السودان: حين تصنع الدولة خصمها بيدها كتبه وليام كودي

السودان: حين تصنع الدولة خصمها بيدها كتبه وليام كودي


04-27-2026, 11:29 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1777285768&rn=0


Post: #1
Title: السودان: حين تصنع الدولة خصمها بيدها كتبه وليام كودي
Author: وليام كودى
Date: 04-27-2026, 11:29 AM

11:29 AM April, 27 2026

سودانيز اون لاين
وليام كودى-
مكتبتى
رابط مختصر





كتبه/

في الدول التي تعاني من هشاشة مزمنة، تميل السلطة إلى البحث عن حلول سريعة لمشكلات معقّدة. في السودان، لم يكن هذا الميل مجرد خيار تكتيكي، بل تحوّل إلى عقيدة حكم: تسليح المجتمع بدلًا من إصلاح الدولة، وإنشاء قوى موازية بدلًا من بناء جيش مهني موحّد. هكذا وُلدت تشكيلات مثل قوات المراحيل، وقوات الدفاع الشعبي، وقوات حرس الحدود، وصولًا إلى قوات الدعم السريع—لا كاستثناء، بل كقاعدة.

لم تكن هذه القوات مجرّد أدوات أمنية عابرة، بل كانت تعبيرًا صريحًا عن خلل عميق في العلاقة بين السياسة والعسكر. في ثمانينيات القرن الماضي، ومع تصاعد الحرب الأهلية، جرى تسليح مجموعات محلية لمواجهة التمرد، فظهرت “المراحيل” كحل سريع ومنخفض الكلفة. لاحقًا، وفي عهد عمر البشير، جرى تقنين هذا النهج عبر إنشاء “قوات الدفاع الشعبي”، التي مزجت بين التعبئة الأيديولوجية والوظيفة القتالية. ومع تفاقم أزمة دارفور، توسّع النموذج أكثر عبر “حرس الحدود” وتحوّلات الجنجويد، التي انتهت إلى تشكيل قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو.

قد يجادل البعض بأن هذه القوات منحت الدولة قدرة على التحرك السريع في مسارح عمليات معقّدة، وبكلفة أقل من الجيش النظامي. وهذا صحيح جزئيًا. لكنها كانت، في جوهرها، حلولًا قصيرة الأجل لمشكلات طويلة الأمد. فقد سمحت للسلطة بتأجيل إصلاح المؤسسة العسكرية، وتفادي بناء عقيدة قتالية وطنية جامعة، واستبدالها بشبكة من الولاءات المتعددة—قبلية، جهوية، وشخصية.

المشكلة لم تكن في وجود هذه القوات فحسب، بل في المنطق الذي أنتجها. حين تتخلى الدولة عن احتكارها المشروع للعنف، وتفوّضه لفاعلين غير نظاميين، فإنها لا تعزّز قوتها، بل تعيد توزيعها خارج مؤسساتها. ومع الوقت، لا تعود هذه القوى مجرد أدوات، بل تتحوّل إلى مراكز نفوذ قائمة بذاتها، تمتلك السلاح والموارد والقدرة على فرض الوقائع.

في السودان، لم يعد السؤال ما إذا كانت هذه القوات دعمت الجيش أم أضعفته. الواقع أنها فعلت الأمرين معًا—دعمتْه تكتيكيًا في لحظات محددة، لكنها قوضتْه استراتيجيًا على المدى الطويل. فقد أضعفت المهنية العسكرية، وخلقت ازدواجية في القرار الأمني، وفتحت الباب لصراعات داخلية كان يمكن تفاديها لو ظل السلاح تحت سلطة مؤسسة واحدة.

النتيجة التي يشهدها السودان اليوم ليست مفاجئة، بل هي الامتداد المنطقي لمسار طويل من “خصخصة الأمن”. حين تتعدد الجيوش داخل الدولة الواحدة، يصبح الصراع بينها احتمالًا قائمًا، بل شبه حتمي. وما يبدو في البداية كأداة لضبط الأطراف، يتحول في النهاية إلى تهديد للمركز نفسه.

المسؤولية هنا ليست عسكرية فقط، ولا سياسية فقط، بل هي نتاج تحالف ضمني بين الطرفين. استخدم الساسة هذه التشكيلات كوسيلة للبقاء في السلطة، بينما قبلت المؤسسة العسكرية بها—أحيانًا مضطرة، وأحيانًا شريكة—لتخفيف أعبائها العملياتية. وفي الحالتين، كان الثمن هو إضعاف الدولة نفسها.

الدرس الذي يقدمه السودان للعالم ليس جديدًا، لكنه صارخ: لا يمكن بناء استقرار دائم عبر قوى مؤقتة، ولا يمكن حماية الدولة عبر تفكيكها. إن أي مشروع وطني جاد يبدأ من استعادة احتكار الدولة للسلاح، وإعادة بناء جيش مهني موحد، خاضع لسلطة مدنية، ويعمل وفق عقيدة وطنية لا تقبل القسمة.

ما دون ذلك ليس سوى تأجيل للأزمة—أو إعادة إنتاجها بشكل أكثر عنفًا.

في النهاية، لم تكن المشكلة أن السودان امتلك قوات كثيرة، بل أنه امتلك دولًا صغيرة داخل دولته—كل واحدة منها تحمل سلاحها، وتكتب مستقبلها بطريقتها.