكرة بالعامية، لكن التأنيث يطغى.
المرأة في نص زحزحة ليست ضحية فقط. هي التي تبحث عن الراحة. هي التي تقع في الجب. هي التي تقرر أن "الراحة في الواقع ما فيشا في الواقع".
هذا الاعتراف – أن الراحة ليست في الواقع – هو صوت المرأة التي جربت كل شيء: جربت الحب، جربت الزواج ("من واقع الحوجة كان الاخت زوجة")، جربت الجمال ("كان الجمال غلاَّب")، واكتشفت أن الراحة ليست هناك.
هل يصل الرجل إلى هذه النتيجة؟ ربما. لكنه سيصل متأخراً. المرأة تصل مبكراً. تعرف مبكراً أن الراحة "بت الهم". تعرف مبكراً أنها قد تجدها "في نور يضخ مادم" (أي أن الراحة مؤلمة). تعرف مبكراً أن الجنة "أطول من الأقلام وأقصر من الكعبة".
لماذا تعرف مبكراً؟ لأنها تعيش التناقض منذ الطفولة. تُربى على أنها "الجنة" التي يسعى إليها الرجال، وفي الوقت نفسه تُجبر على أن تكون "الأرض" التي تطأها أقدامهم.
---
رابعاً: "قابيل كتل هابيل ولا الضلع عوجا؟!" – سؤال المرأة
هذا السؤال في النص هو أكثر لحظة "مؤنثة" فيه، رغم أن السؤال يُنسب إلى قابيل وهابيل (رجلين).
"ولا الضلع عوجا؟!" – من قال إن الضلع الأعوج هو عيب؟ من قال إن الاستقامة هي المطلوب؟
المرأة ليست "ضلعاً أعوج" يحتاج إلى تقويم. المرأة هي التفاحة نفسها. التفاحة مستديرة، ليست مستقيمة. التفاحة فيها عوج طبيعي. وهذا العوج هو مصدر جمالها.
زحزحة يطرح السؤال ولا يجيب. وهذا جيد. الإجابة مسؤولية القارئ. وأنا كقارئة أقول: لا، الضلع ليس أعوج. ولكن النظرة التي تراه أعوج هي التي تحتاج إلى تقويم.
ثم يقول:
ومن ديك لطمنا الخد وفضلنا نواَّحا
"لطمنا" بصيغة الجمع. رجال ونساء معاً. لكن من لطم؟ ومن ناح؟
في القصص الدينية، قابيل لطم هابيل (أو قتله). في قراءتي، الرجال يلطمون النساء، والنساء ينحن على أنفسهن. ثم "نكتل في تفاحة" – نقتل بعضنا بعضاً في التفاحة. التفاحة التي كانت رمز الجمال صارت رمزاً للقتل.
هذه هي مأساة العلاقة بين الرجل والمرأة بحسب النص. تبدأ بتفاحة (جمال، إغراء، معرفة)، وتنتهي بتفاحة (قتل، نحيب، فقدان).
لكن من يقتل من؟
النص لا يحدد. وهذا غموض جميل. يقتل الرجل المرأة؟ تقتل المرأة الرجل؟ يقتلان بعضهما؟ السؤال مفتوح، والجواب شخصي. في تجربتي، القتل متبادل. لكن جراح النساء أعمق لأن جراحهن تبدأ قبل العلاقة.
---
خامساً: "من واقع الحوجة كان الاخت زوجة" – أقسى بيت في النص
هذا البيت يصيبني بالغصة كل مرة أقرأه.
"من واقع الحوجة" – أي بسبب الحاجة. ليس بسبب الحب. ليس بسبب الاختيار. بسبب الحاجة.
"كان الاخت زوجة" – الأخت (العائلة، الدم، الأصل) تتحول إلى زوجة (الغريب، الآخر، الموضوع).
هذا هو واقع المرأة في المجتمعات التقليدية. تُتزوج لا لأنها مختارة، بل لأنها متاحة. تكون زوجة لأن هناك "حوجة" (حاجة) وليس لأن هناك عشقاً.
لكن زحزحة لا يمر على هذه الجملة مرور الكرام. يكمل:
وكان الجمال غَلاَّب ورياحو جد هوجا
الجمال هنا ليس نعمة، بل "غَلاَّب" (أي يُتعب صاحبه ومن ينظر إليه). و"رياحو هوجا" أي عواصفه شديدة. المرأة الجميلة تعيش عاصفة دائمة: نظرات، أماني، أطماع، حساد، عاشقون مجانين، ومجتمع يريدها إما ملاكاً أو شيطانة.
كل هذا لأنها تفاحة. والتفاحة تؤكل أو تتعفن.
---
سادساً: سفينة نوح – أين النساء على متنها؟
النص يتحدث عن سفينة نوح:
نرسو على المينــا وسفينة واخدانا وجايبانا لسفينــة
لكن أين النساء على هذه السفينة؟ ذُكر "زوج إتنين" (اثنان من كل زوج) كما في القصة الدينية. لكن النساء في القصة الأصلية كن توابع للرجال، غير مذكورات بأسمائهن.
زحزحة هنا لم ينتقد هذا، لكنه لم يؤكده أيضاً. هو فقط يستعير الصورة ليقول إننا نعيش في دوران لا نهائي: سفينة تأخذنا، سفينة تعيدنا.
لكن المرأة في هذا الدوران أين تذهب؟
في قراءتي، المرأة هي السفينة نفسها. هي التي تحمل الجميع. تحمل الرجال على متنها، تحمل الأطفال، تحمل الذاكرة، تحمل التفاحة. لكنها لا تُذكر في الطوفان، ولا تُذكر في الخلاص.
ثم يقول:
ومن فتنة الطوفان الجاي ودينــا
الجيل الجديد يولد من فتنة الطوفان. والطوفان في الأسطورة كان عقاباً للبشرية. المرأة تلد الجيل الجديد من رحم العقاب. وهذا يعني أنها تلد الألم من الألم. تلد الجراح من الجراح.
ثم الخلاصة القاسية:
دي الأمه في الاجساد ممحوقة أرواحا
نحن – رجالاً ونساءً – موجودون كأجساد، لكن أرواحنا ممحوقة. هذه هي الحالة السودانية بعد كل هذه العقود من الحروب والانقلابات والفقر. لكن المرأة السودانية تدفع الثمن مضاعفاً: جسدها مستباح، وروحها ممحية مرتين.
مرة لأنها امرأة في مجتمع ذكوري. ومرة لأنها سودانية في عالم لا يرحم.
---
سابعاً: السادات والنبي والمسيح – نداء لم يسمعه أحد
الجزء الأخير من النص (من "ياسيد السادات" إلى النهاية) هو جزء غامض ومهمل في معظم القراءات. ربما لأنه يخرج عن الإطار "العاطفي" للنص، ويدخل في الإطار "السياسي/الديني".
لكن هذا الجزء تحديداً يكشف أن التفاحة ليست تفاحة حب فقط. التفاحة هي التفاحة الوطن.
"ياسيد السادات" – من يكون؟
لا أعرف بقينا للسادات في شعر أحمد الريح غير سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم وذلك لمن يعرفه ويعرف كتاباته.
درب السلامة كسيح
طريق السلامة معوّج. تماماً مثل الضلع. تماماً مثل التفاحة.
لو أمسَى فينا نصيــح
ليس معنا نصيح واحد. ولا توجد امرأة في هذا المشهد. الرجال وحدهم الذين يطلبون النصيحة من "سيد السادات". أين صوت المرأة هنا؟ غائب. هي في التفاحة. لكن لا أحد يسمع التفاحة.
ثم:
يمسح على خاطر إنساني إلا جريــح
كل البشر جرحى. والمرأة أجرحهم. لأن جرحها لا يندمل، وجرحها لا يُرى غالباً، وجرحها يُستخدم كذريعة لمزيد من الجروح.
والأمه تتنسم ريحانَا وراحا
الأمة تتنسم الريحان والراحة. لكن إذا كانت الأمة هي النساء والرجال معاً، فالنساء لم يتنسمْنَ راحة منذ زمن بعيد.
والحنظل العلقم نلقاهو تفاحة
الحنظل المر نصادفه تفاحة. أي أننا نحول المرارة إلى حلاوة. هذا ما تفعله المرأة السودانية كل يوم: تحول العلقم إلى عسل. تحول الجوع إلى كرم. تحول البكاء إلى ضحكة. تحول التفاحة المرة إلى تفاحة حلوة.
لكن لا أحد يشكرها. الجميع يقول "والباقي ماعارفو".
---
ثامناً: "والجنة هي الراحة" – الحل الأنثوي
النص ينتهي عند أقدم سؤال في التاريخ: أين الجنة؟ أين الراحة؟
زحزحة يجيب:
والساحة في الجنة والجنة هي الراحة
لكن أي جنة؟ جنة الرجل غير جنة المرأة.
جنة الرجل: امرأة. جنة المرأة: راحة.
المرأة لا تريد جنة فيها حور عين وقصور وأنهار. تريد شيئاً أبسط: راحة. راحة من الجوع، راحة من الخوف، راحة من التعب، راحة من الانتظار، راحة من الحاجة إلى إرضاء الجميع.
"الجنة هي الراحة" – هذه الجملة هي أكثر جملة أنثوية في النص كله.
لأن الرجل يريد جنة فيها متعة. المرأة تريد جنة فيها راحة. الفرق بينهما هو الفرق بين التفاحة كفاكهة (لذيذة لكنها تنتهي) والتفاحة كجنة (مكان للاستقرار لا ينتهي).
لكن النص يقول إن الراحة "مافيشا في الواقع". والجنة "أقصر من الكعبة". والكعبة مكان الحج. مكان مؤقت. تزوره ثم تعود.
إذاً، الجنة التي هي الراحة ليست مكاناً نهائياً. هي لحظات. وقفات. أيادي تمتد لتمسح على جرح. كلمات تقال في وقتها. تفاحة تُقطف في موسمها.
وهذا هو كل ما تريده المرأة. ليس الجنة كلها. فقط:
يمسح على خاطر إنساني إلا جريــح
كل إنسان جريح. كل رجل جريح. كل امرأة جريحة. والمسح على الخاطر هو الراحة. والراحة هي الجنة. والجنة هي التفاحة.
والتفاحة كانت قريبة من بيتنا.
والباقي ماعارفو.
وهذا "الباقي" هو كل ما يمكن أن تعرفه امرأة. وكل ما ستبقى تجهله.
---
تاسعاً: خاتمة من امرأة
أحمد الريح العليش (زحزحة) كتب نصاً للبشر، ليس للرجال فقط. التفاحة لا تفرق بين آكلها. التفاحة تؤكل، تتعفن، تزرع، تموت، تولد من جديد.
هذا النص تعبتُ منه. تعبتُ لأنه دقيق جداً في وصف الألم، وغامض جداً في وصف الحل. لكن ربما هذا هو الواقع. ربما الحل ليس موجوداً. ربما كل ما نملكه هو السؤال:
"والباقي ماعارفو"
وهذا كافٍ. هذا هو العشق. وهذا هو الوطن. وهذا هو أن تكون امرأة سودانية في زمن التفاح المر.
---
|
|